في المسار الفلسفي للشعرية العربية: تحولات شملت خطاب الشعر وفعله النوعي

حجم الخط
0

في سياق تلقيهم متفاوت القيمة لـ«فن الشعر» الأرسطي، وتأويلهم المحايث لأمشاجٍ منتبذة من تصور أرسطو للمنطق والخطابة، لم يدخر الفلاسفة المسلمون جهدًا لِوَضع تصورهم للشعر ضمن نظريتهم المعرفية العامة، مُحاولين تبيئة مفاهيم الشعر اليوناني الدرامية والميثولوجية لصالح القصيدة العربية الموسومة بالغنائية في معظمها. فإذا كان أرسطو لا يتصور المحاكاة في الشعر بدون الأفعال، ولا يرى الشاعر إلا بوصفه «صانع حكايات أكثر منه صانع أشعار لأنه شاعر بفضل المحاكاة، وهو إنما يحاكي أفعالًا»، فإنه كان يُلغي من حسابه الشعر الغنائي، وهو ما أدركه الفلاسفة، مثل الفارابي الذي أمسك بمفهوم المحاكاة الذي بنى عليه أرسطو تصوره للشعر، بقوله: «هو أن يؤلف القول الذي يصنعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيهالقول، وهو أن يجعل القول دالا على أمورٍ تحاكي ذلك الشيء»، وأوحى له ذلك بأن الشعر عند اليونانيين تمثيلي مرتبط بفعلالتمثيل والحركة، أما الشعر عند العرب فهو غِـنائي مُرتبط بالقولوالتعبير عن الذات، كما أكده ابن سينا بقوله: إن «الشعر اليوناني إنما كان يقصد فيه في أكثر الأمر محاكاة الأفعال والأحوال لا غير، وأما الذوات فلم يكونوا يشتغلون بمحاكاتها أصلًا كاشتغال العرب». وباصطلاحاته، جعل ابن رشد المحاكاة إما بالصوت والهيئة أو بالعبارة، لافتًا إلى الفارق النوعي بين الشعر العربي والشعر اليوناني من حيث طبيعة المحاكاة هذه، فإذا كان الأقدمون من شعراء اليونان يعتمدون «في الأغلب محاكاة بالصوت والهيئة»، فإن «الشعراء العرب إنما كانوا يستعملون في الأغلب المحاكاة التي من النوع الأخير، أعني المحاكاة التي هي بالعبارة»، وهكذا فـ»الأقاويل المحركة إلى اللذات موجودة كثيرًا في أشعار العرب»، أي ما يجعل منه أكثر مخاطبة للجانب الحسي والشهواني في الإنسان.
كان على هؤلاء الفلاسفة، تباعًا، أن يُكيفوا مبدأ المحاكاة مع خصوصية الشعر العربي الذي يميل إلى الحس، ففهموا المحاكاة بأنها تشبيهٌ، مثلما يتجلى ذلك في سعي الفارابي إلى إبراز وظيفة المحاكي التي حصرها في التشبيه، وميزها عن وظيفة المغلط التي تسعى إلى الإيهام، بقوله: «فأما المحاكي للشيء فليس يوهم النقيض لكن الشبيه»، فغرض المحاكي، في نظره، هو «أن يوقع في ذهن السامعين – والمتلقين – المحاكي للشيء بدلا من الشيء نفسه». ولفت ابن سينا إلى أن العرب كانت تقول الشعر لوجهين، أحدهما ليؤثر في النفس أمرا من الأمور تعد به نحو فعل وانفعال، والثاني للتعجب فقط فكانت تشبه كل شيء للتعجببحسن التشبيه. أما اليونانيون فكانوا يقصدون أن يحثوا بالقول على فعل، أو يردعوابالقول عن فعل، وتارة كانوا يفعلون ذلك على سبيل الخطابة، وتارة علىسبيلالشعر»، ووجد أن المُحاكيات ثلاثة: «تشبيه واستعارة وتركيب». ويُعمم ابن رشد، في ترجمته لمضمون المحاكاة عند أرسطو، أشكال المحاكاة على كل صِيَغ التصوير اللغوي من تشبيهٍ واستعارةٍ وكنايةٍ وتمثيل؛ وبالتالي، يجب على الشاعر أن يلزم في تخييلاته ومحاكاته الأشياء التي جرت العادةفي استعمالها في التشبيه، وألا يتعدى ذلك طريقةالشعر. ذلك ما يجعل الشعر مقرونًا بالتخييل: «الشاعر يجري مجرى المصور: فكل منهما مُحاكٍ».

المحاكاة، ثُم الوزن

في تنظيراتهم وأبحاثهم الخاصة بصناعة الشعر، ركز الفلاسفة في تعريفهم للشعر على رُكْنين اثنين، هما: المحاكاة والوزن؛ فلا يقوم شعرٌ، عندهم، إلا بهما. ولهذا، يُرجعون مصادر الشعرية إلى «الالتذاذ بالمحاكاة» من جهة، وإلى «حب الناس للتأليف المتفق الألحان طبعًا».يضع الفارابي المحاكاة أولًا، والوزن ثانيًا: «في قوام الشعر هو المحاكاة وعلم الأشياء التي بها المحاكاة، وأصغرهما الوزن». فالوزن ليس إلا وسيلة من وسائل المحاكاة، ولا غنى للشعر عنه، لكن إذا جاء موزونًا وليس مُحاكِيًا فإنه ليس بشعر. ولتأكيد أهمية المحاكاة في صنعة الشعر وأن الوزن وحده فيها لا يكفي، يقول الفارابي: «وكثير من الشعراء الذين لهم أيضًا قوة على الأقاويل المقنعة يضعون الأقاويل المقنعة ويزنونها فيكون ذلك عند كثيرٍ من الناس شِعْرًا، وإنما هو قوْلٌ خُطْبي عدل به عن منهاج [الشعر إلى منهاج] الخطابة». لما وُجِد الشعر والخطابة يلتقيان في ضروبٍ من الوزن، قدم الفلاسفة، ابتداءً من الفارابي، المحاكاة أو التخييل على الوزن، بحيث أن الوزن بمفرده لا يجعل قولا من «الأقاويل الشعرية» شعرًا. ويقول ابن سينا: «وقد يعرض لمستعمل الخطابة شعرية، كما يعرض لمستعمل الشعر خطابية. وإنما يعرض للشاعر أن يأتي بخطابية، وهو لا يشعر إذا أخذ المعاني المعتادة والأقوال الصحيحة التي لا تخييل فيها ولا محاكاة، ثم يركبها تركيبًا موزونًا. وإنما يغتر بذلك البُلْه، وأما أهل البصيرة، فلا يعدون ذلك شعرًا. فإنه ليس يكفي للشعر أن يكون موزونًا فقط». فالوزن من جملة ما يُنتفع به في الخطابة، ولكنه ليس خاصةً من خواصها، وهو ما أشار إليه ابن رشد، بقوله إن «التغيير ينبغي أن يكون نفعه في الصناعتين على نسبة نفع الوزن فيهما، ولذلك كان أخص بالشعر، لكون الوزن أخص به». فخاصية الشعري داخل الشعر تكمن في المحاكاة مع ما يصحبها من وزن، فلا يكون الكلام شعريا إلا عندما «يجتمع فيه القول المُخيل والوزن».

فعل الشعر

بيد أن هناك مفهومًا لا يقل أهمية، هو مفهوم التغيير الذي فكر من خلاله الفلاسفة المسلمون في صفة الشعر أو في العلاقة بين طبيعة الشعر ووظيفته. فهم رأوا أن التغيير شَرْطٌ للتخييل، وعنوا به كل العمليات التي ينزاح فيها القول الشعري عن نظام المواضعات ليخرج «غير مخرج العادة»، بتعبير ابن رشد. لم يستخدم الفارابي هذا المفهوم ولا واحدًا من مشتقاته (تغيير، تغييرات، القول المغير، الأسماء أو الألفاظ المغيرة..) وإن كان ابن رشد أشار إلى أن الفارابي كان يرى «التغيير المركب» خاصا بالشعر. لكن المفهوم نجده يتردد عند ابن سينا، من ذلك قوله: «واعلم أن القول يرشق بالتغيير هو أن لا يستعمل كما يوجبه المعنى فقط، بل أن يَستعير، ويُبدل، ويُشبه». فهو يرى أن التغيير يقصد به الصور القائمة على العلاقة الخفية من تشبيهٍ واستعارةٍ وسواهما مما يُعبر عن الانزياح اللغوي صوتيا وتركيبيا ودلاليا، داخل إطار ما يسميه بـ«الحيل الصناعية». أما التغيير، كما ناقشه ابن رشد، فهو المجاز، ويرتبط بـ«الفعل الشعري»، وهو ما به يصير القول قَوْلًا شعريا، إذ يتجاوز المألوف عبر استخدامه الاستعارة والكناية والتشبيه، واشتمال بنيته على أساليب المعاني من التقديم والتأخير والزيادة والإيجاز والحذف وغيره، حتى أنه يشمل ضروبًا أخرى مثل الأسماء الغريبة والرمز واللغز. يقول ابن رشد: «والقول إنما يكون مختلفًا، أي مغيرًا عن القول الحقيقي من حيث توضع فيه الأسماء متوافقة في الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة، وبغير ذلك من أنواع التغيير. وقد يستدل على أن القول الشعري هو المغير أنه إذا غير القول الحقيقي سمي شعرًا أو قولًا شعريًا، ووجد له فعل الشعر».
يجعل ابن رشد للتغييرات التي تتم بالموازنة، والموافقة، والإبدال، والتشبيه وَضْعًا مخصوصًا في البناء النصي. وعدا هذه التغييرات فليس في القول الشعري «من معنى الشعرية إلا الوزن فقط». وبما أن التغيير يعني «الإفراطات في الأقاويل والغلوّ فيها»، فقد جعله ـ كمَفهومٍ ـ خُطاطةً دالةً تستوعب الصور البلاغية وتُفسرها في نَسقٍ أشمل. وعليه لا يتحددُ التغيير كمجازٍ أوِ انْزِياح، إنه بالأحرى صفةٌ مُشْتركةٌ بين الصور الصوتية والتركيبية والدلالية «بحسب التركيب لا بحسب الألفاظ المفردة»، في سياق تأويل ابن رشد للمحاكاة الأرسطية ومحاولة توظيفها في قراءة الشعر العربي. فهو يحصر التغيير الناتج عن المجاز في جميع ضروب البلاغة مثل البيان والمعاني والبديع، وبهذا يكون المجاز قد أصبح يعني البلاغة العربية، تلك البلاغة التي تقوم على فعل التغيير والتجاوز للمألوف.
يدل التغيير على كل ما تُجْريه اللغة في الشعر من عمليات التحويل الأسلوبي والفني التي بها يصير القوْلُ «قَوْلًا شعريا»، وهو ما يعني أن قَصْد التغيير هو التصْوير وُفْق ما كان يؤمن به الفلاسفة أنفسهم من أن الشعر محاكاة، وأن المحاكاة وسيلة تخييل يتقومُ بها جوهر الشعر اعتمادًا على التشبيه والاستعارة بالأخص. لكن إذا فهمنا من التغيير أنه توسعٌ في العبارة واستخدام للمجاز، فلا يتم من دون وجوه التحسينات في الألفاظ التي يستخدمها الشعر كقَوْلٍ مَخْصوص ومُغير، سواء تعلق الأمر بالألفاظ كأصواتٍ مَسْموعة، أو هي مسموعةٌ ومفهومةٌ في آن.

الشعري والنثري: تأويل النوع

إن الشعر هو قَوْلٌ مُخيل ومُغير، ثُم هو مَوْزون. فقد جعل الفلاسفة من الإيقاع خصيصةً تُميز الشعر عن غيره من الأقاويل الأخرى، داخل استخدامه المخصوص للغة والوزن بوصفهما عنصرين مستقلين، وتأثيره في النفس. يقول ابن سينا: «الشعر لا يتم شِعْرًا إلا بمُقدماتٍ مُخيلة، ووَزْنٍ ذي إيقاعٍ مُتناسب، ليكون أسرع تأثيرًا في النفوس، يُميل النفوس إلى المتزنات والمنتظمات التركيب». ويبرز ذلك للعيان لما يجعل ابن سينا وابن رشد الوزن نفسه جُزْءًا من اللغة المُخيلة في الشعر، وبالتالي وسيلةً من وسائل التخييل من قبيل التشبيه والاستعارة. ذلك ما انتبه إليه ابن سينا في ضوء المشاكلة والمخالفة، وما وقف عليه ابن رشد عند حديثه عن الموافقة والموازنة، باعتبار أن تلك من أخص سمات الشعر التي تتعلق في الغالب بإيقاع الألفاظ/ المسموع من القول، لا بمعناها/ المفهوم من القول: يُدْرك ابن سينا ـ في سياق تأكيده على تحسين الألفاظ وتزيينها ـ أن الكلمة صَوْتٌ بمعزلٍ عن دلالتها، وأن هذا الصوْت يمكن أن يكون له تأثيره كَصَوْت، كما يُدرك أن تشابه أصوات الألفاظ وانسجامها وتوافقها أو تقابلها له هو الآخر تأثيره في التخييل الشعري. فهذه المشاكلة، في اللفظ، قد يُقصد بها عند ابن سينا الجناس أو الترصيع أو السجع أو التوازي في تركيب البيت الشعري، إذ تتعلق بما ينبغي أن يكون عليه شكل الألفاظ من تناسب في أصوات الكلمات وإيقاعها، وبالتالي ترتبط بالوزن الشعري ولا تنفصل عنه.
يكشف ابن رشد أن القول الشعري» إنما يكون مُخْتلفًا، أي مغايرا عن القول الحقيقي، من حيث توضع فيه الأسماء متوافقةً في الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة وبغير ذلك من أنواع التغيير». فعلاوةً على الاستخدام المجازي للغة، يرى أن القوْلَ الشعري يحوز شعريته مما يختص به من وجوه تحسين العبارة التي تتمثل – عنده – في موافقة الألفاظ «بعضها لبعض في عدد الحروف»، أي الجناس بنوعيه تاما وناقصًا، بل إن الموافقة تتعدى التوازي الصوتي (المجانسة) لتشمل التوازي الدلالي (الترادف والتضاد). غير أنهم لم يكونوا يُميّزون بين الشعر والنثر بمبدأ الوزن، بل بمبدأ استخدام اللغة، أي المحاكاة.
في المقابل، هناك أقاويل أخرى تطرق إليها الفلاسفة وأشاروا على سبيل التمثيل والمقايسة. ونجد ابن البناء العددي يستلهمها ويعيد بناءها، تبعًا لمبدأ استعمالها في طريق الحَق أو الكَذِب، وهو يُقسم القول إلى موزونٍ مُقفى وهو المنظوم، وإلى غير ذلك وهو المنثور. ويجعل تحت النوعين: البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر والمغالطة. إلا أن ما يلفت إليه ابن البناء في تصنيفيه، هو تمييزه بين الشعر والنظم، بقوله: «فالمنظوم إذن يكون شعرًا وغيْرَ شعر، كما أن الشعر يكون منظومًا وغير منظوم»، لكن سرعان ما يرجع إلى العرف الذي يسمي «المنظوم كُله شعرًا».
نستخلص من تأملات الفلاسفة أن الفرق بين الشعر والنثر، والخطابة تحديدًا، ليس في مُجرد الوزن، بل الفرق في وسيلة المحاكاة كميًا ونوعيا: التخييل للقول الشعري مقابل الإقناع والتصديق للقول الخُطْبي. وعلى الرغم مما يمكن أن تقترضه الخطابة من وسائل الشعر مثل التشبيهات والاستعارات، إلا أن الحدود بينها وبين الشعر ينبغي أن تظل واضحةً لكونها ـ في نهاية التحليل ـ صناعة إقناعية تصديقية؛ ولهذا كانوا يُحذرون مما قد يعرض للخطيب من صفة «الخطابية» أو للشاعر من صفة «الشعرية». ذلك المبدأ يُنبهنا إليه ابن سينا، بقوله إن «استعمال الاستعارات والمجاز في الأقوال الموزونة أليق من استعمالها في الأقوال المنثورة، ومناسبتها للكلام النثري المرسل أقل من مناسبتها للشعر»، ويناقش ذلك من وجهَيْن منطقي وأخلاقي، ووفق ما تُمليه خاصية البناء فيهما معًا، فإذ الخطابة تنبني على التتابع المنطقي للأفكار والمعاني التي يرسمها العقل، يقوم الشعر على تتابع الصور والاستعارات القريبة والبعيدة بما هو قَوْلٌ مُخيلٌ. لا يبعد الرأي عند ابن رشد عن هذا: «والصناعة الشعرية فتستعملُ من ذلك ما هو أكثر تَخْييلًا، وأما صناعة الخطابة، فإنها تستعمل من ذلك ما هو أقل وبمقدار ما يليقُ بها، وذلك هو القدر الذي يُفيد وقوع الإقناع في الشيء المتكلم فيه». ولتحقيق وظيفة الإقناع، لا يمنع الخطابة نفسها من أن تعتمد الوزن وتحتاج إليه، بدون أن تتحول إلى شعر.

٭ شاعر مغربي

6gar

في المسار الفلسفي للشعرية العربية: تحولات شملت خطاب الشعر وفعله النوعي

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية