في بيتنا سياسي كردي

حجم الخط
0

القامشلي – سيماف حسن: بعض المشاهد والأحداث التي تجري في الطفولة تبدو منطقية أحياناً. اذ من البديهي أن يتذكر الشخص مجريات مهمة في حياته، وتكون درجة الأهمية أكبر إن كانت متعلقة بالجار السياسي.
يعرف عن الحركة السياسية الكردية في سوريا كثرة عدد أحزابها. لذا يصدف أن تجد في كل حيٍّ رجل «سياسة» يجلس بين «كبارية» الحي. يتحدث عن تاريخ الدولة والقادة العظماء مستشهداً في غالب الأوقات بأشخاص من العائلة أو المعارف الذين رافقوا بطل روايته في رحلاته.
في كلِّ جلسة تجمع بين سياسيّ ومثقف تكون النتيجة عقيمة لا محالة، تنتهي بخلافٍ مؤقت. يستمرّ حتى الجلسة الأخرى التي قد تجمعهما. فكلٌ منهما لا يريد أن يستغني عن جلسة آمنة رغم احتمال تحولها إلى نقاش حاد. لأن كل جلسة بين مثقفين وسياسيين كانت عرضة للمداهمة قبل الثورة، ظناً من الحكومة أن الاجتماع ينسِّق لخطوات مستقبلية أو ربما يخطّط لبناء دولة. ناسية أن أمجاد الماضي هي أكثر ما كان يثير اهتمام الشخصيات السياسية.
أكثر ما يتم الحديث عنه من قبل المحاربين القدامى في السياسة الكردية، هو عدد التقارير التي اضطروا إلى ابتلاعها كي يحافظوا على المعلومات السرية للحزب الذي يعملون فيه. هذه التقارير كانت عبارة عن قصاصة ورقية صغيرة. وعلى الرغم من أن مضمونها لم يكن سوى نتائج آخر اجتماعٍ حصل بين أعضاء الحزب، إلا أن حاملها كان كحامل الشعلة الأولمبية. إذ كانت القصاصة تنتقل من يد المسؤول عن الاجتماع الصغير إلى الأكبر منه تدريجياً وهكذا، ولا يخلو الأمر من وجود مندسّين.
يروي والدي حكاية أحد الأشخاص الذي كان عضواً في الحزب الذي كان منتسباً اليه في أيام شبابه، فلا بد لكلِّ كرديّ أن ينتمي لأحد الأحزاب، حيث انتحل هذا الشخص شخصية مثقف قادم من أوروبا، مستغلاً ضعف المعلومات الاستخباراتية لدى قيادات الأحزاب الكردية لينقل للسلطات التي تتحرّق شوقاً لأخذ المعلومات كل ما سمعه عن أماكن الاجتماعات ومحاضر الجلسات الروتينية، غافلاً عن التنصت على الأهم، وهو ما كان يجري خارج هذه الاجتماعات.
يقول أبي: «مع أن العمل الحزبي كان مهماً في إحدى المراحل، إلا أنه قيَّد مستوى تفكيرنا بالنشرة الدورية التي تصدر. لتكون هذه الصفحات المطبوعة بشكلٍ رديء هي كل ما ينتجه عملنا السري. يستذكر أيام شبابه حين كانت النشرة الدورية هي أهم حدثٍ في الشهر. والنشرة الدورية كانت عبارة عن كتيب صغير مؤلف من عدة صفحات مطبوعة بشكل متواضع. تنشر غالباً مرة شهرياً لتوضِّح رأي الحزب في أهم المستجدّات السياسية التي تمسّ واقع الكرد، وصدق أو لا تصدق، قد تسجن بسبب هذا الكتيِّب.
كان المشهد السائد في أغلب البيوت المجاورة للسياسيين هو حملة حرق لهذه النشرات. تتكدّس وحيدة في أحد الأماكن المخفية من المنزل تحسّباً من اي مداهمة. أتذكر إنني وجدت بعض الأوراق في أحد الأدراج الخفية لخزانة الثياب في بيت جدي. ظننت حينها أني أنظر إلى أوراق تمسّ مستقبل الدولة. يضحكني مضمونها عندما أفكر بها الآن.
وفي العودة إلى الجار السياسي، أتذكر أنه كان يزورنا في وقت متأخرٍ من الليل. إذ توحي زيارات منتصف الليل بهيبة الزائر أحياناً. تمتلئ الغرفة بغيومٍ دخانية محمّلة بأحاديث سياسية تتوق للانطلاق خارجاً، عند إيجاد أي منفذ. خوفاً من الوصول إلى المتلصّصين. عابرةً كل الجدران التي كان يشاع عن وجود آذان لها في ذلك الوقت.
والمهمة الأصعب كانت من نصيبنا فبعد مغادرة الجار السياسي تبدأ اوامر» أمي» التي تحاول جاهدة ككلِّ سيدة ابعاد زوجها عن دهاليز السياسة «افتحوا الشبابيك. نظفوا المنافض، انفضوا الستائر»، أو ربما كانت تحاول ابعاد آثار الأحاديث السياسية عن المنزل.
أما عن منازل السياسيين «مركز توزيع هذه النشرات» فكانت عرضةً لزيارات دائمة من قبل عناصر الأمن وجملة «تفضل اشرب فنجان قهوة عنا» الشائعة كانت تنبئ بقهوة بطيئة الغليان. وقد يستغرق صنعها سنة أو سنتين من السجن. لذلك كانت المرأة العظيمة التي تقف وراء كل سياسي حريصة على اخفاء أسرار الحزب في أماكن يصعب على الدولة الوصول إليها. أماكن أكثر أماناً من الدرج الخفي في بيت جدي.
وفي آخر زيارة لجارنا السياسي كان يجلس على الأريكة الكبرى، ينفث الدخان بطريقة توحي بأنه يدخِّن من أجل مستقبل الدولة. لسوء حظه كان أحد الأشقياء من أقاربي يجلس في الغرفة المجاورة. لم يكد يسمع اسم الضيف من والدته حتى ذهب راكضاً إلى جارنا كي يصرخ منادياً بلقبه ضاحكاً، موحياً بأن هذه الموسيقى التي افتعلها بصوته أهم بكثير من البطولات التي يتكلم عنها.
أرى جارنا السياسي على بعض القنوات التلفزيونية. لا أستطيع التركيز في حديثه، فكل ما يتعلق به يذكرني بالنغمة التي كان يفتعلها قريبي الشقي حين استهزأ به.
qsh

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية