في بنغازي انتصر الجنرال حفتر عبر سلفية «ولي الأمر»

حجم الخط
0

في الخامس من تموز (يوليو) أعلنت قوات الجنرال خليفة حفتر سيطرتها على مدينة بنغازي في جولة جديدة من الصراع على السلطة التي تشهدها البلاد في مرحلة ما بعد القذافي. ومنذ ذلك الحين لم تنجح الوساطات ولا المبعوثين الدوليين بالتوصل لحل ولا جمع الأطراف في حكومة واحدة وعاصمة للبلاد في ظل أزمات متوالية وتحول ليبيا إلى ساحة صراع بين الأطراف المحلية والإقليمية ومعبر للمهاجرين إلى أوروبا. ومن هنا يمثل التطور الجديد في بنغازي تحولا مهما بالإضافة إلى ما نشر وكذبته الحكومة الأمريكية عن لقاء سفيرها بيتر وليام بودي بالجنرال. وأكد بيان للسفارة في طرابلس أن السفير الأمريكي التقى قائد القيادة المركزية الافريقية ومسؤولين مصريين وتباحث معهم بشأن الوضع في ليبيا وان آخر لقاء له مع حفتر كان في العاصمة الأردنية، عمان الشهر الماضي.

المعركة الطويلة

وتأتي سيطرة ما يعرف بـ «الجيش الوطني الليبي» على عاصمة الثورة الليبية بعد 36 شهرا من إعلان الجنرال المتقاعد عن «عملية الكرامة» وهي العملية التي وعد فيها حفتر بجعل المدينة مقبرة للإرهابيين، وقال إنها ستكون قصيرة مع أنها استمرت أكثر مما أخذته الثورة الليبية للتخلص من القذافي وأدت لقتل وتشريد الآلاف ولدمار لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية. وعلق الخبير بالشؤون الليبية في مركز كارنيغي، فردريك ويهري بمقال نشره موقع «ذا أتلانتك»(1/7/2017) قائلا، إن حفتر حقق اليوم بعض النجاح من خلال دفع منافسيه (الإسلاميين) للخروج من بنغازي أو حصر وجودهم في أحياء قليلة منها «والحياة بدأت تعود لمجاريها ولكن العملية وعلى المدى الطويل أطلقت العنان لقوى تزعزع الاستقرار وأهمها عودة الديكتاتورية وصعود حفتر نفسه في تحد واضح للحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، وصعوده لقي تشجيعا من المحور المصري- الإماراتي وفي الفترة الأخيرة، من الإشارات المشجعة التي وردت من الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب بشكل يترك تردادات وصدمة أبعد من ليبيا». ويشير ويهري إلى أن جذور «عملية الكرامة» تعود إلى مرحلة ما بعد الهجوم الذين نفذه جهاديون على القنصلية الأمريكية في المدينة عام 2012 وقتلوا فيه السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أمريكيين. وفي الأشهر التي تبعت العملية عاشت المدينة التي كانت تملأ سمع وبصر العالم أثناء الثورة، حالة من الإهمال وتحولت إلى عاصمة للخوف والجريمة تتصارع عليها جماعات جهادية وإجرامية وتنتشر فيها الإغتيالات سواء لأسباب سياسية أو قبلية أو تصفية حسابات شخصية. وحن السكان لاستقرار و «مخلص» وهنا ظهر حفتر الذي كان من بقايا النظام السابق وإن انشق عليه في تشاد وهرب بمساعدة من «سي آي إيه» إلى فرجينيا حيث عاش هناك قريبا من ربع قرن ليعود مع بداية الثورة الليبية عام 2011. ولم ينجح في قيادة الثوار واختفى بعد مقتل زميله السابق القذافي إلا أنه ظل يبحث عن دور بين مئات الطامحين لأخذ المكان الذي تركه القذافي وزمرته. وفي إطار بحثه عن دور ظهر في شباط (فبراير) 2014 وأعلن عن حل البرلمان المنتخب حيث قوبل إعلانه بالسخرية وتحدث الناس عن «الإنقلاب الذي لم يكن».

وجهان لمدينة مدمرة

لك العام في بنغازي حيث قام معتمدا على مئات من المقاتلين وطائرات قديمة بشن عملية الكرامة تحت شعار محاربة الإرهاب. وسيطرت قواته على مدى عام على معظم الشرق، ولكنه أدخل البلاد في حرب أهلية. ويقول ويهري إن حفتر شرح أنه لا يستهدف الإسلاميين فقط ولكن إعادة الكرامة لجنود الجيش السابق الذين زعم أنهم يتلقون رواتب أقل من تلك التي يحصل عليها المقاتلون الإسلاميون الهواة. وكان بالضرورة يهدف لإعادة تشكيل السياسة في ليبيا والتخلص من الإسلام السياسي الممثل بالإخوان المسلمين وهو ما لاقى هوى لدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي أصبح قمع وملاحقة الإخوان المسلمين هدفا مرتبطا بوجوده في السلطة. وتوقع حفتر أن لا يستمر القتال سوى اسبوع، وتحولت إلى أسابيع وأشهر وسنوات. وخلال هذه الفترة بدأ الدعم يتدفق له وانضمت الإمارات العربية التي تعادي الإخوان أكثر من الجهاديين وقدمت له عربات مصفحة ومستشارين وطائرات عسكرية. وانضمت روسيا إلى الداعمين حيث استقبلت الجنرال في موسكو وفي مرة استدعته بطريقة مسرحية إلى بارجة بحرية كانت في طريقها لروسيا من سوريا للقاء مع المسؤولين الروس، بالإضافة للدعم الطبي وربما قوات خاصة. وانضم الفرنسيون والبريطانيون والأمريكيون للعبة، حيث قدم كل منهم دعما أمنيا له. ومشكلة حفتر أنه خلط في حربه بين الجهاديين من جهة والإسلاميين المعتدلين من جهة أخرى حيث وضعهم جميعا في السلة ذاتها. وأدى هذا لتدفق الجهاديين الأجانب من مصر وتونس ومناطق أخرى. وفي عام 2015 أكد تنظيم «الدولة» حضوره على الساحة واحتل مدينة سرت التي ستظل تحت سيطرته حتى نهاية العام الماضي، ونظر التنظيم لمشروع «الدولة» الليبي على أنه الأقوى خارج حدود «الخلافة» التي كانت في أوج قوتها والمكان البديل عن سوريا والعراق. ويعلق ويهري أنه عندما زار بنغازي نهاية عام 2015 كانت الحرب قد دخلت حالة من الجمود وعانت فيها قوات حفتر من خسائر جسيمة. وتغير الوضع الشهرين الماضيين، حيث سيطرت قواته على معظم المدينة التي تحولت لأنقاض بسبب القتال الطويل، وطالت الحرب معالمها التاريخية والمهمة مثل سوق السمك والجريد وميدان الشجرة. ويشير ويهري إلى أن الحياة مع ذلك بدأت تعود إلى طبيعتها، على الأقل في معظم الأحياء، حيث بدأت شرطة السير بالعمل وافتتحت المحال التجارية ومدينة الألعاب. إلا أن هذا هو وجه للمدينة، وهناك وجه آخر أعمق ويشير للنزاع الاجتماعي بين الجيران وأبناء العمومة والقبيلة. وهو نزاع بين قبائل الشرق والغرب وداخل القبيلة نفسها. ولا تتوقف التقارير عن ذكر الاغتيالات والاختفاء القسري وتدمير الممتلكات وكذا الاعدامات الفورية. وارتكبت القبائل والأحياء التي سلحها حفتر بداية الحرب معظم الاعدامات. وفي مرحلة ما شكل جهاز الدعم السريع نسبة 60-80٪ من قوات حفتر، ولا يزال قويا رغم محاولات حله. وقام عدد من أفراده بقتل وتدمير البيوت حيث برر أحد قادة عملية الكرامة العمل بأنه في صالح النسيج الاجتماعي مع أن العكس صحيح. ولاحظ الكاتب أثناء زيارته للأحياء الفقيرة في المدينة مثل حي الليثي، التشويه والتخريب والنهب الذي يعبر عن محاولات انتقامية. ومعظم عمليات أخذ القانون باليد «فيجالانتي» موجهة ضد حفتر، حيث أجبرت الحرب آلاف العائلات البنغازية على الخروج من بيوتها فقط لأن بعض أفرادها كانوا يقاتلون مع الطرف الآخر. وهناك البعض ممن استهدف رجال حفتر بسبب أصولهم البعيدة خاصة الذين ينحدرون من مدينة مصراتة. ويقول ويهري إنه قابل في هذه المدينة عددا من المسلحين الذين نقلوا أسلحة للإسلاميين الذين يواجهون حفتر.
وقالوا إن الحرب أدت لزيادة حس الجهوية بين قبائل الشرق الموالية للجنرال. وينظر لمن لا ينتمي لبنغازي أو قبائل الشرق بـ «الغرباء» رغم هجرة عائلاتهم إلى المدينة منذ قرون ومشاركتهم في عملية البناء والتجارة. ويطلق عليهم بالمصراتيين الأتراك أو الشراكسة نظرا لعلاقة المدينة الساحلية الطويلة مع الدولة العثمانية. ومع أن الأمر ليس بالضرورة نزاعا بين الشرق والغرب، إلا أن خطوط الفصل تتضح بين طوائف المجتمع ومعها ستتواصل نزعة الثأر خاصة بين المهجرين ومن يقاتلون حفتر.

السلفية

ولاحظ ويهري أن حفتر في حربه على الإسلام السياسي دفع باتجاه دعم الإسلام المحافظ السلفي النزعة. فقد دمج في صفوفه عددا من السلفيين «ولي الأمر». وانضم هؤلاء منذ البداية إلى عملية الكرامة وأرسل بعضهم إلى السعودية للحصول على «فتاوى» من مشائخهم لدعم حفتر، وتحركوا في الفترة الأخيرة نحو تعزيز قوتهم والسيطرة على الأمور الأمنية في بنغازي والشرق، وشكلوا ميليشيا خاصة بهم ونشروها في كل أنحاء المدينة وهم ناشطون أيضا في السجون، ويمارسون دور الشرطة الأخلاقية، فقد صادروا الكتب «غير الإسلامية» ومنعوا الاحتفال بيوم الأرض. ومع هذا الشكل المتشدد عادت الأجهزة الأمنية التي كانت تتلقى رواتبها من القذافي للعمل وجرى عسكرة العمل الإداري والمجالس المحلية. ورغم معرفة الجنرال أن من يحكم بنغازي يسيطر على ليبيا إلا أن طموحاته تتعدى المدينة، فهو يريد السيطرة على كل ليبيا. وأرسل في الخريف الماضي وفدا إلى واشنطن لطرح فكرة حكم ليبيا عبر مجلس عسكري، ورفضت الفكرة لأن أمريكا تدعو لسيطرة المدنيين على الجيش. وأظهر في الآونة الأخيرة قبولا للدور المدني في الجيش إلا أن نقاده يرون فيها بوابة خلفية للديكتاتورية. ويبدو أن الرياح تسير في اتجاه حفتر في ظل النشاطات المصرية- الإماراتية بالنيابة عن الجنرال وأزمة قطر التي تعتبر من داعمي الإسلام السياسي في ليبيا بالإضافة للإشارات المتعددة القادمة من ترامب الذي يرغب في توسيع الحملة ضد الجهاديين لمناطق أخرى وتبنيه الديكتاتوريين.

خطة أمريكية

وفي هذا السياق ذكرت شبكة «سي أن أن» (10/7/2017) في تقرير لها أن إدارة ترامب ستنتهي قريبا من وضع سياسة دبلوماسية وعسكرية جديدة للتعامل مع ليبيا. وبناء على هذه السياسة الجديدة فستنفذ القوات الأمريكية برامج تدريب عسكرية، مع إمكانية إرسال قرابة 50 عنصرا من القوات الخاصة إلى ليبيا بصفة دورية بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية. ونقلت عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن «الإدارة الأمريكية تدرس استئناف وجودها في بنغازي، وإنشاء مركز للتنسيق للقوات الأمريكية والمسؤولين الليبيين لتسهيل تبادل المعلومات المخابراتية حول مكافحة «الإرهاب». وأشارت إلى أن فرقا صغيرة من القوات الأمريكية وعناصر استخباراتية قاموا بزيارات متعددة إلى ليبيا خلال السنوات الماضية لمقابلة المسؤولين في ليبيا وتبادل المعلومات. وهو ما يؤكد الشكوك من إمكانية التعاون مع حفتر خاصة بعدما حققه من إنجازات في الشرق الليبي. جاء هذا في سياق إعلان البنتاغون عن توسيع مجال منح ميدالية الحرب الدولية على الإرهاب للجنود الأمريكيين الذين شاركوا في عملية طرد تنظيم «الدولة» من سرت. وذكر موقع «ميلتري تايمز» (13/7/2017) أن منح الميدالية يعني اعترافا بالدور الذي لعبته القوات الأمريكية وإن كان حجم العملية التي بدأت من آب (أغسطس) إلى كانون الأول (ديسمبر) 2016 صغيرا ومحددا بطرد الجهاديين من المدينة إلا أن الدور الأمريكي كان كبيرا.
وترى مجلة «نيوزويك» (13/7/2017) أنه في حالة تأكد الخطة الأمريكية تجاه ليبيا فيجب أن تركز على تحقيق الاستقرار بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين. فقد بدا واضحا بعد تردد ترامب من التعامل مع ليبيا أنها تشكل تهديدا لمصالح الدول الأوروبية في جنوب المتوسط. فهذه تواجه ثلاثة مخاطر أمنية نابعة من هناك وهي: الهجرة غير الشرعية والنشاطات الإجرامية والإرهاب. وكلها نتاج لغياب حكم القانون. ولهذا يؤكد كاتبا التقرير كريم مزران وإليسا ميللر من مركز رفيق الحريري بالمعهد الأطلنطي بواشنطن على أهمية الدور الأمريكي البناء لمكافحة هذه الملامح الثلاثة. رغم وجود تحديات عدة منها الحرب بالوكالة الدائرة في البلاد، فيجب على واشنطن إقناع كل من مصر والإمارات تخفيف تدخلهما في شؤون ليبيا. وكذا دفع حفتر للجلوس مع الأطراف الأخرى لتحقيق حكومة وحدة وطنية.

في بنغازي انتصر الجنرال حفتر عبر سلفية «ولي الأمر»

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية