في انتظار تغير المعادلة في العالم

حجم الخط
0

بات معروفاً أن العالم محكوم بسياسات وتوازنات معينة لا يمكن تجاوزها، وتشرف قوى مؤثرة وحكومات الدول الكبرى على وضع هذه السياسات والتحكم بدول العالم والدول الضعيفة، وخصوصاً بلدان العالم الثالث، وقد عملت هذه القوى والدول المتحكمة بالعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على إنهاء حالة الاحتلال أو الانتداب المباشر وساعدت بتنصيب حكام تتناسب سياستهم مع السياسة العالمية ولا تخرج عن قواعدها، وعندما تضطرب منطقة ما أو تتبدل التوازنات فإنها تعمل على استبدال الأشخاص، وربما السياسات، دون أن تتضرر المصالح العالمية في المنطقة المضطربة.
لم يخرج بشار الأسد وحكام الشرق الأوسط عن هذه القاعدة، وصار معروفاً أن عليهم تنفيذ سياسات معينة كي يبقوا في مناصبهم، وهذا ما فعلوه على مدى العقود الماضية، وبعد اندلاع الربيع العربي تغيرت هذه التوازنات وصار التغيير أمراً حتمياً، وتم إنهاء دور بعضهم وسيشمل التغيير آخرين بكل تأكيد.
في العراق مثلاً، أُجبر السياسيون العراقيون عام 2010 على التجديد لنوري المالكي، مع أنه لم يكن الممثل لأكبر كتلة في البرلمان، وفي 2014 اتفق هؤلاء على تنحيته بعد أن انتهى دوره وصارت الظروف والأحداث أكبر منه ومن دوره، هكذا ببساطة قرروا الانتهاء منه وتسليم غيره مقاليد السلطة دون أي تعقيدات، وحدث ذلك قبلها في اليمن، ومصر، وتونس، وحتى في ليبيا. أما في سوريا فلم ينته دور بشار الأسد بعد، وما زال عليه فعل المزيد، بعدها ينتهي كما انتهى المالكي وغيره، وتنتقل السلطة إلى غيره لتنفيذ السياسة الدولية للقوى المتحكمة بالعالم، ولكن متى يحين ذلك الموعد؟
بالعودة إلى التاريخ نرى أن تغيير الحكام والأنظمة يتم وفق سياسة مدروسة تشمل العالم بأسره، ففي روسيا مثلاً اندلعت ثورة شعبية عارمة سنة 1905 بعد مذبحة (يوم الأحد الدموي)، وصار القيصر نيقولا الثاني عدو الشعب الروسي، وكان بنيان الدولة الروسية متصدعاً إلى درجة تكفيه معها هزة واحدة لكي يتداعى نهائياً وينهار النظام الحاكم، لكن الخطة التي رسمها قادة العالم حينها كانت تقتضي الحفاظ على النظام القيصري حتى الحرب العالمية الأولى، والتي كانت تحاك خيوطها الرئيسية آنذاك، وعملت القوى الكبرى في الخفاء على دعم النظام القيصري، واستطاع الجيش الروسي سحق الثورة وإعادة توطيد النظام والحفاظ عليه، إلى أن جاء موعد التغيير المطلوب بعد 12 عاماً، فنجحت الثورة وقتل القيصر وتغير النظام.
حصل الأمر ذاته مع سلوبودان ميليسوفيتش، الذي كان له الدور الأساسي في تقسيم البلقان وتفتيته، وعلى الرغم من إجرامه ودمويته في حروب البوسنة، إلا أن دوره لم ينته مع انتهاء تلك الحرب، وسمح له بالبقاء في الحكم 6 سنوات أخرى، وقام بأفعال مجنونة أخرى، منها حرب كوسوفو، وعندما انتهى دوره قرروا إنهاء حكمه واقتادوه إلى المحاكمة بتهمة جرائم الحرب والإبادة.
الأمثلة تكاد لا تعد ولا تحصى، والسياسات لا تخضع لأساسات ومبادئ، فإن أراد حكام العالم إبقاء شخص، أو نظام، تظاهروا بالعمى والخرس والطرش، وتغافلوا عن الأحداث، وإن أرادوا التغيير صنعوا القضايا وحركوا الجيوش، وخَلعُ صدام حسين ونظامه ليس عنا ببعيد.
ما زال لبشار الأسد دور محوري في الأحداث، ووجوده أمر أساسي في خطة تقسيم المنطقة الجارية على قدم وساق، وإلى أن تتغير المعادلة وتحين لحظة التغيير الشامل للمنطقة بالكامل، وليس لسوريا فحسب، وتصبح جميع الأمور مناسبة لسياسة قادة العالم ومصالح الدول الكبرى، ستحين اللحظة المناسبة للتغير، وسيكون خلع الأسد أهون الأمور وأقلها تعقيداً، بشرط جهوزية البديل المناسب.
فاضل الحمصي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية