من الواضح أن تقسيم العالم إلى نصفين: غربي وشرقي، لا يسعى سوى إلى توسيع دائرة ضعفنا وانحطاطنا من جهة، وتضخيم نرجسية الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية الغربية من جهة أخرى، ومن ثمة منحها مزيدا من الفرص للهيمنة على مقدّرات العالم.
يستند الفكر الحديث إلى مسلمات فكرية رئيسة، خلفت أثرا عظيما على المثقفين العرب، بدون أن يتيحوا لأنفسهم فرصة إخضاعها لمحك النقد، وبدون إدراك وظيفتها ضمن خطابها الأصلي، «سواء الذي يوجه إلى نفسه وقد سميته الخطاب النرجسي الطابع، لتأكيد شخصيته الفريدة عن شخصيات سائر الشعوب، أو الذي يوجه إلى «الآخر» الشرقي، ليبرهن له أنه غير قابل لاستيعاب أسرار التقدم والرشد. وهذه المسلمات هي التي ترسم الخط الخيالي الفاصل بين الشرق والغرب، وهو خط تغيرت حدوده ومعالمه بتغير السياسات الدولية والأوضاع الاقتصادية والعسكرية، في الأجزاء المختلفة من الشرق، وبشكل خاص في الشرق الأقصى (اليابان والصين)».
وضع خطير كهذا يسهم فيه المثقف العربي كما المثقف الغربي، بيد أن كليهما يبدي عجزا عن «القضاء على هذه الثنائية الفتاكة لتقسيم العالم إلى شرق وغرب. وعلينا أن نتعمق في أسس الثقافة الغربية ومنطقها ومسلماتها لنقدها بعد فهمها، وفهم أبعادها المترامية الأطراف، من دون أن ننسى أن الفلسفة الغربية هي التي امتازت أيضا بالفكر النقدي الحديث الذي لا يمكن تجاهله، لما له من جوانب مفيدة. فما يجب مقاومته هو انحراف الفكر (الغربي) في الخطاب النرجسي الطابع الذي يمجّد بشكل أسطوري عبقرية الغرب وتميزه عن غيره من الشعوب، بشكل ينظر إليه على أنه جوهري وتكويني. وما يجب مقاومته أيضا هو هذا الميل في الفكر العربي، وفكر الحركات الدينية السياسية الإسلامية الطابع، إلى التجاوب والتناغم مع الطروحات الغربية حول انقسام العالم إلى شرق وغرب لا يمكن أن يلتقيا. وهذا ما يسهل للدوائر السياسية الغربية أن تسير على خططها العدوانية تجاه المجتمعات (الشرقية)».
لا مناص إذن من تجاوز هذه الأفكار السقيمة، وبالتالي تهيئة الشروط الكفيلة بانبعاثنا ونهوضنا، وتشييد مجتمعات متينة، تضمن لأفرادها الحرية وتكفل لهم إمكانات الازدهار والرقي والتطوير الذاتي. كنا نأمل أن تؤول الانتفاضات الشعبية التي عرفتها بعض البلدان العربية تحت عنوان: «الربيع العربي»، إلى تغيير جذري شامل يعيد للعرب حياة كريمة ويخلصهم من الكيان الصهيوني والهيمنات الخارجية، غربية كانت أم شرقية، ويعيد للمواطن العربي حياة اقتصادية واجتماعية عادلة تسمح للعنصر الشاب بالبقاء في الوطن، وهو ينشط ويعمل في خدمة مجتمعه، بما يتلاءم وقدراته وكفاءاته. «فإلى متى يبقى العرب في هذه الحالة المعيبة التي يشكون منها، وهم لا يعون أن التبعية الرئيسة في تزايد عدم الاستقرار واستحالة الحصول على السلام العادل مع إسرائيل، هما من مسؤوليتهم بالدرجة الأولى وليس من مسؤولية القوى الخارجية، إيرانية كانت أم أمريكية؟ فهذه القوى تستغل فراغ القوة لدى المجموعة العربية، وهو ناتج عن انعدام وجود أي نظرة عربية موحدة للمصير المشترك. إن فقدان هذه الرؤية المشتركة ليس بالجديد، فالأقطار العربية المختلفة التي انبثقت من انهيار السلطنة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى دخلت في تنافس وتنافر وسياسة المحاور في ما بينها فور ولادتها. وبدلا من العمل المؤسسي المنظّم ضمن إطار الجامعة العربية، لاتخاذ مواقف موحدة من التطورات الإقليمية والدولية، أصبحت الأقطار العربية تتباعد أكثر فأكثر في ما بينها، ليس فقط في تحالفاتها الخارجية المتناقضة، بل أيضا في تطوير أنظمتها السياسية والاقتصادية الداخلية. أضف إلى ذلك انفجار الحروب الداخلية وتكاثرها (لبنان، اليمن، الجزائر، السودان، العراق) وتعدد النزاعات بين الأقطار العربية نفسها إلى درجة غزو دولة عربية لأراضي قطر عربي آخر»، ومن ثمة فإن المدخل الأرحب الذي بإمكان العرب أن يسلكوه، حتى يتسنى لهم احتلال مكانة تليق بتاريخهم داخل النظام الدولي والحضاري، هو»إنهاء حالة التشرذم والميل إلى الاختلاف على كل كبيرة وصغيرة في الشؤون الدولية والإقليمية، وبتأكيد مقومات هوية جماعية ونظام قيم متجانس يراعي خصوصيتنا وتراثنا، إنما لا يبعدنا عن القيم الحديثة الحقيقية وليس القيم الزائفة الجديدة حول صراع الحضارات.
وفي هذا المضمار، لابد من أن نتغلب على انفصام الشخصية الذي نعاني منه اتجاه الغرب. فالسياسات الاستعمارية التي مارستها بعض الدول الغربية وتصرفات الحكومة الأمريكية في السياسة الدولية، وكذلك حقنا في انتقادها بدون تردد شيء، وقيم العمل الخلاّق، ومبادئ الديمقراطية، وأنظمة التربية والبحث العلمي ونظم الأداء الاقتصادي العالي في القطاع الخاص، شيء آخر، يجب ألاّ نخجل من اقتباسها، كما فعلته بنجاح كبير شعوب شرقية أخرى مثل اليابان وكوريا وماليزيا، ناهيك عن الصين وخصوصيتها وتراثها العملاق. ونحن في الحقيقة عندما نهاجر إلى ديار الغرب ونرسل آلافا من أولادنا لاكتساب العلم فيها، نعترف بشكل ضمني بتفوق الغرب في هذه المجالات كلها وهي جوهرية. ولا شيء يمنعنا من اقتباس أنظمة غربية في الاقتصاد والنظم الدستورية بدون أن نسلك السياسات الغربية الدولية، أو أن نتنازل عن مقومات هويتنا القومية، إلاّ النقص في الثقة بالذات وعدم القناعة أو عدم الاتفاق داخل مجتمعنا حول مقومات هويتنا».
«ماذا فعلنا بأنفسنا لكي نصل إلى هذه الحالة المخزية من الانحطاط والتفجر ورغبة العنصر الشاب العربي في مغادرة أوطانه للعيش في أرجاء العالم، بعيدا عن هذه المعمعة المثيرة واستمرار الشعور بالقلق والقهر وعبثية الحياة؟». إجابة على ذلك وفي إطار تقديم نقد ذاتي كمثقف، يرى جورج قرم أن الأنظمة العربية التي نحمّلها كل المسؤولية لم تنزل على رؤوسنا من فراغ، ولا تعمل بعيدة عن محيطها المحلي والدولي. إن المثقفين والإعلاميين والمفكرين ورجال الأعمال وأساتذة المعاهد والجامعات ورجال الدين يتهربون من المسؤولية حين يحمّلونها للأنظمة السياسية.
إن خطاب الأنظمة مأخوذ من خطاب المثقفين العرب ومن الحالة الحضارية الثقافية العامة التي نحن فيها، التي تدهورت بشكل كبير ومخيف في العقود الأخيرة. لم يوظف المثقفون العرب طاقاتهم العقلية في بناء صرح ثقافي وحضاري متين يحُول دون قيام الأنظمة السياسية العربية بالتصرفات التي نشكو منها. «ما أسهل وما أحلى من هذا الموقف الذي يعفي كل الفاعلين في أمتنا العربية من أي مسؤولية نحمّلها، إما للمؤامرات الخارجية وإما لمطابخ المخابرات العربية، التي نعتقد أنها تتحكم كليا بأنظمتنا السياسية. وبموازاة هذا الموقف المضحك، تشهد الساحة العربية موقفا موازيا في تبرئة سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مدعية أنها خاضعة تماما لحفنة من المحافظين الجدد المتحالفين مع قوى الضغط الصهيونية في أمريكا، وأنه لولا ذلك لم يكن هناك أي مشكلة بيننا وبين العملاق الأمريكي الذي تهادنه أنظمتنا إلى أبعد الحدود، وكأن هذا العملاق ليس له أي مطامع في السيطرة على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولذلك، ونظرا لهذه البراءة، فنحن، أي الأنظمة وإلى جانبها العديد من المثقفين ورجال الأعمال، نستمر في موالاته وفي الإيمان بأن نياته تجاهنا صافية وديمقراطية الطابع حقا، بل أكثر من ذلك فهو الذي يخلّصنا من أنظمتنا السياسية ذات الطابع (الإبليسي) التي لا تعلم كيف تتصرف في النظام الدولي وكيف تحصل على احترام المنظومة الدولية كما تمّ الأمر بالنسبة إلى العراق مثلا» .
لقد توقف العرب عن مهمتهم الأساس وانخرطوا في صراعات عقائدية سطحية تعكس الصراع الأيديولوجي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، وأدى هذا الصراع إلى انقسام المثقفين العرب بين فكر ليبرالي وفكر اشتراكي، بالإضافة إلى الموجة العارمة لما تمت تسميتها بالصحوة الإسلامية كنقيض لهاتين المدرستين، وذلك بسبب التراجع الكبير في الفكر القومي العربي العلماني الطابع، الذي تعرض لضربة شديدة بعد نكبة 1967. لقد أصبح المثقف مجرد مروّج لشعارات مبسطة كأداة سحرية لإخراج الأمة العربية من انحطاطها المتجدد، وقد شكّل هذا الوضع المزري قطيعة كبرى مع التراكم المعرفي الذي أنتجه رواد النهضة العربية، ابتداء من الطهطاوي وانتهاء بطه حسين وقسطنطين زريق، وتحول المثقف من العمق إلى السطح يناقش قضايا شكلية تتعلق بالحدث اليومي الذي أصبح هو الحدث المركزي في تاريخ الأمة، وقد زادت وسائل الإعلام المعاصرة خاصة القنوات التلفزية من تسطيح دور المثقف وجعله بوقاً للدعاية، وهذا ما أفقد الجمهور العربي أي رؤية واضحة للمشاكل التي يتخبط فيها ولأسباب الحلقة المفرغة التي يدور فيها. «هذا الانحراف في دور معظم المثقفين العرب الذين أصبحوا يكرّسون جهودهم لتدبيج كتابات صحافية وإعلامية الطابع بعيدا عن الأبحاث الجدية، أكانت فردية أو جماعية، هو مسؤول إلى حد بعيد عن استمرار الوضع الراهن، حيث الأنظمة العربية تتخبط في فراغ ثقافي وحضاري عربي وتغيب الضوابط الفعلية ذات الطابع المعنوي الفكري والحضاري والأخلاقي، ولا توجيه سياسي عميق الجذور يمكن أن يضيء الطريق إلى تصرف عقلاني وحكيم. ولذلك نرى تلك الأنظمة تستفرد بهذا وذاك من المثقفين الذين يعملون في الحقل السياسي اليومي ويمعنون في انتقاد نظام معين وتجريحه، فيصبح المثقف في السجن أو يفقد وظيفته، وبالتالي وسيلة عيشه المادية، وذلك في لعبة عقيمة بين أنصار «الديمقراطية» أكانوا من الإسلاميين أو الليبراليين من جهة، وأنظمة قمعية تخاف على حالها لأنها ليست قائمة ضمن منظومة فكرية حضارية تضبط عملها وتصرفاتها من جهة أخرى».
إن مهمة المثقف هي مهمة وخطيرة في الوقت نفسه إذا هو ساهم في تغير المناخ الفكري والحضاري العام، لأن أي نظام سياسي هو نتاج لهذا المناخ ولا بد أن يخضع له في نهاية المطاف ويحسن أداءه كلما ارتقى المثقفون ورجال الأعمال إلى العمل الفكري والعلمي والاقتصادي المتواصل لإخراج الوطن من التخبط في التخلف والعشوائية.
من هنا ينبغي إذن العودة إلى الأجواء الثقـــافية الغنية التي ظهرت خلال النهــــضة العربية الأولى والتي انقطعنا عنها، خاصة في مجال المعرفة والانفتاح والتفاعل مع تطور الإنسانية. ينبغي إذن العودة إلى هذه النهضة والاعتماد عليها خصوصا في المجال المعرفي والتعمق في دراسة التراث العربي الإسلامي خاصة في الفلسفة وعلم التاريخ وعلم الاجتماع.
٭ كاتب مغربي
المهدي مستقيم