منذ سبع سنوات، احدى السفيرات السوريات المتقاعدات، من اللواتي توظفن في وزارة الخارجية قبل فترة من تسلط حزب البعث على الحكم (وهذا يفسر إتقانها للغات اجنبية عدة، ولباقتها المنشودة في تمثيل وطنها، واستقامتها في العمل ونظافة كفها)، كانت جالسة في شقتها المتواضعة في دمشق (التي ورثتها عن أهلها ـ ولحسن الحظ ـ لأن معاشها التقاعدي في النعيم الأسدي، بعد تمثيل بلدها في الخدمة لمدة أربعين عاما، كان لا يتجاوز السبعين دولارا شهريا )، رن عندها جرس التليفون، سمعت اختها الأرملة تطلب منها القدوم فوراً لدارها. مثل كل السوريات والسوريين الذين عاشوا في كوريتنا الشمالية الشرق الأوسطية، فهمت السفيرة فوراً من نبرة الصوت ان المسألة لا يمكن البت بها على الهاتف. كانت كل كلمة تحكى عبر الخطوط المراقبة، والتي تُسمع من مخابرات بشار الأسد، هي كلمة يمكنها ان تؤدي على التو الى مقبرة الدحداح. وهذا في ايام العز، حين كان جسد من يموت تحت التعذيب يعاد لذويه، مقابل رشوة معقولة الى حد ما، تتناسب مع معدل نسبة الدخل القومي.
لذلك، سارعت السفيرة الى خلع «الكيمونو الساتان» الذي كان اللباس الدمشقي المعتاد لتناول حواضر العشاء المسائي ـ من مكدوس، وجبنة بيضاء مغلية (تهرس بالشوكة حين تصبح ساخنة طرية مع حبة البركة ورشة مسك)، وكأس شاي أحمر في «استكانته» الزجاجية، مع قليل من معقود قشر الكباد للتحلية ـ ولبست ثوبها، والمانطو «الديمي سيزون»، لأن الطقس كان متغير المزاج، مثل نيرون سوريا، وتوجهت في تكسي عمومي أصفر الى حي المزرعة. التكسي العمومي تفصيل دقيق هنا، لان التكسي من مكتب خاص كان أغلى، او كان ينتمي لاسطبل رامي مخلوف، مثل كل شيء في البلد، فيضرب قيمة المشوار بعشرة أضعاف على الأقل. السفراء والوزراء القدامى كانوا لا يحلمون بدولاب سيارة، لأن قوانين «خدمة الدولة» كانت لا تجاملهم الا اذا كانوا من «عظام الرقبة» لنظامنا الأسدي شنيع الفساد. واذكر حين ذهب عشرة سفراء مثلوا سوريا من جيبهم الخاص لسنين ـ لأن معاشهم لم يسمح لهم بتمثيل بلدهم بشكل لائق الا اذا سرقوا (وكانت السرقة لا تليق بتقاليدهم الأخلاقية بالتفريق بين المال الحلال والمال الحرام، ولا بسمعتهم، ولا بصيت عائلاتهم وبتاريخها الوطني الحافل)، ذهبوا ليطلبوا من عبد الحليم خدام، وزير خارجية حافظ الأسد آنذاك، ان يسمح لهم، اذا استطاعوا واشتروا سيارات متواضعة، ادخالها «بإذن مؤقت» الى دمشق.
وقتها كان اولاد «المسؤولين» في المافيا الأسدية، يعتبرون كل شيء في الوطن ملكهم الخاص، مثل شقق الآخرين، وأبنيتهم، ومشاريعهم التجارية، وأراضيهم، وحتى البحر المسكين البريء نفسه، الذي قيل انهم قد تآمروا عليه، ليملأوه بنفايات نووية من بلد آخر، في صفقة مادية ضخمة لصالحهم. كان الاسد الأب على علم بها، ولم يحك عنها في مسرح الدمى الذي كان ومازال يسمى «مجلس الشعب»، الا حين انقلب خدام الى «معارض»، ويا للمهازل، مثلما فعل مصطفى طلاس وأولاده فيما بعد. صرخ خدام بوجه ضيوفه وأطلق هذه الجملة الدبلوماسية الخالدة: «وهل يعقل؟ بعد كل هذه السنين في خدمة الدولة، لا تملكون سوزوكي حتى، وكل ‹مومس› في البلد تُهدى من ضباطها، ومن المال العام، آخر طراز من المرسيدس ‹الشبح؟» وطبعاً، لم يحرك خدام ساكناً لمساعدة هؤلاء التعساء، فغادروا هذا اللقاء السريالي، الذي وضعهم في مرتبة أدنى من تلك المومس، وعادوا الى بيوتهم بخفي حنين، وفي التكسي العمومي الأصفر.
نعود الى سفيرتنا المتقاعدة، التي وصلت الى مبنى قديم ظهرت عليه معالم الاهتراء، فوجدت اختها تنتظرها على الدرج، وكان وجهها قد صار «سيرقوني» اللون من الرعبة، كما يقول أهل الشام. حين دخلتا الى المطبخ، وفتحت الأخت الراديو لكي لا يسمع صوتهما فوق صوت المطرب (الذي سيصبح فيما بعد، ويا للعار للتراث الغنائي التقليدي في بلادنا، حنجرة التشبيح «المياسي» الجاعرة)، قالت، وهي تلطم خديها بعنف من فقد الصواب، ان ابنها الوحيد اختفى منذ الساعة الواحدة ظهراً. وقال لها بقال، سمع عن خياط، سمع عن سمكري في الحي، انه قد أوقف عند حاجز أمن معروف، وهو في طريقه الى مستشفى عمومي، لإجراء عملية خطيرة لمريضة لها اولاد صغار، فأمره العسكري ان ينزل فوراً الى «خيمة استقبال» أقيمت في الشارع ـ و كانت رائحة اللحم المشوي تفوح منها، ذلك اللحم الذي اصبح أندر من حليب البلابل من شدة غلائه بالنسبة للأكثرية السورية (التي لم تعتقد، يومها، انها سوف تضطر، بعد عدة سنوات فقط، ان تأكل خبز العدس، والقطط، وأوراق الشجر، وتموت من الجوع رغم هذا) ـ أمره ان يهبط ليدمغ بقليل من الحبر او الدم، والسائل الثاني كان هو بالطبع المحبب اكثر، على استفتاء النعم للرئاسة الوراثية، الذي كان قد نظم من قبل الأجهزة المخابراتية. قال الطبيب الشاب انه سيفعل فور عودته من المستشفى، شاهراً بطاقته كجراح في مستشفى المواساة في دمشق. انزله الملازم الذي أتى ليحل الموضوع، وهو ابن ضيعة دريكيش في الساحل السوري البديع، واركعه أرضاً ثم بدأ بلبطه امام أعين كل الناس، حتى جاءت سيارة المخابرات لتأخذه الى حيث اختفى منذ ذلك اليوم.
هذه مجرد واقعة واحدة من ذاكرة استفتاء دم، بعد استفتاء دم، بعد انتخابات دم. والشعب السوري واحد: واحد تطلع روحه، منذ 44 سنة!
رنا قباني