في انتظار حربنا المقبلة

■ في مقالٍ مدهشٍ نشره «شخصٌ يكتب» يحمل درجةً علميةً رفيعة في جريدةٍ عربيةٍ تصدر في بريطانيا محسوبة بامتياز على النظام السعودي، جعل يغوص ويتعمق ويتغلغل ويتكلف ويتحذلق في سبر المعاني السامية والمغازي السيكولوجية والمضامين العميقة والانعكاسات الخطيرة والترتيبات المثيرة والارتدادات العالمية والارتجاجات الكونية لقبلةٍ يبدو أن الرئيس السيسي طبعها على جبين الملك عبدالله في طائرته، بل أخذ على عاتقه مهمة دحض مزاعم وأباطيل المرجفين المغرضين الذين رأوا في ذلك ضعةً لحقت بالرئيس السيسي ووصمته، وهي مهمةٌ لو تعلمون عظيمة تنوء بحملها الجبال الرواسي.. وقد أبدع صاحبنا فكتب ما يقرب من فرخ ورق.. أي والله فرخ ورق، ولا أملك سوى أن أبدي انبهاري وإعجابي الشديد على تلك المقدرة الفذة على جلب وتوليد المعاني التافهة من رحم اللفتات الأتفه.. وبعد برهةٍ من التأمل رثيت لحال شعوبنا العربية.. حظها من الدنيا بائس.. فثوراتٌ مستَحقةٌ لم تحقق لها أي مكاسب حقيقية، وفي المقابل حُرمت نعمة الملل.. وما أن ينتهي كأس العالم فسوف تنتهي أي إثارة بريئة، إذ حتى مسلسلات رمضان لن تخلو بكل تأكيد مما يرفع الضغط ويصيب بالجلطات.. وكأن ذلك لا يكفي حتى يجهز علينا إعلامٌ معاد للتحرر مجِهل وكتاب ثقيلو الظل.
كل ذلك يتم ونحن ما عدنا نقف على أعتاب مرحلةٍ جديدةٍ فحسب، وإنما دخلناها بالفعل، أو بالأحرى دخلها اللاعبون الكبار وستجر شعوبنا إليها؛ مرحلةٌ دشنتها تغيراتٌ عديدة، مهمة وعميقة في الثقل النسبي وبالتالي النفوذ العالمي. أعتقد أنه لم يعد سراً أن مغامرة أمريكا في «حربها العالمية» ضد الإرهاب بما استتبعته من دخول في حروبٍ خاسرة فوق كونها مبهظة في العراق وأفغانستان، باءت بالفشل وتركتها في وضعٍ اقتصاديٍ حرج، فقد خسرت أو أنفقت ما يزيد على التريليون دولار ولم تجن مقابلاً. أنا هنا لست بمعرض التعليق على مدى انعدام أخلاقية هذا العدوان الأمريكي (وهو أكيدٌ) وإنما على الأزمة الخطيرة والخيارات الأخطر التي تواجهها تلك القوة العظمى في عالمٍ كبر فيه آخرون وعلى رأسهم الصين. في عقودٍ مضت، شكل الاتحاد السوفييتي تحدياً للكتلة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، كنموذج اجتماعي مغاير ممتد النفوذ يبشر في دعاياه بعدالةٍ وتحررٍ غير مسبوقين في التاريخ.. غير أنه منذ السبعينيات ومع بداية عصر بريجنيف بركوده الذي لم يتماثل منه ذلك الكيان الضخم، انطفأ وهجه كبديل وتبددت تلك الأوهام ومنىً كانت أجمل المنى عن أي تحررٍ، ثم انهار.. فضلاً عن كونه أثناء تلك الحقبة لم يشكل تحدياً اقتصادياً لأمريكا من حيث المنافسة السلعية في حقيقة الأمر، وإنما كان يهددها بحرمانها من الأسواق في تلك البلدان التي وقعت تحت سيطرته وفي دائرة نفوذه، إما جزئياً أو بالكامل. لكن الوضع تغير الآن، فقد ظهرت قوى اقتصادية جديدة، تنافس فعلياً، وعلى رأسها الصين بما لها من ثقلٍ سكاني وعسكري يميزانها عن قوىً اقتصادية كانت موجودة فعلياً طيلة الفترة السابقة كألمانيا