في الكنية… حفريات اجتماعية في اللغة

■ البحث في تركيبات ومباني اللغة يعد من الطرق المهمة التي تساعد الباحث على فهم الأنساق الثقافية والبنى الاجتماعية في أي مجتمع، ومن هذه الزاوية يأتي البحث في الكنية وتفاصيلها وأصلها وجذرها الذي قد يضيء لنا ما يفيد ويمتع، وفي البدء يجب أن نسأل ما هي الكنية؟ وما هو جذرها التاريخي؟ وهل ما تزال هذه الصيغة موجودة ومؤثرة في مجتمعاتنا اليوم؟
الكنية من الكناية، وهي التعريض بالشيء بدون التصريح باسمه، فعادة الناس أنهم يعرضون بالشيء، ولا يصرحون بذكر اسمه. والكنية معروفة عند العرب، قال الجرجاني؛ الكنية: ما صُدِّر بأب أو أم أو ابن أو بنت، وقال الشيخ الرضي: الكنية هي الأب، أو الأم، أو الابن، أو البنت، مضافات نحو: أبوعمرو، وأم كلثوم، وابن آوى، وبنت وردان.
والعرب متفردون في التكنية إذ لا توجد هذه الظاهرة في الثقافات الأخرى، أي أن يعرف الشخص بأبي فلان أو أم فلان، وللتكنية عند العرب أسبابها التي اختلف الباحثون فيها، حيث يرى بعضهم أن العرب كانوا يتفاءلون بتكنية الولد ليطول عمره حتى يتزوج وينجب، كما يرى بعض الباحثين أن الكنية تمنع الألقاب السيئة، وهي من العادات المعروفة في المجتمعات الصغيرة، ثم يبقى هذا اللقب ملتصقا بالشخص لفترات طويلة. وقال الشيخ الرضي، الكنية ـ عند العرب ـ يقصد بها التعظيم، لعدم التصريح بالاسم، كما رأى بعض الباحثين أن الكنى انتشرت في المجتمعات القبلية البدوية لتجنب ذكر الاسم لاحتمال أن يكون الشخص مطلوبا لثأر او مشكلة مع قبيلة أخرى، ثم تطور الأمر وأصبحت الكنية عند العرب مما يظهر الاحترام في التعامل، فلا يجوز للأدنى أن يخاطب الأعلى إلا بكنيته.
والكنى تتأثر وتختلف من مجتمع لآخر، ففي بعض المجتمعات العربية مثل العراق ودول الخليج وبعض المناطق الريفية والشعبية في الشام ومصر ما تزال تستخدم الكنى في تعامل الناس مع بعضهم، بينما اختفت التكنية من العديد من المجتمعات العربية. وتوجد في العراق ظاهرة يمكن أن نسميها (الكنى الافتراضية) أي أن يكنى الشخص بحسب اسمه، بدون أن يكون له ولد يحمل هذا الاسم حقا، وهذه العادة كانت تتبعها العرب للتفاؤل، وتغلب على هذه الكنى في العراق الأسباب التاريخية التي تربط بين الاسم والكنية، بناء على شخصية تاريخية، مثال ذلك محمد يكنى ابو جاسم، وهو تحوير عراقي لابي القاسم حيث قلبت القاف جيما، وهي كنية الرسول (ص)، وعلي يكنى أبو حسين نسبة إلى الخليفة الرابع علي بن ابي طالب (رض)، وتقبل بعض الكنى عملية العكس مثل حسين أبو علي، أو خالد (أبو وليد) ووليد (أبو خالد). وهنا لابد من ذكر مفارقة اجتماعية ففي العراق يكنى حسين بأبي علي نسبة إلى الحسين بن علي بن ابي طالب (رض) بينما في مصر مثلا نجد أن حسن هو الذي يكنى (ابو علي)، ويعود هذا الامر إلى تعلق العراقيين بالامام الحسين (رض) المدفون في ارضهم، كذلك قد يكنى الاسم باسم مرتبط به بالمعنى مثل تكنية كريم او عبد الكريم (ابو حاتم ) لعلاقة الكرم بحاتم الطائي، ويكنى طه (ابو ياسين) لان الاسمين هما اسمان قرأنيان للرسول الكريم، كذلك نجد أن هنالك بعض الكنى التي تاخذ شكل سلسلة ولا تقبل التعاكس مثل الأمثلة السابقة، مثل عبدالله يكنى (ابو نجم ) ونجم يكنى (ابو سهيل)، والأصل في هذه الكنية هي قصة سيدنا عيسى (ع) الذي بحث عنه الكهنة المجوس يوم ولادته مستهدين بنجم ظهر في السماء ليدلهم على مكانه، وفي القصص القرآني عندما جاء بنو اسرائيل يسألون مريم (ع) عن الطفل اشارت لهم أن اسألوه فقال لهم الطفل إني عبدالله، وبذلك أصبح عبدالله (ابو نجم) في المخيال الشعبي العراقي، اما نجم وكنيته (ابو سهيل) فهي ربط لظواهر طبيعية ببعضها ونجم سهيل من النجوم المعروفة لدى الناس.
ولم يكن العراقيون يكنون باسماء البنات، اي أن من يرزق ببنت أو اكثر لم يكن يكنى بها وتبقى كنيته الافتراضية التي أشرنا إلى بعض امثلتها سابقا، وهذه العادة الاجتماعية بقيت نافذة حتى وقت قريب، وهي عادة اجتماعية تقوم على أن اسم المرأة عورة يجب عدم ذكره، لكن الأمر تغير منذ حوالي منتصف القرن العشرين مع شيوع الحداثة في المجتمع وتطور وضع المرأة فيه، بعد أن تعلمت ودخلت إلى سوق العمل وأصبحت مشاركة فاعلة في المجتمع، رغم أن بعض العراقيين مازالوا يخجلون من ذكر اسماء امهاتهم او اخواتهم، ولأن الكنية من وسائل الاحترام في الخطاب بين العراقيين، كنا نجد فيما مضى أن الزوج والزوجة يتخاطبان بكنيتيهما، فينادي الزوج زوجته بأم فلان وتعامله الزوجة بالمثل، لكن التغيرات التي اشرنا لها والتي طرأت على المجتمع غيرت الامر واصبح الحوار بين الزوجين اكثر بساطة وحميمية فاصبح استخدام الكنية بين الزوجين اقل وربما استعملت في وجود الغرباء فقط. ولم تقتصر الكنى على الانسان فقط، بل تعدتها للكائنات العليا وما له علاقة بالعقيدة، فيكني العراقيون اسم الجلالة بابي الخيمة الزرقاء (ابو خيمة الزركة) كناية عن خلق الله للسماء التي تحيط بكل المخلوقات، كما أن بعض الائمة والشخصيات المقدسة اشتهرت بكناها فالشيخ عبد القادر الكيلاني يكنى (ابو صالح الباز)، كما يكنى الامام موسى الكاظم (ابو الجوادين) ويكنى العباس بن علي بن ابي طالب اخو الحسين بن علي، الذي استشهد معه في معركة الطف في كربلاء ودفن على مقربة منه بابي فاضل وهو تحوير عن كنيته الاصلية وهي ابو الفضل العباس، كذلك يكنيه البعض (ابو رأس الحار) كناية عن كراماته التي يظهرها لمن يطلبها بسرعة وبدون تأخير، فيصيب من يحلف به كذبا باسرع ما يمكن، كذلك عثر في ستينيات القرن العشرين على مقام في شارع الرشيد اثناء هدم إحدى البنايات القديمة، ويعتقد الناس انه مقام السيد احمد الرفاعي القطب الصوفي الشهير الذي عرفه الناس بكنية (ابو شيبة) ومايزال البعض يزور هذا المقام ويضع الحناء على حائطه ويوقد الشموع ببابه طلبا للبركة.
وحتى الجمادات في العراق كان لبعضها كنى تميزها مثل السيارات التي اشتهر منها في الخمسينيات سيارات دوج الامريكية التي عرفت بـ (دوج ابو عليوي) ربما على اسم اشهر مصلح لهذا النوع من السيارات، كما أن سيارة المرسيدس 250S كانت تعرف بـ (مرسيدس ابو شوارب) بسبب شكل مقدمتها وسيارة تويوتا كراون كانت تعرف بـ (كراون ابو التاج) لوجود التاج المميز في مقدمتها.
كذلك كان للكثير من الحيوانات كنى معروفة بها، فالعرب كانت تكني الضبع بام عامر والاسد (ابو حفص) والديك (ابو يقضان) والغراب (ابو القعقاع) والجمل (ابو ايوب) والحمار (ابو صابر) والثعلب (ابو الحصين)…الخ، وواضح من تلك الكنى أن لها علاقة بطبيعة الحيوان أو صوته أو ما يقوم به من اعمال، ولكنية الحيوانات قصة ظريفة حدثت مع الدكتور مصطفى جواد اللغوي العراقي الشهير الذي كان يقدم برامج عن اللغة العربية في الاذاعة والتلفزيون نهاية الستينيات، وكان من اشهرها برنامجه (قل ولا تقل) الذي يسلط فيه الضوء على الاخطاء الشائعة في اللغة، وذات مساء وفي ساعة متأخرة اتصل به احد العابثين على هاتف منزله فهب الدكتور مذعورا للإجابة فاذا باحدهم يترجاه أن يجيبه على سؤال لا يحتمل التأجيل حتى الصباح، فقال له الدكتور اسأل، فكان سؤال المتصل العابث ما هي كنية (ابو بريص) – وهي نوع من السحالي معروف في العراق ويسميه العرب البرص – قبل أن يرزقه الله ببريص، وعندها انهال الدكتور مصطفى جواد على المتصل بالشتائم، فما كان من المتصل الا أن يقول للدكتور بجدية اذا كنت لا تعرف فقل لا اعرف لماذا تشتم، فاجابه الدكتور بنفاد صبر، لا يا سيدي لا اعرف فنورنا انت، فقال له المتصل العابث كانت كنيته ابو غايب وانهى المكالمة وهو يغص بالضحك. وكنية ابو غايب (غائب) هي من الكنى المستعملة في العراق لمن تزوج ولم يرزقه الله بالذرية بعد، لذا فولده مازال في علم الغيب.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية