عندما سأل الصحافي البريطاني باتريك كوكبيرن جنرالا عراقيا في حزيران/يونيو2014 عن السبب الذي كان وراء هزيمة الجيش العراقي أجاب «الفساد، الفساد، الفساد: فالفساد المستشري حول الجيش (العراقي) إلى مؤسسة ابتزاز وفرصة استثمار يدفع فيها كل ضابط ثمن الحصول على منصبه». ويقول إن الفرصة لتحقيق المال في الجيش العراقي تعود إلى زمن المستشارين الأمريكيين الذين أنشأوه في عشرة أعوام، فقد أصر الأمريكيون على تكليف شركات خاصة لتوفير الطعام والمواد الأخرى، مما فتح المجال أمام ابتزاز المال. فربما كان عدد عناصر الكتيبة الإسمي لا يتجاوز 600 لكن قائدها يتلقى ميزانية من أجل الإنفاق على طعامهم. ومع أن عدد الجنود المرابطين في الثكنة لا يتجاوز المئتين، وعليه يمكن للقائد أخذ الفرق ووضعه في جيبه. وفي بعض الحالات كانت هناك «كتائب وهمية» تدفع لها الرواتب بالطريقة نفسها. ولاحظ كوكبيرن أن عدد القوات العسكرية حول مدينة الموصل قبل سيطرة قوات تنظيم الدولة الإسلامية عليها كان على الورق 60.000 جندي ولم يكن هناك إلا 2.000 جندي منهم جاهزون لتلبية نداء المعركة أما البقية فقد كانوا في بيوتهم. ويعلق كوكبيرن «واحد من مصادر الدخل المعروفة للضباط هي تخلي الجندي عن نصف راتبه لضابط فرقته مقابل البقاء في البيت وممارسة عمل آخر».
جنود وهميون
وكما لاحظ أحد المعلقين فلا يوجد الجنود الوهميون والكتائب الوهمية إلا في روايات الخيال مثل رواية جي أر تولكين «سيد الخواتم» والتي تتدخل للمساعدة على النصر. وفي حالة الجيش العراقي لم تؤد هذه الفرق إلا للهزيمة والإهانة على يد حفنة من المقاتلين الأشداء من أتباع تنظيم الدولة الإسلامية الذين تتراوح أعدادهم ما بين 1.200 إلى 2.000 مقاتل هاجموا الموصل وشتتوا جمع القوات هناك ونهبوا كل ما لديها من معدات عسكرية حديثة.
كان سقوط الجيش وهرب ضباطه بالمروحيات مخلفين وراءهم جنودهم الذين فر بعضهم وغير زيه العسكري صدمة للإدارة الأمريكية التي أنفقت أكثر من 25 مليار دولار على تدريب وتسليح الجيش العراقي «الجديد» منذ عام 2003 أي بعد الإطاحة بصدام حسين. ولم تكن الحكومة الأمريكية بحاجة للتساؤل عن أسباب الهزيمة فالجواب حاضر مكتوب على جدار الحكومة ببغداد، فقد أنتج الغزو الأمريكي حكومات فاسدة لا يهمها إلا سرقة مصادر بلدها. ففي عام 2013 جاءت مرتبة العراق على قائمة منظمة الشفافية الدولية 171 من بين 177 دولة.
وفي الوقت الذي يتعلل فيه الأمريكيون بأنهم ليسوا مسؤولين عن الفساد وأن مهمتهم كانت تدريب جيش حديث وذا عقيدة قتالية إلا أنهم يتجاهلون سياساتهم التي أنتجت هذا الجيش الضعيف الذي فقد جنوده الدافعية للقتال وأصبح هم قادته حشو جيوبهم بالمال، وعمل الجنود شراء طريقهم في صفوف الجندية، فقد أصبح في العراق «الجديد» لكل شيء سعرا من الدخول في الأكاديميات العسكرية التي أنشأها الأمريكيون إلى الترفع في سلك العسكرية وشراء رتبة الضابط والعميد واللواء والفريق.
وفي الحقيقة فقصة الفساد ليست جديدة، ففي مقال كتبه جيمس فالوس عام 2005 تحت عنوان «لماذا لا يوجد في العراق جيش؟» لاحظ فيه أن عقود شراء السلاح التي تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار كان يقتطع منها 500 مليون دولار لـ «الرشاوى والعمولات والإحتيال». وفي العام نفسه كتب إليوت واينبيرغر مقالا في «مجلة لندن لمراجعة الكتب» نقل فيه عن المتحدث باسم وزارة الداخلية في حينه اعترافا يقول «ندفع رواتب لـ 135.000 ولكن لا يعني أننا ندفع إلى 135.000 جندي عامل» وشاهد واينبيرغر أدلة على وجود 50.000 جندي وهمي في سجلات وزارة الداخلية «وهي أسماء مخترعة يقوم الموظفون البيروقراطيون والضباط بأخذ رواتبهم». وكما قال كايلي فالوس في مقال لها العام الماضي «الجيش العراقي الذي لم يكن» حيث قارنت بين الرؤية العالية الأمريكية للجيش وفاعليته وبين الواقع الحقيقي.
ما الذي حدث للعراق وجيشه الذي كان من أقوى جيوش المنطقة وخاض حروبها منذ عام 1948 وانخرط منذ عام 1980 في حروب طويلة مع إيران واجتاح الكويت؟ الجواب يكمن في سياسات الغزو الأمريكي وقرارات الحاكم المدني بول بريمر الذي كان أول قرار اتخذه بعد تسلمه منصبه هو حل الجيش العراقي حيث شرد القرار 400.000 وحل مؤسسة عسكرية بكاملها: وجنودا مدربين ولديهم خبرات طويلة وتركهم في الشارع بدون عمل أو راتب. وكان القرار وصفة للتمرد وولادة المقاومة حيث انضم الكثير من أفراده للعمل في صفوفها، وفي فترة لاحقة أصبح قادته جزءا هاما من تركيبة تنظيم الدولة الإسلامية الذي خرج من معطف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. والتعاون بين «داعش» وضباط الجيش العراقي السابقين واضح والتنسيق حصل في بداية الهجوم الساحق والسريع على الموصل وهزيمة جيش الحكومة العراقية التابع لنوري المالكي.
فشل ذريع
كانت رغبة بريمر وبالضرورة إدارة جورج بوش التي عينته والنخبة العراقية التي جاءت على ظهر الدبابات الأمريكية واضحة في التخلص من الجيش السابق بسبب ارتباطه بصدام ولأنه تمثيل عن نظام بعثي كما قالوا، رغم أن البعد الجيوسياسي واضح وهو إخراج العراق من معادلة القوة في الشرق الأوسط. ومن هنا أرادت واشنطن إنشاء جيش جديد من الصفر. وكما أشار مراسل صحيفة «واشنطن بوست» توم ريكس في كتابه الذائع الصيت «فشل ذريع» فقد كانت واشنطن ترغب في البداية بإنشاء «مأمورية شرطة» قوة صغيرة تتراوح ما بين 30.000 – 40.000 جندي وبدون قوة جوية، مهمتها تأمين حدود البلاد بدون أن تشكل تهديدا لجيران العراق. كان هذا واحدا من الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها الأمريكيون الذين اعتقدوا أنهم بإنشاء جيش نظامي حديث قليل العدد فسيتحقق الإستقرار في العراق والمنطقة.
والأهم من ذلك أكد الأمريكيون على أهمية غرس عقيدة للجيش أو الروح القتالية في نفوس الجنود مهما كان عددهم. وكان هذا طموح محكوم عليه بالفشل وتفكير ساذج الجنرال المتقاعد ويليام أستور في مقال له العام الماضي نشره موقع «إنفورمد كومينت». وناقش فيه أن محاولة قوة محتلة خلق جيش موحد من شعب غاضب وغير موحد تفكير ساذج. فما فعله الإحتلال هو مفاقمة الإنقسام. فقد شهد العراق بعد الإطاحة بصدام حسين حربا أهلية بين السنة والشيعة، فيما خرجت الجماعات المسلحة من الجانبين وبدأت تقاتل القوات الأمريكية المحتلة. وهو ما دعا الولايات المتحدة للبحث عن طرق لقمع التمردات التي اندلعت في كل أنحاء البلاد. وفي الطريق إلى هذا عملت على توسيع «مأمورية الشرطة» أو الجيش الصغير الذي ارادت تشكيله، وهو ما أدى لتشكيل قوة عسكرية كبيرة صارت مهمتها تحقيق نوع من الهدوء في البلاد ومنحت غطاء للقوات الأمريكية كي تنسحب من العراق. ولكن لماذا فشل الجيش العراقي وانهار أمام قوة صغيرة تميزت بعقيدة قتالية قوية. الجواب يكمن في النظام السياسي الذي أنشأه الأمريكيون وقام على المحاصصة الطائفية، وسلم الشيعة السلطة حيث حكموا باسم المظلومية التاريخية. وجاءت إلى الحكم طائفة فاسدة استغلت السلطة للإثراء وبالضرورة أثرت على مؤسسة الجيش. وكما قلنا في البداية فحكومة فاسدة تخلق عادة جيشا فاسدا. ففي ظل نوري المالكي تحول الجيش إلى مؤسسة طائفية مسيسة سلطها على السنة للإنتقام منهم.
وفي إطار آخر تحول الجيش إلى مؤسسة للثراء غير المشروع مما أثر على تماسكه ومعنوياته. وكما ظهرت في مرحلة ما بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على ربع العراق فقد تخلى القادة عن جنودهم وتركت بعض الوحدات العسكرية لتدافع عن نفسها لأيام طويلة بدون غذاء أو ماء ولا عتاد. لم ينتج السلاح الحديث ولا التدريب العالي قوة عسكرية ذات عقيدة قتالية وولاء لأن المؤسسة السياسية منقسمة والبلاد متشرذمة.
جزء من مشكلة الجيش العراقي وفشل الأمريكيين أنهم أنفسهم لم يفهموا العراق وعاملوا العراقيين كجهلة أو أناس يحتاجون للمساعدة الدائمة. وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رمسفيلد يحبذ استخدام مقاربات الأطفال عندما يشير للعراق والعراقيين. وفي الوقت نفسه لم يفهم الأمريكيون عادات وثقافة العراقيين وخصوصيتهم التاريخية. وكما لاحظ العقيد الأمريكي المتقاعد دوغلاس ماكريغور في عام 2004 فلم يفكر الأمريكيون في عواقف إجبار الجنود الأمريكيين تطبيق ممارسات قاسية على شعب لا يعرفون ثقافته «لقد اعتقلنا الناس أمام عائلاتهم وجررناهم بعد وضع الأكياس على رؤوسهم، ولم نقدم معلومات لعائلاتهم أين أخذناهم وفي النهاية قتل جنودنا وشوهوا آلالاف العراقيين، لم يكن 90٪ منهم اعداء وأصبحوا اليوم كذلك». لقد كشف انتصار تنظيم الدولة الإسلامية حجم الضرر الذي أصاب الجيش العراقي الذي أنشئ عام 1921 في أعقاب ثورة العشرين ليكون جيشا للعراق الموحد وأصبح اليوم جيشا ضعيفا تقوده الميليشيات التي تلقى الدعم من إيران.
احتفل الجيش العراقي قبل أيام بعيد إنشائه ولكنه ظل من مجده القديم، وقد اعترفت الولايات المتحدة أنها لن تكون قادرة على إصلاح الجيش بعد ان تبين ان ثلثي كتائبه لا تصلح للقتال. ويقول الأمريكيون إنهم يركزون الآن جهودهم وجهود مستشاريهم على تدريب الجنود وتهيئتهم لحملة الربيع ضد تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية، أما الفساد فهذا ليس وقت التصدي له. يرتكب الأمريكيون مرة أخرى الخطأ نفسه.
إبراهيم درويش