في انتظار غودو العربي

حجم الخط
1

بعدَ احتلال سيناء ومُرتفعات الجولان من قِبل إسرائيل أثناء حرب حزيران 1967 لجأت سوريا ومصر إلى حرب الاستنزاف، التي استمرَّت سنواتٍ عدّة. ومن ثم انتقلتا معاً إلى الحرب الشاملة عام 1973، حيث استعادت مصر قناة السويس، وسوريا ـ القنيطرة المدمَّرة وجزءً من الجولان المُحتل.
في الخامس والعشرين من نيسان عام 1982 رُفع العلم المصريّ فوق شبه جزيرة سيناء بعد عودتها كاملة؛ وتمكّنت إسرائيل من إقناع مصر بأن تدفع لها تعويضاً قدرُه 165 مليون دولار أمريكي مقابل المنشآت التي أقامتها هناك.. حاولت الدِّعاية الإسرائيليّة والغربية تصوير الصفقة على أنها (انتصارٌ) حقيقيٌّ لسياسة «اتفاقية كامب ديفيد للسلام»؛ التي زعموا بأنها ستؤدي إلى الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وحلّ جميع المشاكل العالقة في هذه المنطقة الساخنة من العالم. بنفس الوقت سعت الولايات المتّحدة من خلال إتباعها نهج مواصلة عملية «كامب ديفيد للسلام» إلى ربط أوروبا الغربية أيضاً بقطار سياستها الشرق أوسطية. بعد ذلك حاولت إقناعَ بعض الحُكّام العرب، لاسيما الخليجيّين، بأنَّ الخطرَ يأتي ليس من جانب الصّهيونية الإسرائيليّة، بل من جانب البلدان الشيوعية، لاسيما الاتّحاد السّوفييتي؛ لذا يجب عليهم اتخاذُ التدابير الوقائيّة اللازمة لدَرءِ هذا الخطر المُحدِق، الذي سيصل حتماً إلى سواحل مياه خليجهم الدّافئة. كان هدفُ الولايات المتحدة الأمريكية ـ من وراء ذلك ـ إقامةُ حِلفٍ عسكريٍّ معهم، يفتح المجالَ أمام نفوذها في المنطقة، وبالتالي زيادة عديدِ قوَّاتها وإنشاء تَرَساناتٍ جديدةٍ للأسلحة ومعدّات القتال، بما فيها مخازنُ للأسلحة الكيماوية.
كان القرارُ الذي اتَّخذته إدارةُ ريغان بِبَيع خمس طائرات أواكس للمُراقبة والإنذار المبكِّر إلى المملكة العربيّة السعوديّة أولَ خطوةٍ في هذه الطريق، رغم كلِّ الانتقادات والمُمَانعة من الطرف الإسرائيليّ!
إنَّ اقتناءَ هذه الطائرات، التي قادتها أطقُمٌ أمريكيّة، يمكن أن يمهِّدَ الطريق لهم من أجل إنشاء قواعدَ مشتركةٍ لمنظومة الدّفاع الجويّ.
الملفِتُ للنظر أنَّ هذه الطائرات لم تخدم المملكة حينذاك ولا الدول العربيّة الأخرى، بل ـ على العكس ـ أصبحت عبئاً ثقيلاً عليها، أشبه بتماثيلَ معدنيةٍ خرافية قابعة في مطاراتها إلى أجلٍ غير مُسمَّى.. لقد كانت مجرَّد دعايةٍ لا أكثر، ووسيلةً لزيادة المصاريف…
لم تتحرق أمريكا حميَّة للدفاع عن الدول العربية عندما أغرقت بلدانَ الخليج بالسلاح وبمستشاريها العسكريّين؛ فبعد توريد طائرات الأواكس بقيت هذه الطائرات من الناحية العملياتية في أيدي الأمريكيّين، واستُخدمت بالدرجة الأولى للتجسُّس على الدول المجاورة الأخرى، ولضمان عمليّات قتال الطيران الإسرائيليّ والأمريكيّ في المنطقة، حيث استمرَّت الغارات الإسرائيلية القرصانية ـ في ذلك الوقت ـ على لبنان وسوريا والعراق، رغم وجود هذه الطائرات لدى العربيّة السعوديّة.. لقد أعلن واينبرغر ـ وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ـ صراحة: «إنّ منظومة أواكس تضاعف من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية في حال تطلّبَ منا نشر قوّاتنا في المنطقة!».
استطاعت الولايات المتّحدة الأمريكية جَذبَ المملكة العربية السعودية ـ الدولة الأغنى ـ إلى جانبها منذُ زمنٍ بعيد، ووضعَها في فلك مخططاتها العسكرية؛ حيث دخلت الدولتان تحالفاً مصيرياً بدءاً من الحرب الإيرانية ـ العراقية، مروراً بحرب تحرير الكويت وإسقاطِ نظام صدام حسين، وحتى عمليّة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف اختصاراً بـ»داعش»؛ إلا أنّه مع بداية عام 2015 تغيَّرت الأمور نوعاً ما، وتزعزعت ثقةُ المملكة بالحليف الأمريكيّ، على خلفية اتّساع رقعة نفوذ إيران في المنطقة، وتقدُّم جيوشها الأمامية ـ حزب الله اللبناني، أنصار الله اليمني، الحشد الشعبيّ العراقيّ… ـ للسيطرة على عددٍ من الدول العربية.. إضافة إلى الاتفاق النوويّ المحتمَل بينها وبين الغرب، الذي قد يعزّز قدرةَ العدوِّ الإيرانيّ، ويعيد بناء مملكة فارس الشيعيّة العدوانيّة الانتقاميّة الجديدة…
هناك ـ الآن ـ قواتٌ لأكثر من 50 تنظيماً شيعيّاً مسلحاً تابعاً لإيران، تخوض معاركَ شرسةً في عدّة بلدان عربية ـ العراق، سوريا، لبنان، اليمن ـ باسم الولي الفقيه؛ وهذا الأمر الخطير لا يؤرّقُ السياسيّين والعسكريّين الأمريكيّين؛ رغم أنَّ بين هذه التنظيمات مَن قاتل سابقاً قوَّات التحالف في العراق؛ لكنه ـ بنفس الوقت ـ يضايق كثيراً، ليس دولاً عربية بعينها، بل إسرائيل وتركيا أيضاً!
تسعى أمريكا ـ أوباما بأيّ شكلٍ من الأشكال إلى عَقد ذلك القِران النوويّ المزعوم، لذلك تجدها لامباليةً تجاه التغوّل الإيرانيّ في دولٍ عربيةٍ مِحورية، وتغضُّ الطرف عما تفعله في المنطقة من تجاوزات لجميع الخطوط المرسومة، مما يؤكّد أنها قد حسمت أمرَها نهائياً بشأن تحالفها ضدّ الإرهاب في السنوات القليلة القادمة، ووضعت يدَها ـ من تحت الطاولة ـ بيد إيران؛ مفضِّلةً الإسلامَ الشيعيَّ على الإسلام السُّنيّ!
إنَّ استراتيجية الولايات المتّحدة الأمريكيّة لمُكافحة الإرهاب الداعشيّ ضيّقة الأفق؛ فهي تَعتبر أنَّ الإرهابيّين السُّنة – وليس الشيعة – هم الذين يشكّلون التهديد الأول عليها وعلى الغرب. لكنَّ الواقع يقول بأنَّ المنطقة تواجه مدّاً شيعيّاً حادَّ التّطرُّف أيضاً؛ وليس من طرف السنة فقط. وقد وضَّح ديفيد بترايوس ذلك حين قال: «إنَّ إيران أشدُّ خطراً على العراق من داعش!».
هناك تقاعسٌ أمريكيٌّ غريبٌ تجاه ما يحدث في سوريا من مجازرَ علويّةٍ ـ شيعيّةٍ؛ في حين تمدُّ واشنطن الحكومةَ العراقية المُوالية لإيران بالأسلحة والذخائر والمعدَّات والمستشارين، وتمنعها عن الثوّار السّوريّين؛ رغم تهديدها مراراً بقطع هذه الإمدادات عن تلك الحكومة الطائفية إذا لم تَفِ بوعودها التي قطعتها على نفسها بعدم المَساس بحقوق السُّنّة هناك. لكن ـ مع ذلك ـ نجد أنّ الحكومة العراقية عاجزةٌ عن رفض الإملاءات الإيرانية والتوجه نحو المُصالحة الوطنية.. كذلك تقوم أمريكا بتمويل الجيش اللبنانيّ بمبلغٍ تصل قيمتُه السنوية إلى أكثرَ من 71 مليون دولار؛ ولا تأخذ بالحُسبان التعاونَ العملانيّ بينه وبين حزب الله.. إنها لا تعير انتباهاً للعواقب السلبية المحتمَلة من مثل هذا التعاون ضدَّ السنة والمقاتلين المحسوبين عليهم؛ والذي يخاطر بتقويض مفهوم التوازن المجتمعيّ في عديد من البلدان العربية!