واليابان، ومن ثم تكرست بصورة أكثر إلحاحاً تلك المعادلة التي أشار إليها تشومسكي بصورةٍ مبسطة للغاية في غير واحدٍ من كتاباته، حيث تضمن أمريكا سيادتها على العالم عن طريق سيطرتها على منابع الطاقة، وبالتالي على دوران دواليب الإنتاج في تلك الاقتصاديات الأخرى، وتمكنها من ذلك ترسانة عسكرية هي الأضخم في العالم وإنفاقٌ عسكري غير مسبوق في التاريخ.. إلا أن أمريكا ليست ذلك الإله كلي الإحاطة والقدرة الذي يعبده ويخشاه طغاة العالم الثالث التافهون، فهي لم تضع في الحسبان، وبالتالي لم تستعد للعديد من التفاصيل التي تتولد وتتكشف على أرض الواقع ومن منطق الأحداث، فلم تستطع السيطرة على العراق، ذلك البلد الأصعب (وهو بالمناسبة ما قاله لهم مبارك على شح ذكائه، وغنيٌ عن الذكر أن ذلك ليس مدحاً فيه ولا يعفيه من المسؤولية) ولا أفغانستان، فتركت الأول مفككاً ودعمت عمليةً سياسية كسيحة مهلهلة ونظاماً هزيلاً يتصرف بحماقة وإقصائية، ووفرت من ثم مجهودها على «النصح» و»التوجيه» بإشراك الآخرين والتصرف بنزرٍ أكثر من الكياسة وقدرٍ أقل من الصدامية والحماقة! أما أفغانستان فهي المسخرة بعينها، حيث تعود إلى ما كانت عليه، كالزئبق تماماً، وليت الأمر توقف عند ذلك فقد أثرت على باكستان التي توشك أن تظفر بوضع الدولة الفاشلة، ثم جاءت ثورات «الربيع العربي» لتشكل مفاجأةً مزعجة للإدارة والسياسيين الأمريكيين، وعلامة استفهامٍ صارخة على أدائهم الاستخباري الذي لم ير نذر ذلك الزلزال الضخم، بغض النظر عما نراه من نتائج ذلك الربيع الشحيح حتى الآن. لا نبالغ حين نقول انه منذ بداية هذا العقد وتلك السيادة الأمريكية شبه المطلقة تتآكل.. تتمرد عليها الأطراف فتنهكها، ومن ثم تفلت من بين أيديها الخيوط التي أصبحت كثيرة ومتداخلة بصورةٍ لا تمكن من ضمان السيطرة عليها. في زمنٍ مضى كان على أمريكا أن تتوصل إلى صيغةٍ ما للتفاهم مع أحد طغاة العالم الثالث ومن ثم يتكفل هو بالباقي في بلده، يتحمل المقاولة من بابها كما نقول في مصر، يصفي هذا ويشنق ذاك، يراقب الكل ويتعقب كل بوادر التمرد فيقضي عليها وهي لما تزل أجنة. الأهم من كل ذلك أن كل ضعفٍ أو إرهاقٍ يلحق بأمريكا تستفيد منه أطرافٌ أخرى، ولعل المثال الأنصع والأقرب على ذلك هو ما يكاد يكون خروج إيران رابحاً أكبر من احتلال العراق، فقد سقط عدوها المميت مخلفاً فراغاً ملأته هي، خاصةً بعد اللعب بورقة الطائفية.. لقد أخل التدخل الأمريكي بفظاظته ورعونته بتوازن القوى الحرج والهش في حقيقة الأمر، الذي كان ماثلاً في منطقةٍ قابلة ليس للاشتعال فحسب وإنما حرق من يحيط بها أو يقترب منها، مهددةً الاقتصاد العالمي بشكلٍ جوهري.. من هنا نفهم تحركات الخليج، الكويت ـ الإمارات – قطر في دعم السيسي: فقد أدركوا، أخيراً، أن التخلص من صدام حسين وما ترتب عليه من تبعاتٍ جعلتهم يقفون عزلاً أمام إيران ذات النفــــوذ الممتد، خاصةً في ضــــوء تقـــارب أو تصفية من نوعٍ ما بين أمريكا وإيران في الشأن النووي يخشون أن تتـــم بالضرورة على حساب مصالحهم.
من هنا، فإن الحديث عن داعش والغبراء (سبعة آلاف مقاتل موزعين على سوريا والعراق..) لا يعد سخفاً وحسب وإنما تسطيحاً لصراعاتٍ حقيقية على تقاسم السلطة تنخرط في صفوفها قوى سياسية تشمل أبعاداً كثيرة من العشائري إلى المناطقي إلى الطائفي إلى الحزبي إلى العسكري (ضباط الجيش العراقي الحقيقي الذي كان وتم تسريحه على سبيل المثال).. وهو سخفٌ لا يفوقه سخف إلا الحديث عن دعمٍ أمريكي لداعش ولما يحدث من انهيارٍ واقتتال في العراق، فكل ما يحدث يشكل فشلا ودليل إدانة على مغامرة أمريكا تلك، وليس من عجب ذلك الهجوم الشرس الذي يتعرض له أوباما من الجمهوريين على ما يرونه قصوراً في أدائه الخارجي، وأيدٍ مرتعشة أدت إلى اهتزاز صورة أمريكا في العالم وانحسار قوتها. بالتأكيد إدارة أوباما في موقفٍ حرج، ممزقة بين الحفاظ على مصالحها والتدخل بما يجعلها هدفاً للإرهاب والانتقام، أو لسقوط قتلى من جنودها على خطوط الاقتتال بين الفرقاء، وتلك الإدارة تدرك أن أي خسارة ستتحول إلى مكسبٍ مباشرة في خانة القوى الجديدة التي تراقب وتتربص لالتقاط الثمار الساقطة.
أجل إن المنطقة مقبلة على تغييراتٍ كبيرة وربما إعادة رسم خرائط، ولكن ليس ببساطة سايكس- بيكو، حيث جلس «الجنتلمانان» يقسمان العالم بمساعدة بضعة أقلامٍ ومسطرة، فهذه المرة تتداخل أطراف أكثر، وهناك قوى إقليمية قادرة على الفعل والجرح والإيذاء بصورة لم تتوفر منذ قرن.
السعودية وشقيقتاها لم تدعما السيسي وتغدقا الأموال (أو على الأقل تعدان بذلك) من أجل عيني السيسي السوداوين ولا حرصاً على شعب مصر ووفاءً لنيلها، وإنما لتثبيت نظامٍ في مصر لا يشكل خطراً على استمرار الأسر الحاكمة في تلك البلدان (خاصةً آل سعود) بالإضافة إلى خلق حليفٍ قوي يقف مع هذه الدول إزاء أي صفقات أو محاولات إعادة ترتيب أوضاع المنطقة يأتي على حساب مصالح هذه الأسر أو وجودها من أساسه.
أنا لا يعنيني من صعد سلم الطائرة ومن كان عليه أن ينزل، ولا مَن قبّل مَن على رأسه أو يده أو في أي مكانٍ آخر.. وإنما يعنيني ويلح علي سؤالٌ مقلق: ما الذي جاء به على عجل؟ وما الذي أتى بكيري عقبه مباشرة؟ ليس من شكٍ لديّ أن مصالح أمريكا والسعودية في العراق متجافية إن لم تكن متضاربة، فهل يسعى كل طرفٍ منهما لجر السيسي ومن ورائه مصر ناحيته؟ وماذا يعني ذلك؟ وما المقابل؟ هل سيتم إرسال قوات مصرية إلى مكانٍ ما؟
مازلت أرثي لشعوبنا.. ففي غمرة مهرجانات الطبل والزمر سوف يعاد تقسيم المنطقة مرةً أخرى، أو على الأقل تجريفها وفقاً لمصالح جمعية المنتفعين، وما يتوافق مع الحقائق الجديدة على الأرض، وإن مزيداً من العنف المدمر والحروب لا الحرب الواحدة لفي الطريق، ولن ألوم الغرب، ذلك المشجب الأسهل والمواتي، وإنما طغاتنا وأنظمتهم القمعية التي جهلت الشعوب ولم تفلح في إيجاد صيغةٍ حداثيةٍ عصريةٍ تشمل الجميع في العملية السياسية فتتخطى ميراثنا الممزق.. فلنستمتع الآن بكأس العالم لأن المقبل من الأيام لن يكون وردياً!

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية