العَين مَعين خصب ألهَم الشّعراء والعشّاق والنّاظر إليها أينما كان، تتَحدّدُ العينُ ِبما هي علامة فارقة تُنتج أحوالا بَصريّة لا حصْر لها وبِوصفها مِسندا تنهض عليه المكوّنات الأساسيّة للتجربة الإنسانية المُضمرة والمُعلنة، وبوصفها أيضا جهازا لغويا يتركّب من وحدات غير لسانيّة تتّسع وتمتدّ.
والعين ليست مُجرّد إشارة إلى انتمائها إلى عالم مادّي وجسدي فقط، وهي ليست رُكاما من المشاهد والصّور، وإنّما هي بصفة خاصّة مجموعة من المشاعر والمقاصد التي تُشكّل كينونة الإنسان. العين إذن تَصوير مُستمرّ وتعبير لا يَنِي باعتبارها المِصْفاة التي يَمرّ منها العالم، أو هي العلاقة التي يُقيمها الإنسان مع العالم ومع ماهيته الخاصّة، حيثُ ترتَسِم فيها تلك الأبعاد المُنطمسَة والمَخفيّة في ذاكرة الإنسان، لأنّ الإنسان لا يتحدّد بما يقول فقط، بل بما يُخفي ويُضمرُ أيضا. والنّظرة فاعليّة في كشف المَخفيّ والمُنطمِس، وما يُخفيه الإنسان ويحجبًهُ يَظلّ واضحا تَشِي به النّظرات، وهنا تَكفّ العين عن كونها وسيلة للإبانة والإبصار لتُصبح ـ بعد أن استعادت صفاء هويّتها ـ كيانا طافحا بالحياة يُعبّر ويَبرَعُ في التعبير، حيث تعجز اللّغة وتصمتُ، تعبّر كأنّها بديهة وارتجال كأنّها إلهام له أغراض تواصليّة وتعبيريّة لا تَنتهي، فهي لغة تختلف عن لغة الاستعمال المألوف، إذ تحمل عن الإنسان أحلامه وتًعبّر عن مشاعره ورؤاه هي لغة لها نَحْوُها الخاصّ ولاَ غرابة في ذلك وقد تَوفرت فيها شروط الإثارة، وشدّ الانتباه ولهذا لم يَنظر العُشّاق إلى العين كَمكوّن جسميّ عرضيّ، بل سَعَوا إلى تقديرها قيمة تعبيريّة تبحث عن مناطق آهلة للمعنى «مناطق لم تَتسع لها مَجاهل اللغَة ولَم تَسْتكشفها معاني النَّحو»، وحتّى أهل البلاغة والنّحو سَعَوا إلى تقديرها مُكوّنا تواصليّا غير قوليّ تحت مبدأ قوامه «إنّني لا أستَطيع أن أكلّم إنسَانا في الظّلمة» وإنّ لسانَ الحال أبلغُ من لسان المقال، وأكّدوا على أنّ الإنسان والنّظرة يلتَئمان استجابة لنزعة تعبيريّة تَواصليّة، لأنّنا نقرأ فيها ما لا يَنقَال ولا يُنطق، حيث يُمارس الإنسان نَشاطه في الحجب والإخفاء والتضليل، ثمّ إنّ «اللّغة ليست بريئة في تمثيلها لعالم المعنى»، وعليه فإنّ النظرة مكوّن لا مَحيد عنه في إقامة تواصل يُراعي المقامات والمقاصد، لأنّها تُلحّ على ذلك الجانب في الإنسان الذي قد لا تَطاله اللغة، الجانب القابل للإثارة والانفعال، ولهذا السّبب غالى العشّاق في الإعجاب بالنّظرة والافتتان بها، وجعلوها دليلا على العشق والكُره ومِقياسا تُعرف به طبيعة العلاقة. والنّظرة في هذا السّياق هي التي جعلت العاشق صبّا وسقيما لأنّها ترسل حبّا وودّا وغضبا وكُرها ونُفورا وتعلّقا. وقد بَلغ من سحرها أنّها «تَصرعُ ذا العقل وهي أضعف خلق الله أركانا».
يَترتب عن وَسم النّظرة بهذه المميزات، أن يَغدو التواصل والتعبير قوامها، وقد كَفَتْنا كل شَرح وتأويل، لأنّها نجحت في سدّ هذا الفراغ الدلالي الذي سَكَتَت عنه اللغة وعجزت عن ملئه لأنّها أبدعت قاموسا صالحا للتعبير، قاموسا له سماته وعلاماته الخاصّة حتّى ليجوز لنا أن نتحدث عن أعمال (أحوال) بصريّة محاكاة لما أسّس له أوستين من أعمال لغويّة وهذا ما أهّلها لإيجاد نوع من الانسجام والاتّساق بين العالم والمَشاعر ولا يَكون العالم إلا حيث تكون العين والنّظرة.
٭ باحث تونسي
محمد عرعاري