في جنازة البرلمان

■ لا أحد ـ عاقل ـ ينازع في وجود دواعي فرح وأمل في مصر الآن، وبالذات في الإنجازات الكبرى، على طريقة قناة السويس الجديدة، واكتشاف أكبر حقل غاز طبيعي في منطقة البحر المتوسط، وتقليص التبعية الموروثة للأمريكيين، وتقوية الجيش، وحصار الإرهاب، واستئناف المشروع النووي، والقفز بمعدلات توفير الطاقة الضرورية لإنهاض حركة تصنيع شامل.
ومن الإنصاف أن نرى ونحتفل بالإنجازات، ولكن دون إغفال وجود تناقضات بلا نهاية في المشهد الحالي، ومن نوع وجود رئيس جديد يحكم بالنظام القديم ذاته، واستمرار الهيمنة المرئية لتحالف البيروقراطية المتهتكة ومليارديرات النهب العام، وتغول القمع الأمني، وسيادة الفساد، وغياب العدالة، وتقلص الحريات العامة، وهو ما يلقي بظلاله وأثره المباشر على حدث مهم في حياة أي بلد، وهو الانتخابات البرلمانية التي بدأت إجراءاتها أخيرا، وسط لامبالاة منظورة من الناس، وكأنهم يسمعون عن خبر جنازة لشخص لا يعرفونه، لا إشارة لعرس ولا لفرح ديمقراطي.
ولسنا ضد إجراء الانتخابات البرلمانية، ولا ضد المشاركة فيها، لكننا لا نتوقع شيئا له قيمة ديمقراطية في البرلمان الجديد، ليس لاحتمالات حدوث تزوير في إجراءات التصويت، فهذه ظاهرة مخزية انتهت إلى الأبد في مصر منذ ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، لكن غياب التزوير الإجرائي، لا يعني سلامة الانتخابات، ولا تعبيرها الدقيق ولا التقريبي عن إرادة الناس، فالأبواب مفتوحة على مصراعيها لتزوير إرادة التصويت، وقد جرى ذلك على مراحل بعد الثورة الشعبية، وبعد انفضاض جمع الناس في الميادين، وبدء مواسم سرقة الثورة، وعلى طريقة الوعد الكاذب بدخول الجنة والعتق من النار، وتوزيع الزيت والسكر على منهج الإخوان وحلفائهم من اليمين الديني، وكان وعي الناس بالخديعة يتزايد، وبدليل انخفاض نسبة التصويت للإخوان من 77٪ في استفتاء اذار/مارس 2011، إلى قرابة الخمسين في المئة في انتخابات البرلمان نهاية 2011، وإلى أقل من 25٪ من المصوتين في جولة الانتخابات الرئاسية الأولى أواسط 2012، وإلى أقل من عشرة في المئة ـ كما نقدرـ بعد عام واحد لمرسي الإخواني في قصر الرئاسة، وهو ما دفع الإخوان إلى الرفض الضاري لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وقد كان ذلك هو المطلب الجوهري لثورة 30 حزيران/يونيو 2013، وأدى رفض الإخوان إلى ما نعرفه من التطورات المصرية، وإلى إجراء استفتاء على دستور جديد أكثر ديمقراطية مما كان، ثم إلى إجراء انتخابات رئاسية فاز بها السيسي، وإلى أجواء تعبئة عامة قادت الناس إلى صناديق التصويت، وهو ما لا يبدو متوافرا في الانتخابات البرلمانية هذه المرة، خاصة بعد تداعي خطر الإخوان وانعزالهم الإرهابي، فقد كشف الناس خدعة الإخوان، وكان لابد من التجربة الملموسة المباشرة، كان لابد من «كبش النار»، كان لابد من «شربة زيت الخروع» لتنظيف «مصارين» البلد، وإيقاظ وعيها بالخطر، واكتشاف زيف انتحال الإخوان لصفة ثورة 25 كانون الثاني/يناير، وهو ما يبدو أنه يتكرر الآن على نحو آخر، فالناس عرضة هذه المرة لانتحال صفة من جانب الفلول، الذين ينتحلون صفة ثورة 30 حزيران/يونيو، ويستغلون ـ كما الإخوان ـ وضع «الثورة اليتيمة» التي يخذلها طغيان اليمين على المشهد السياسي، والتي لم تبن بعد حزبها السياسي القادر على نقل الثورة من الميدان إلى البرلمان، وهو ما نبهنا إليه مبكرا قبل سنوات من قيام الثورة، ودعونا في كتاب «الأيام الأخيرة» ـ الذي صدرت طبعته الأولى في حزيران/يونيو 2008 ـ إلى بناء حزب للثورة المقبلة وقتها، وتصورناه حزبا وطنيا جامعا يضم أقسام اليسار والوسط الاجتماعي والثقافي، وأطلقنا عليه وصف «الحزب الذي تنتظره مصر»، والذي لم يقم بعد، وهو ما يترك الساحة خالية لأقدار بؤس تنتظر البرلمان الجديد، وهو برلمان الثورة المضادة بامتياز، وبزعامة الفلول لا الإخوان هذه المرة، وفي تجربة مريرة جديدة تنتظر الشعب المصري، وإلى أن يلفظ «شربة الطين» الفلولية هذه المرة، كما لفظ «شربة زيت الخروع» الإخوانية في مرة سبقت، وإن كان توقعنا أن يجري ذلك على نحو مختلف، وبغضب اجتماعي عارم يعود إلى الميادين، يطلق ثلاثا أوهام اليمين الديني والفلولي، ويجعل الميدان برلمانا للناس لا الحراس.
هل يعني ذلك أننا بصدد أقدار فشل محتوم، لا، ولكننا بصدد إعاقة جديدة لقضية «الثورة اليتيمة»، والتي لم تصل إلى السلطة أبدا، لا في الحكومة ولا في البرلمان، أضف ـ من فضلك ـ حالة الفوضى التي تعيشها مصر الآن، لا نقصد الفوضى الأمنية، ولا الإرهاب الذي يتداعى بأسه، فالأمور الأمنية في أفضل حالاتها استقرارا منذ خلع مبارك، بل نقصد فوضى السلطة بالذات، فلسنا بصدد نظام تبلورت ملامحه، وفكرة السياسة غائبة بالجملة، وجماعات المصالح تتوحش، والفساد يحكم ويعظ، والأجهزة الأمنية تلعب في فراغ السياسة، وهو ما أحل فكرة «المقاولة» محل فكرة «السياسة»، وهو ما يبدو ظاهرا في صور المتدافعين إلى حلبة الانتخابات البرلمانية، فثمة قوائم تشكلها الأجهزة الأمنية، وتجلب لها إنفاقا سخيا من رجال أعمال جماعة مبارك، بينما أغلب القوائم، وكذا المستقلين على المقاعد الفردية، كلهم تقريبا ممن يسمون اصطلاحا في مصر بالفلول. وهؤلاء ليسوا فلولا بالمعنى اللغوي والسياسي، بل هم أصول لا فلول، ومن موارد ثلاثة ظاهرة، من جماعة البيروقراطية والجهات الأمنية الفاسدة، ومن عائلات في الريف والصعيد على علاقة «عروة وثقى» تقليدية بالجهاز الأمني والإداري، ثم ـ ثالثا ـ من جماعة «رأسمالية المحاسيب»، وقد انفتحت شهية هؤلاء في المقاولات الانتخابية الجارية، فهم يسيطرون على أغلب قنوات الإعلام التلفزيوني الخاص، وعلى أغلب الصحف والمواقع الالكترونـــــية، واشتروا أحزابا، وحولوا الكثير منها إلى «مكاتب تسهيلات» وبوتيكات ونوادي روتاري، ودخـــلوا في مزايدات مجنونة على شراء مقاعد البرلمان المقبل، وهم يشترون غالبا نوابا من حزب المخلوع، أو ممن لهم سوابق برلمانية في زمن التزوير بالجملة، أو ممن لديهم «العدة اللازمة» لخوض الانتخابات الفردية، والتي تسود فيها دواعي المال والبلطجة والعصبيات العائلية والجهوية، ومنافسات الشراء تجري لأعلى سعر، وفي سباق محموم لا يصمد فيه سوى المليارديرات الكبار، أو من بيدهم مفاتيح المال السياسي العابر للحدود، على طريقة اغتراف مرشح رئاسي ســـــابق من خزائن دولة خليجية معروفة، أو على طريقة تدفق أموال دولة خليجية أخرى لأحزاب من اليمين الديني، في حين يتصرف الباقون بما نهبوه وسرقوه من ثروات البلد، وجعلهم من أغنى أغنياء العالم، وإلى حد أن أحدهم ينفق إنفاق الذي لا يخشى الفاقة، ويعرض على المرشح الذي يشتريه مبلغ خمسة ملايين جنيه، أي عشرة أمثال الحد الأقصى للإنفاق في قانون الانتخابات، ومع حافز إضافي في صورة راتب شهري قدره 50 ألف جنيه في حالة الفوز، ولضمان الولاء، ورعاية مصالح «رأسمالية المحاسيب» التي لم يتخذ السيسي إجراء واحدا لرد ما نهبته من ثروات إلى الآن، وإن كانت لا تستريح تماما لنوايا الرئيس، ولا لتضخم دور «رأسمالية الجيش»، التي تحرم رأسمالية المحاسيب من العقود والصفقات الجديدة، وهو ما يدفع الأخيرة ـ أي رأسمالية المحاسيب ـ لشراء مقاعد البرلمان، واتخاذه كأداة ضغط لتهديد وحصار الرئيس .
برلمان من هذا النوع لا يثير حماس الناس، ولا يهم أغلبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى، والذين يشكلون غالبية المصريين بنسبة التسعين في المئة، والذين لا يملكون من ثروة مصر سوى ربعها، بينما يملك 9٪ من السكان ربعا آخر، ويستأثر واحد في المئة من السكان بنصف إجمالي الثروة، وهو ما يعني أننا قد نكون بصدد برلمان الواحد في المئة، يجتذب إليه أطياف المتطلعين من نسبة التسعة في المئة المستريحة نسبيا، وهو ما يشجع عليه نظام الانتخاب الفردي الذي جرى اختياره عمدا، برغم أن الدستور يجيز إجراء الانتخابات بالنظام النسبي، والذي يحفظ لكل صوت انتخابي وزنه التمثيلي في البرلمان، ويعبر عن آراء الناخبين بنسبة مئة في المئة، بينما النظام الفردي يهدر غالبية أصوات الناخبين، ويحرمها من التمثيل البرلماني، ويفرز برلمانا لا يمثل سوى أقلية الأقلية، خصوصا مع العزوف المتوقع عن التصويت لدى أغلبية الناخبين، والحسبة بسيطة، تخيل ـ مثلا ـ أن مئة ناخب ذهبوا للتصويت، فلا يحتاج المرشح للفوز سوى 51 صوتا، هذا إن فاز من الجولة الأولى، وهو ما لن يحدث غالبا بسبب كثرة أعداد المرشحين، فتعاد الانتخابات، وينخفض عدد المصوتين المئة إلى عشرين، ويفوز بالمقعد البرلماني من يحصل على 11 صوتا من المئة الأصلية، أي أننا سنكون بصدد برلمان يمثل عشرة في المئة تقريبا من المصوتين، ولو أضفت نسبة المقاطعين، وهم الأغلبية، فالنتيجة ستكون صادمة، وهي أننا سنكون بصدد برلمان انتخبه 2 في المئة، أو حتى واحد في المئة من الناس، وهي نسبة تقارب نسبة احتكار الثروة في مصر المنكوبة، وهو ما يفسر إحساس غالبية المصريين باللامبالاة تجاه البرلمان الجديد وانتخاباته، وهو شعور جنائزي باهت، فالذين سرقوا ثرواتهم يسرقون أصواتهم وبرلمانهم، والعزة والدوام لله .

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية