كان الفضل في هذه الزيارة للصديقين الأديبين ياسين رفاعية وزوجته أمل جراح مساء 27/12/1982.
ومن ضمن الحضور مستشرقة أمريكية شابة جميلة لها شعر طويل أصفر، تعمل صحافية، وتتكلم العربية بحيث لا تخفى عليها النكتة. هذه المستشرقة التي تجيد أكثر من ست لغات اسمها جانيت ستيفنسن.
بيت هدى نعماني متحف، وهي جزء من جماليات هذا المتحف، بأناقتها ورقتها وروحانيتها. بيت هدى مليء باللوحات والتماثيل والسجاد الفاخر والنباتات، وأرجو ألا يجر حديثي هذا فضول اللصوص. أدرت رأسي في الجدران، بل دار رأسي بين المعلقات والمرصوفات على المناضد والمبثوثات في الأرضية. ورفعت رأسي إلى أعلى وأنا أقول بصوت مسموع: الحمد لك يا ربي لأني لا أملك مثل هذه الدار.
أجابتني جانيت:
_ وأنا كذلك.
فقلتُ لها مسترسلة: تصوري كم يكون قلقي عليه، هذا الدار لو كنتُ صاحبته، أثناء الحرب وحين سفري. وكم ستستعبدني محتوياته، تلميعها، وتنظيفها، والعناية بها، وكم سيكون جزعي حين أموت وأنا ألتفت كل لحظة إلى الوراء بجزع وألقي عليها نظرة الوداع والتحسّر؟ الحمد لك يا رب، على خفة حملي، وخفة روحي، حقيبة صاحبتني وأنا أغادر لبنان قبيل الاجتياح الإسرائيلي، وتركت رفوفاً من الكتب والثياب القليلة لدى بعض الصديقات. أما هدى فكانت من الصامدين، وبيتها على خطوط التماس، مرة تخفي نفائسها في غرف آمنة نوعاً، ومرة تخبئ نفسها بالممر، والقذائف تسقط على الجوانب وعلى السطح، وهدى لا تتحرك، لأنها حلمت ذات ليلة بأن القذائف ستكون حواليها لا عليها.
كانت ليلة غريبة متميزة، تلك الليلة في بيت هدى، فيها لذّة الاكتشاف. تمثالان في الباب عند المدخل من صنع يدي هدى قبل سنوات عديدة، ربما كانت تلميذة في دورة النحت، نحتت نفسها واكتفت.
هدى فيها ميل لكل الفنون، تضع الحمص أو الفول في إناء مغر مغطى وتقدم كل طعام بعرضٍ فني لا تخطئه الشهية، وإن كان المحتوى يساعد على الحمية. وهدى تقرأ الكف بعدسة مكبرة، امتدت لها كل الأيدي يمينها وشمالها والمرأة الشفافة تلمس اليد المتضرعة وتهمس.
سألتني عن برجي الفلكي، قلت لها القوس، استبشرت لأنها من برج الجوزاء وبين القوس والجوزاء ائتلاف كما تقول، لذلك اختارت خادمتها السيرلانكية بعد أن عرفت إنها من برج القوس.
وقال ياسين رفاعية إنه هو الآخر من برج القوس. كانت الأقواس كثيرة تلك الليلة، واحتفينا بالأقواس الغائبة أمثال بيتهوفن وأنشتاين وغيرهم.
روت هدى عن خادمتها القوسية أنها تكتب كل ليلة في دفتر تخبئه وحين سألتها ماذا تكتب؟ قالت الخادمة: إنها تكتب الشعر. قلتُ معلقة: صانع الأستاذ.
ثم رويت مشاهدة من مشاهداتي في هولندا، هناك مرايا صغيرة أراها معلقة على بعض البيوت، مثل مرايا السيارات الخارجية، قالت اختي التي كانت تدرس في هولندا: المرايا هي إعلان عن مهنة صاحبة السكن وهي أقدم مهنة في التاريخ؟ ثم لفتت انتباهي إلى شباك معلقة فيه مرآة كالعادة، ومن خلال الشباك يرى المار قفصاً فيه عصفورة، عصفورة أنثى بلا شك، لأن على باب القفص مرآة صغيرة جداً على نمط مرآة صاحبتها.
قال ياسين رفاعية: هل تعلمين أن عم هدى كان رئيساً لوزراء سوريا؟ ثم التفتَ إلى هدى سائلاً: عمك أو خالك؟
قالت هدى: خالي.
قبل أن نودعها بعـــــد جلسة العشاء الممتعة أهدتــــنا هدى نسخــــة من ديوانها الجديد «هــــاء تتدحـــرج على الثلج».
في الصباح، تناولت الديوان مــــع شاي الإفطــــار، الديوان ككل كتب هدى نعماني من إصدارات دار النهار: أناملي لم، قصيدة حب، أذكر كنتُ نقطة كنت دائرة، ثم ديوانها الأخير هاء تتدحرج على الثلج. وهاء هو أول حرف من هدى.
قرأتُ والقلم بيدي، وضعتُ القلم جانباً؟
كلمات قليلة جداً مبثوثة على صفحة الورق العريضة الطويلة الغالية، الكتاب كله نثّر منثور، ولا يضم بيتاً واحداً من الشعر ولا نصف بيت. أحياناً تجد للسطر معنى وإن وجد المعنى فلا علاقة له بما سبقه أو ما يليه. لا يضير هدى أن يعجبك أو لا يعجبك (شعرها) فجريدة «النهار» الواسعة الانتشار، أكبر جريدة في لبنان، لا تخلف نشر قصائدها، أو نقد شعرها وتقييمه.
وتبقى هدى نعماني في نظري شاعرة من رأسها حتى القدم، بإنوثتها، وعذوبتها، وحديثها الناعم وظلال الغموض التي تحيط نفسها بها. ولكن هدى قالت بمرارة يوماً في حفل تكريم لي سنة 2010 حين شاهدت إعجاب الجمهور اللبناني بشعري: (وكان معها الشاعرة زينب حمود): مع الأسف لم يعلمونا في الجامعة أوزان الشعر.
هامش
جانيت ستيفنسن الكاتبة الأمريكية التي قتلت بانفجار السفارة الأمريكية ببيروت، وكانت تريد أن تعرض معاناة اللاجئين للمسؤول القادم من أمريكا. وكانت قد أوصت بأن لا يعاد جثمانهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية احتجاجاً. ودفنت في مقابر الشهداء في بيروت .
لميعة عباس عمارة