واضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحبّ، على طريقة فيلم «العرّاب»، اختــــيار الأفعال والقرارات الخطيرة التي يقوم بها لتتواقت مع أحداث أخرى بحيث يخلق إثارة من النقلة السياسية غير المتوقعة وتفاعلاتها تعطيه أفضليّة على نظرائه وخصومه.
ظهر هذا خلال لقائه بالرئيس الصيني جيبينــــغ بحيث تواقت اجتــــماعه مع قصف الأمريكيــــين لمطار الشعيرات السوري فاستطاع بذلك فتح فجوة بين الحليفين الروسي والصيني في الموضـوع السوري.
حصل أمر شبيه مع لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي تواقت مع إقالته لرئيس مكتب الأمن الاتحادي (إف بي آي) جيمس كومي على خلفيّة توسع الأخير في التحقيق في علاقة إدارة ترامب بروسيا، وهو ما دفع لافروف للانتشاء خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الأمريكي ريكس تيلرسون واندفع لممازحة الصحافيين حول الأمر، وأتبع ذلك بالقول إنه اكتشف أن مسؤولي ترامب هم «رجال أفعال»، براغماتيون، ومهتمون بعقد «صفقات» سياسية.
خبرات مسؤولي ترامب، الذين جاء أغلبهم من فئة أصحاب مئات الملايين ومن إدارات شركات هائلة النفوذ، وعلاقة ترامب نفسه بقطاعات المال والأعمال والترفيه والتسلية (تلفزيون الواقع وتنظيم حفلات ملكات الجمال الخ…) واضحة البصمات في ما نراه وهي واضحة أيضا في تعاطي إدارة ترامب مع شؤوننا العربية والإقليمية.
فقد استبقت هذه الإدارة، على سبيل المثال، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بمفاجأة ثقيلة لأنقرة عبر إعلانها قرارها تسليح «وحدات الحماية الكردية»، وبمصادقتها على دورها في العمل على احتلال مدينة الرقّة، معقل تنظيم «الدولة الإسلامية»، وبذلك أعاقت الإدارة الأمريكية، سلفاً، خطّة الأتراك في تسليمهم ملفّ تحرير الرقّة وتأمين حدودهم من احتمالات توسع الوحدات التابعة عمليّاً لقيادة حزب العمال الكردستاني التركي، كما عرقلت إمكانيات نجاح زيارة إردوغان الأمريكية المقررة يوم الثلاثاء المقبل والأجندة التي كان يأمل في إقرارها مع حلفائه الأمريكيين.
على الصعيد العربي اتفق السعوديون مع إدارة ترامب على استقباله في الرياض والتي ستشهد، إضافة إلى القمة الأمريكية السعودية، قمة أمريكية خليجية، وأخرى إسلامية ـ أمريكية، وقد قام السعوديون بإرسال الدعوات إلى كافة الدول المعنيّة، بما فيها طبعاً حلفاؤهم الخليجيون، الذين سيقابل زعماؤهم الرئيس الأمريكي خلال القمة.
البيت الأبيض استبق قمة مجلس دول التعاون الخليجي بدعوة أحد قادة دول التعاون إلى البيت الأبيض يوم 15 من الشهر الجاري وذلك قبل القمة الخليجية – الأمريكية المتفق عليها بستة أيام.
على الأغلب أن الأمريكيين لا يرغبون في إعطاء شيكات على بياض لأي من حلفائهم (وخصومهم) بل يحاولون أيضاً إرباك هؤلاء الحلفاء (والخصوم) وإزعاجهم وابتزازهم حيثما استطاعوا، وينطبق هذا الأمر على روسيا والصين كما ينطبق على تركيا وحلفاء أمريكا العرب.
لا يعني هذا أن ترامب قادر على الهروب بكل أفعاله، وخصوصاً تلك التي تبرهن يوماً بعد آخر على نزعاته الدكتاتورية التي تفسّر هذا الغرام الشديد بأسلوب الرئيس الروسي فلاديمــير بوتين في الحكم، وأسفه ربّما لكونه لا يستطيع غير طرد الموظفين الحكوميين الذين يعاندون أسلوبه، في الوقت الذي يستطيع الرئيس الروسي محوهم عن وجه الأرض!
رأي القدس