لم تبق هناك ضرورة لنقاش يثبت او ينفي ان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مجرم حرب ومكانه الطبيعي الآن سجن كان يجب أن تختاره له محكمة جرائم حرب دولية في لاهاي أو نرمبرغ.
لكن الدنيا بالمقلوب، والمجرم الذي أشعل النار في العراق ومنطقة الشرق الأوسط للخمسين سنة المقبلة يعاند ويحاجج ويصر على أنه تصرف بحكمة واتخذ قرارا صائبا، وأن الدنيا أكثر أمنا اليوم.
إذا كان كل هذا الخراب والموت المحيط بنا من كل صوب، والشرق الأوسط في حال أفضل، فسنحتاج حتما إلى مَن يشرح لنا ما هو الحال الأسوأ، أو يبحث لنا عن تعريف جديد له.
جورج بوش الإبن، وعلى الرغم من كل العته الذي انتشر عنه ولازمه، تميز بقليل من الحياء فتوارى عن الأنظار واختار الصمت إلا من كلام قليل. أما الذي وعده أن «نحن معك أيًّا كان الحال»، فلا حياء ولا خوف لأنه يدرك أن العدالة غائبة.
هذا عندهم ومن صميم ديمقراطيتهم بمزاياها وعيوبها. من مزاياها أن أوجدت تقرير تشيلكوت وفضحت بلير وأصرت على أن يُنشر التقرير رغم السنين السبع التي انتظرها الناس والأموال الطائلة التي تطلبها. ومن عيوبها أنها حركت كل هذه المياه الراكدة من أجل 179 جنديا بريطانيا قُتلوا في العراق (بينما نمضي نحن على الرغم من ملايين القتلى والضحايا). ومن عيوبها كذلك أنها لن تحاسب المجرم ولن تذهب إلى حد محاكمته. هي تتجه إلى استخلاص العبر والدروس أكثر من اهتمامها بالانتقام مهما كان ضروريا وعادلا، مثلما هو الحال مع بلير.
لكن ماذا عن الطرف الآخر في الكارثة. أقصد الطرف العربي الذي لولاه لما وصلنا إلى هذا القاع السحيق.
هنا أيضا لا يحتاج الأمر إلى نقاش لإثبات أو نفي الدور العربي في تدمير العراق وإشعال هذه الحرائق التي تأبى أن تنتهي.
سيكون ذلك مثل من يحاول إثبات أو نفي أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب، لأن هذه الكارثة ما كانت لتحدث لولا الدور العربي المتعدد الأوجه: من الفكرة إلى التحريض عليها، فالمساهمة في تنفيذها والسهر على استمرارها.
الدور العربي تمحور جغرافيًا في دول الخليج العربية بقيادة المملكة العربية السعودية، ثم الأردن ومصر والمغرب بدرجة أقل. كلٌ ساهم بمقدار استطاعته ودرجة اختلافه السياسي والشخصي مع ديكتاتور العراق آنذاك صدام حسين. كانت مثل وليمة ساهم فيها كل طرف وفقا لتقديره وقدرته.. من المال والعسكرة، مرورا بالدبلوماسية النشطة ـ أو الهادئة، حسب الحالة ـ وصولا إلى التزكية بالصمت.
امتزج الدور العربي، بالأحرى الأدوار العربية، بالذاتي والموضوعي. لا يمكن إهمال العامل الذاتي لأن بعض أسباب ضلوع العرب في الإطاحة بصدام حسين شخصي يتعلق بالعلاقة بالرجل، ثم يعود إلى طبيعة نظام حكمه وشخصيته الديكتاتورية العنيدة ومزاجيته غير المؤتمنة، والتي ترتب عنها احتلال الكويت مثلا.
أما العوامل الموضوعية فكثيرة، منها الثقة العمياء في الإدارة الأمريكية والعجز عن رفض مخططاتها خوفا من الفاتورة المتوقَّعة لذلك الرفض. لكن يبرز على رأس العوامل الموضوعية قصر نظر الحكام العرب وعجزهم عن رؤية الصورة الكبرى. وقد نتج عن ذلك أنهم تواطأوا مع بوش الإبن وبلير لنزع العراق من صدام وحزب البعث وسلّموه لإيران وعملائها في العراق، وها هم اليوم يندبون حظهم مكتفين بدور المتفرج بينما إيران تعبث في العراق كأنه قطعة من أرضها وحكامه موظفون في إحدى إداراتها.
مثل بوش وبلير، كان القادة العرب المعنيون بالعراق مهووسون أكثر بالإطاحة بصدام، لكنهم لم يمتلكوا ذرة فكرة عمّا سيكون عليه الحال لاحقا على العراق وعليهم. راهنوا على الولايات المتحدة وتناسوا أن فاقد الشيء لا يعطيه.
اليوم لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب. بريطانيا امتلكت جرأة النظر في المرآة والإقرار بأخطائها. بل ذهب وزير خارجيتها الحالي فيليب هاموند إلى ابعد ما يمكن عندما أقرّ أمام لجنة الخارجية بمجلس العموم الأسبوع الماضي بأن اجتثاث حزب البعث وتفكيك الجيش العراقي ترتب عنه صعود تنظيم الدولة الإسلامية.
فهل يجرؤ عربي واحد على مثل هذا الموقف؟ سيكون ضربا من الجنون مطالبة حكومة عربية أو نظام حكم في المنطقة بمثل ما بدر من هاموند وحكومته. وسيكون ضربا من الخيال مطالبة عائلات عربية فقدت اعزاء لها في احتلال العراق ببدء مسار ضغط ينتهي بنيلها اعتذارا أو تعويضا، لأن هذه الثقافة مفقودة في هذه المنطقة، وطبيعة الأنظمة الحاكمة الديكتاتورية ترفض أن تتصور مواطنا يحاسبها أو يعاتبها. المطلوب، لو أمكن، ولو بعيدا عن البهرجة السياسية والفضائح الإعلامية، أن يتأمل القادة العرب ما آل إليه الحال بفعل حماقاتهم السياسية وأحقادهم الشخصية وعجزهم عن تقدير الأمور بحكمة.
ما لم تحدث هذه «المراجعات»، لا أمل في تقرير «محمد تشيلكوت»، ولا أمل في استخلاص أي درس مما جرى في ربيع 2003 ويستمر إلى اليوم. وطالما لا درس ولا عبرة، فالمرجح أن كوارث أخرى مماثلة غير مستبعدة.
ما لم يحدث هذا، سيبقى الخطر الأكبر على المنطقة ودولها، حكامها أكثر من أي أحد آخر.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي