■ كما كان متوقعا، لا تغيير حقيقيا في معادلة الانتخابات العراقية، لان المقدمات كانت قد وشت مسبقا بالنتائج، وهي كلها كانت تصب بمصلحة من بيده السلطة، تنفيذيا وقضائيا وحتى تشريعيا، فالمالكي ممسك بتلابيب مفوضية الانتخابات، وهي عاجزة امام اختراقات سلطته، وقبلها القضاء، وقبلهما تحكمه تماما بصفته القائد العام للقوات المسلحة ووزير للدفاع والداخلية، بالامن العام والخاص، وكل اشكال التخابر، وبكل الموارد، بعد ان سيطر جلاوزته على زمام امور البنك المركزي، وتمكنه من احتواء كل اجهزة الرقابة والمحاسبة وتحويل عناصرها الى ادوات طيعة، بالترغيب تارة وتارة بالترهيب، ناهيك عن مسخه لدور الاعلام الرسمي المستقل، وفي مقدمة المقدمات من كل هذا الخراب، شله لعمل مجلس النواب وتقزيمه من داخله بواسطة كتلته ومن يدور بفلكها من نواب الفرص، ومن خارجه بواسطة الحجر على دوره الرقابي على عمل اجهزة السلطة، مستفيدا من هزال الدستور وهشاشة معارضيه.
لقد بدد المال العام وواصل مسلسل الفتن والفوضى غير الخلاقة، الذي بثه المحتل الامريكي، واستبعد واجتث وزور، وارهب المدن العاصية على فساده واستبداده بجرائم حرب قذرة، تحت عنوان هو الاخر اكثر زورا وبهتانا من تزويره لارادة الناخبين، يقتل المدنيين ويحاصرهم ويغرقهم ويقصفهم بالبراميل المتفجرة ويهجرهم، ومن ثم يسرق اصواتهم، كل هذا تحت شعار تصفية الحساب مع الارهاب، في حين انه هو ذاته بعينه ويديه وعقليته الطائفية وتبعيته وبمن معه من ميليشيات، رأس الارهاب الاول في العراق.
اذا بحثنا اكثر عن جذر الولاية الثالثة فاننا سنجد صاحبها ومنذ ولايته الاولى عام 2006، التي جاءت على اكتاف ولاية الجعفري، حين تصيد المالكي فرصة البحث عن بديل للتسوية مع رافضي الجعفري وتطوعه سرا كحل وسط مقبول، كان قد عقد العزم على ان يعقد عقدا كاثوليكيا مع الولاية غير مسماة الاجل، يضاهي بها عقد المتعة مع الولاية الذي خطه الجعفري، الذي تنازل مكرها عنه للمالكي، بدليل انشقاقه مباشرة وتشكيله لحركة الاصلاح الوطني، المالكي يريد ان يتفوق على حجة الجعفري بحجة تتفوق على الجميع، حجة السلطة المطلقة، حيث الاحتفاظ بالولاية حتى لو رفضها الجميع، وقد قالها صراحة اثناء ولايته الثانية لن يأخذها احد حتى اعطيها.
حصد تحالف المالكي نحو 95 مقعدا من اصل 328 ومن المتوقع انضمام 10 الى 15 مقعدا من الكتل الصغيرة والمبعثرة والعشوائية الى كتلته، وتحديدا بعد ان وصلت قيمة الدفعة الاولى من تسعيرة المقعد المنضوي بحدود المليون دولار مع سيارة «رباعية الدفع على الزيرو»، اضافة الى ملحقات تتناسب مع حجم وانحدار المنضوي من مثل وزارة او سفارة او درجة خاصة، ومن المتوقع ايضا ارتفاع سعر المقعد الذاهب لدولة القانون مع استمرار رفض التيار الصدري والمجلس الاسلامي الاعلى والتحالف الكردستاني ومتحدون والوطنية لتسمية نوري المالكي للولاية الثالثة، ومعنى هذا ان هدف المالكي في المرحلة الاولى هو منع خصومه من تشكيل الكتلة الاكبر، التي يجب ان تحتوي على 166 نائبا حتى لا تستطيع ترشيح رئيس وزراء اخر، من خلال شق صفوفها وتثليم اطرافها الرخوة، ومن ثم تعجيزها وكسب الوقت مع استمرار الضغوط عليها لجر اطراف كبيرة منها للتحالف معه، مقابل ما تريد من مناصب لا تتوقعها في حالة اشتراك الجميع في الحكومة!
الفرق بين فوز المالكي بهذه الانتخابات عن فوز علاوي بانتخابات عام 2010 ، التي حصلت بها القائمة العراقية على 91 مقعدا، ان الاخير لم يكن قادرا على انتزاع استحقاقه وذلك لان السلطة ليست بيده، وانما بيد المالكي الذي حازت قائمته 89 مقعدا، فالمالكي استطاع ان يفرض اعادة عملية العد، واستطاع ان يجعل تفسير القضاء بمصلحته عندما قررت المحكمة العليا بقيادة مدحت المحمود بان الكتلة التي تمنح الحق بتشكيل الحكومة هي ليست الكتلة الفائزة بالانتخابات، وانما الكتلة الاكبر التي تشكل بعدها، الان يسعى المالكي لتشكيل الكتلة الاكبر، وهو ليس بعجلة من امره طالما هو قادر على تعطيل محاولات الاخرين، وهو سيفرض عليها امرا واقعا يجعل بعضها على اقل تقدير ينجر للاتفاق معه وبالتالي تلبية شروط الاستحقاق الاسمية.
لا يغير الله ما في قوم حتى يغيروا ما في انفسهم وقوم العملية السياسية لا يريدون تغيير ما بانفسهم، البلاد ممزقة وتطحنها كل طواحين الحروب الصغيرة والكبيرة وهي موبوءة بمرض فرق تسد، الذي حلل الفساد وبكل الوانه، والذي يتحمل مسؤولية انتشاره وعلى هذا النحو من يمنون النفس بالتغيير ايضا، اي ان كل المشاركين الاساسيين في تلك العملية هم انفسهم من ساهم وبتفاوت في صنع هذا الواقع، انهم يصمتون ازاء جريمة حرق الفلوجة بالبراميل المتفجرة، ويصمتون ازاء تدخل رئيس الوزراء بكل عمل مؤسسات الدولة التي لا فصل للسلطات فيها، يصمتون ازاء بقاء دور رئيس الجمهورية مغيبا لمدة تجاوزت العامين، يصمتون ازاء خروقات المفوضية، يصمتون ازاء فبركة التهم ضد زعامات بينهم من مثل طارق الهاشمي ورافع العيساوي واحمد العلواني وكل المستبعدين من الترشح للانتخابات الاخيرة من امثال الشيخ صباح الساعدي وحيدر الملا وجواد الشهيلي ومها الدوري وغيرهم. انهم انفسهم من توافق على دستور يشرع للفوضى بحكم مفردات منطوقه، وهم انفسهم من توافق على اعتبار المكون هو اللبنة الاولى في بناء الدولة وليس المواطن، وهم انفسهم من اعتبر النظام السابق ممثلا لبطش السنة بالشيعة والاكراد، وان الوقت قد جاء ليلعب الشيعة هذا الدور، وينعم الاكراد فيه بالفرجة الذكية الداعية لاقامة دولة داخل دولة حتى ساعة الخروج الكبير مع اكبر الغنائم من تحت اطلال شيء كان يسمى العراق، متناسين ان النظام السابق كان يحكم بعقلية حزب علماني، وانه كان يبطش بمن يصارعه على السلطة بمعزل عن انحداره الطائفي والاثني، بالضبط كما يفعل الان المالكي وبارزاني مع فارق كبير بان النظام السابق كان يحكم عراقا كبيرا عابرا للطائفية والاثنية، وكان في صفوفه الوسطى والعليا والدنيا، من الشيعة والاكراد العدد الكثير، وانه قاتل ايران الفارسية الشيعية بجيش غالبته من العرب الشيعة، وان ما نال السنة من بطش لا يقل عن امثاله، انهم انفسهم من برمج قواعد اللعبة الانتخابية المشوهة بقانون ليس بديمقراطي، وانهم انفسهم من لم يقر قانون الاحزاب، وانهم انفسهم من تقبل فكرة حصر رئاسة الوزراء بالبيت الشيعي، وانهم انفسهم من اقر مبدأ الاجتثاث واذلال من كان يخدم الدولة ايام النظام السابق، وانهم انفسهم من اعتبر احتلال العراق تحريرا، وان لامريكا وايران الفضل الموصول، وانهم وبتفاوت يتعاملون مع ايران وامريكا كمراجع عظام للعملية السياسية القائمة، انهم انفسهم من اعتبر المال العام غنيمة، انهم انفسهم من افسد وبكل المجالات، انهم انفسهم من مارس الارهاب ايام المعارضة وايام الحكم وكانت ميليشياتهم حصانهم حتى داخل ما يسمى بالجيش الجديد، انهم انفسهم يفضحون بعضهم بعضا ايام الانتخابات باسم الديمقراطية والنزاهة والدفاع عن حقوق الشعب بوجه تغول سلطة بعضهم على حساب سلطة الاخرين، وهم انفسهم من يتوافق بعد فترة من اعلان النتائج على المغانم والحصص والمكاسب والمناصب باسم الشراكة ومحاربة الفساد، انهم انفسهم من صوت على اسماء مفوضية الانتخابات، وهم انفسهم من صوت على تركيبة المحكمة العليا، وهم انفسهم من صوت على اعضاء ما يسمى بالهيئات المستقلة.
ان رفع شعار التغيير لا يغفر لرافعيه ذنوبهم، فلا معنى للتغيير عندهم غير محاولة لنيل حصة الاسد من السلطة، فكل القوى السياسية التي تخادمت مع المشروع الامريكي الايراني لاحتلال العراق واسقاط دولته وتعويق طاقاته عبر تهتيك نسيجة الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، قامت برفع هذا الشعار الفضفاض والمضلل، كتميمة انتخابية يراد بها القفز على واقع انكشاف حجم الخراب المتوالد الذي سببته مجتمعة للعراق وشعبه وفشلها بالتغطية عليه، على الرغم من مرور 11 سنة على تسلمها لمقاليد السلطة فيه، لقد اثبتت عجزها جميعا حتى عن الحد من تعاظم حجم الدمار الشامل الحاصل، والفساد النوعي والكمي الذي ساد بسيادتها، ناهيك عن القدرة على ايقافه.
للاسف سيعود المعولون على التغيير الفعلي بواسطة الدمغة البنفسجية منزوعة الصوت، بخفي حنين بعد ان يكتشفوا ان هذه العملية برمتها حجزت خط سيرها وفق نظام، «وان وي تكت».
٭ كاتب عراقي
جمال محمد تقي