هذا الأمر قد يهدّد مشروعيّة التّحالف الدوليّ ضدَّ التنظيمات المتشددة، ويُسرِع في تفكّكه؛ إذ نبَّه لهذا الأمر رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوّات الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي بعدما رأى ـ أثناء زيارته الخاطفة لبغداد (آذار 2015) ـ أنّ أعلامَ وراياتِ قوات «الحشد الشعبيّ» أكثرَ بكثيرٍ من الأعلام الوطنية العراقية، وحذّر قائلاً: «إنّ الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة يضمُّ دولاً سُنّيةً والعلاقات بين بغداد وطهران باتت تثير القلق». لكنَّ تصريحات ديمبسي وبترايوس لم تلقَ أذاناً صاغية لدى باراك أوباما، الذي وجّهَ رسالة تهنئة، عشيّة عيد رأس السنة الفارسية «النيروز»، إلى الشعب الإيرانيّ: «أمامنا هذا العام أفضل فرصةٍ تُتَاح منذ عقود لننخرطَ في مستقبل مختلف بين بلدَينا!».. لم يترك أوباما فرصةً إلا وحاول فيها التقرُّبَ والتودُّدَ من مَلالي إيران؛ وهو ماضٍ حتى النهاية من أجل الوصول إلى اتفاقٍ نوويّ معهم مهما كلف هذا من ثمن، ومهما واجه من مُعارضاتٍ من خصومه الجمهوريّين وحلفاءه العرب والإسرائيليين.. هذه الأمور كلها وضعت القيادة السعودية الجديدةَ في مأزقٍ حادٍّ؛ ورغم أنها لم تصرّح علانية بهذا، إلا أنها كانت مُمتعِضَةً جداً، وراحت تعمل بصمتٍ وسرّيةٍ تامة على بناء تحالفاتٍ إقليميّة جديدة ـ خليجية، عربية، إسلامية ـ من أجل إيقاف المَدّ الشيعيّ الإيرانيّ، لاسيما في اليمن ـ الحديقة الخلفية لها؛ حيث سيطر الحوثيُّون على معظم مناطقها الشمالية، بما في ذلك العاصمة صنعاء، وافتتح الإيرانيون خطاً جوّياً (طهران ـ صنعاء)؛ ومن ثمَّ ضيَّقوا الخناق بشكلٍ كبيرٍ على مدينة عدن بعد سيطرتهم على «قاعدة العند» الجوّية الاستراتيجية شمال المدينة، واستمروا بالتقدُّم نحوها؛ ما أكّد مدى النجاح الإيراني في الحصول على مَوطئِ قدمٍ عند الجارة الجنوبية للسعودية… وهكذا بات الحوثيون على بعد 30 كيلومتراً فقط من عاصمة الجنوب. كما بدأت أفواجٌ منهم تتوافد على ميناء المخاء المُطلِّ على باب المندب غرب عدن.
توجه الرئيس اليمنيّ المنتخَب بشكلٍ شرعيّ عبدربه هادي إلى مجلس الأمن الدوليّ من أجل تبنّي «قرار ملزم» يوقف تقدُّمَ الحوثيين، وطالبه بـ «اتخاذ تدابيرَ تحت الفصل السابع لردع الميليشيات الحوثية». لكن جاء الردُّ الأمَميُّ مخيّباً للآمال، إذ لم يُعِرْ أهمية لمطالب الرئيس، وقال بأنه لا يوجد مبرّرٌ لانعقاد مجلس الأمن بهذا الخصوص!
في ضوء ذلك كان لابدَّ من توجيه ضربةٍ صادمةٍ لحُكّام إيران، الذين شعروا بأنهم قد حققوا انتصاراتٍ ساحقةً على جيرانهم العرب، وأنَّ عليهم الآن التفرُّغ والمُزاودَة مع دول الغرب على ملفّهم النوويّ قَدرَ المُستطاع، وفَتح بازارهم الفارسيّ الذي لا ينتهي!
وهنا انطلقت عمليّة «عاصفة الحَزم» لتوجه الطائرات التي تقودها أطقم عربية ـ هذه المرة ـ ضربة قاصمة إلى الإيرانيّين وأتباعهم الحوثيّين، بعدما تخلى الجميع عن اليمن ـ مثلما تخلّوا عن سوريا ـ لتُحفظ ماءَ الوجه العربي قليلاً، بعدما فقدت الدولُ العربية مُقوِّمات وجودها؛ وأخذت تتهاوى تِباعاً أمام تقدُّم المليشيات الشيعية المُضطرد للسيطرة عليها، والصمتُ يلفُّ أنظمتها الرسمية؛ وكأنه لا يحدث شيئاً!
قد تفوز إيران ببعض المعارك عبر جُيوشها المتقدّمة في منطقتنا العربية، لكنّها ستخسر الحربَ كليّاً.. قريباً سنشهد بداية انحسار المشروع الفارسيّ الشيعيّ، وتراجعاً حقيقياً له.. كلنا في انتظار غودو العربيّ!

*٭ كاتب سوري ـ مدير تحرير مجلة «المرآة»

د. علي حافظ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية