في اليوم التالي لأبو مازن

حجم الخط
0

قبل بضعة أشهر سافرت إلى دول يوغسلافيا السابقة، في محاولة للفهم ما الذي أدى إلى انهيار فكرة الدولة الواحدة التي عاشت فيها قوميات كثيرة. فقد كانت يوغسلافيا دولة ناجحة نسبيا، مع فكرة الوحدة السلافية، البربوسلافية، الكاثوليكية والإسلامية. وقد انهارت في نفسها بسرعة وبعنف لم يتخيلهما العالم، وجلبت إلى أوروبا، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، قتل شعب ارتكبه الصرب بحق البوسنيين المسلمين.
سلسلة التقارير التي بثتها في القناة 10، «تأكل سكانها»، أدت إلى ردود فعل من كل أطياف الساحة السياسية، وأحد هذه الأطياف كان النائب ايتان كابل الذي طلب الحديث وقال انه يعمل على خطة سياسية. من تجربتي، كابل هو سياسي مع نوايا طيبة، وسررت للحديث معه عن الانطباعات من يوغسلافيا. عندما رأيت المقال الذي نشرته في نهاية الاسبوع عن خطته السياسية، التي تتضمن ضم المناطق ج، كنت ملزما بالوصول إلى الاستنتاج بأنه لم يقبل أو لم يفهم، السطر الاخير.
وها هو: المسؤولون الصربيون الكبار الذين تحدثت معهم، وهم أصدقاء أوفياء لإسرائيل، بينهم رئيس صربيا فيتشتش، حذروا تحذيراً خطيراً من واقع خلط السكان العرقيين ـ الدينيين المختلفين. فيتشتش، وهو وطني يميني معظم سنواته في السياسة وصديق سياسيين من اليمين الإسرائيلي، ناشد حقا الإسرائيليين السير إلى حل سياسي وتقسيم البلاد. ولم يكن الوحيد. مرة أخرى، وأنا أشدد، يدور الحديث عن شخصيات معروفة بمحبتها لإسرائيل. لقد عرض كابل خطة تريد ان تعانق وتوطن ما لا يقل عن 200 ألف فلسطيني وتثبيت واقع إقليمي بلقاني صرف.
ولكن حظوة واحدة ينبغي أن نمنحها لكابل: فهو محامي ما. ابو مازن خرج أمس من المستشفى، ولكن عصره انتهى من العالم، ودليل واضح على ذلك ليست حالته الصحية بل خطابه اللاسامي إياه. انتخابات حرة في السلطة الفلسطينية لم تجر منذ سنوات، والمواجهة التاريخية بين الحركتين ـ حماس وفتح ـ لم تكن خطرة بقدر ما هي الآن. إسرائيل الرسمية لا تعنى في الفترة الجديدة التي تهل علينا، وتدمن اساسا على الركلات الحادة بالجسم الضعيف للسلطة الفلسطينية.
تعالوا نتخيل أن اليوم، تماما اليوم، كان سيأتي العالم إلى إسرائيل ويقول ما يلي: في الضفة الغربية لن تقوم في هذه المرحلة دولة فلسطينية، بل حكم ذاتي محدود. ستكون له سيطرة في مراكز المدن الفلسطينية بالاساس، مع صلاحيات مدنية وشرطية فقط. لن يكون له جيش ومعابر حدود، وتكون له قوة حفظ نظام ومخابرات تتعاون، معظم الوقت في مكافحة الإرهاب. وبالتوازي، يكون للجيش الإسرائيلي حرية عمل كاملة جداً في كل يهودا والسامرة، وإسرائيل تحمي نحو 60 في المئة من المنطقة، بما في ذلك الغور وبالطبع الكتل الاستيطانية التي يمكن البناء فيها.
وضع الامن سيكون بعيداً عن الكمال، ولكن أفضل بكثير مما كان معظم السنين منذ الانتفاضة الاولى في 1987. بالنسبة للحل الدائم ـ سنة لاحقا ما سيحصل، وعلى أي حال الوضع الاقتصادي للفلسطينيين سيتحسن جداً.
لنفترض أن العالم كان سيقترح على إسرائيل هذه التسوية. ولكن اليوم. يبدو أنه لا بأس به، اليس كذلك؟ وبالفعل هذا هو الوضع في يهودا والسامرة في العقد الاخير.
هذا هو الواقع الذي نشأ هنا. وهو يرتبط بالكثير من العناصر: بهزيمة الانتفاضة الثانية، بصعود أبو مازن الذي أبعد السلطة عن الإرهاب، بالقوة الفلسطينية التي بنتها ادارتا أوباما وبوش، بالانقسام الفلسطيني، وبغيره وغيره. ومن دون رتوش، نشأ في يهودا والسامرة واقع يخدم إسرائيل، على الاقل في المدى القصير. أما في المدى البعيد، كما يحذر الكثيرون، فهو سيؤدي إلى دولة ثنائية القومية. يوغسلافية، مضيعة للدولة اليهودية والديمقراطية.
تعالوا نلغي في هذه اللحظة هذه الحجة تماما: نفعل ما لا يصدق، ونضعه جانبا للحظة. فاذا ما تركناه، يكون سؤال واحد فقط:
لماذا لا تفعل حكومة نتنياهو كل ما في وسعها كي تواصل الحفاظ على الوضع الحالي، الذي يخدمها تقريبا بكل مفهوم؟ إذ انه إذا كان الهدف هو الجمود والوضع الراهن، إذا كانت الرغبة هي شد الحكم الذاتي الفلسطيني إلى ما لانهاية بأسلوب أوسلو، فعلى إسرائيل أن تساعد بحرارة السلطة الفلسطينية في كل وسيلة ممكنة، بل وتعزيز مكانتها. هذا واضح جداً: إذا كان الوقع على الارض سيئاً جداً، فيجب على إسرائيل أن تغيره، وعندما يكون السؤال كيف. اما إذا كان الواقع على ما يكفي من الجودة بالنسبة للحكومة الحالية فما الذي تفعله كي تحافظ عليه؟ هذه أسئلة حرجة قبيل التقلبات المرتقبة في المجتمع الفلسطيني.

يديعوت 29/5/2018

في اليوم التالي لأبو مازن
الهدف هو فرض الحكم الذاتي الفلسطيني إلى ما لانهاية بأسلوب أوسلو
نداف ايال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية