يشكل حقل غاز غزة مارين، والذي يقع على بعد 36 كيلو مترا من ساحل قطاع غزة، قفزة نوعية من خلال الرقي بالاقتصاد الفلسطيني وإنعاش حالة الركود الذي يعاني منها نتيجة الهيمنة الإسرائيلية المتواصلة، بالإضافة إلى الانقسام الفلسطيني الذي أتاح الفرصة أمام إسرائيل لاستغلال كافة الموارد الطبيعية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، حيث تهدف إسرائيل وبكافة الطرق للسيطرة على الموارد الفلسطينية، بما فيها غاز غزة من أجل فرض سيطرتها وهيمنتها على القرارات الفلسطينية وعدم وصول الفلسطينيين إلى مشاريع تنموية تحررهم من التبعية الاقتصادية والمالية لإسرائيل، في ظل استيراد الجانب الفلسطيني ما نسبته 95 في المئة من الطاقة، والمتمثلة في الكهرباء والوقود والغاز المنزلي من الجانب الإسرائيلي.
وفي محاولات وترتيبات جدية، تحاول السلطة الفلسطينية النهوض مجدداً بملف حقول الغاز الفلسطينية القابعة ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية قبالة سواحل قطاع غزة، وأهمها حقل مارين أو ما يعرف بحقل الحدود لوجوده على الخط الفاصل بين الحدود الفلسطينية والإسرائيلية. فرغم كافة العراقيل التي وضعتها السلطات الإسرائيلية لمنع أي محاولة للتنقيب والعمل في هذه الحقول، إلا أن السلطة يبدو أنها تحمل في جعبتها بشائر جادة، من خلال طرح وتفعيل هذا الملف والاستفادة من هذه الثروات التي تساهم في الخروج من المأزق المالي والاقتصادي الذي تعاني منه السلطة. وتقدر كمية الغاز الطبيعي الموجودة في هذا الحقل حوالي 33 مليار متر مكعب، ومن شأنها أن تسد احتياجات الفلسطينيين في كل من غزة والضفة لمدة 25 عاما، في حين يصل صافي أرباح السلطة في حال تشغيل الحقل من خلال التصدير المحلي والخارجي قرابة 150 مليون دولار سنوياً حسب تقديرات رسمية، وهذا يشكل نقلة اقتصادية نوعية بالنسبة للسلطة، التي تعاني من أزمات مالية نتيجة اعتمادها على المساعدات والمنح الخارجية.
وأكد الباحث يوسف حجازي لـ«القدس العربي» أن قضية حقول الغاز الفلسطينية والتي تقع ضمن المياه الإقليمية، تعد من أهم الملفات الإستراتيجية التي من شأنها حل الأزمات المتراكمة كأزمة الكهرباء، إضافة إلى تحقيق طفرة اقتصادية كبيرة، وتوفير فرص عمل لشريحة كبيرة من الشباب العاطل عن العمل، إضافة إلى توفير مصادر الطاقة والتي تعتبر مشكلة رئيسية يعاني منها الفلسطينيون.
وأضاف، أن السلطة الفلسطينية هي صاحبة الحق الأول والأخير في تقرير مصير هذا الغاز وتحديد الطريقة التي ستقوم من خلالها بالتصرف به، في الوقت الذي تواصل فيه بذل الجهود للوصول إلى قرار يقضي بالتنقيب.
وأشار إلى إن الحكومة الفلسطينية ستتخذ عدة خيارات لتسريع عملية استخراج الغاز من هذا الحقل، وذلك للاستفادة لتوليد الطاقة الكهربائية في محطات التوليد المنتشرة في قطاع غزة جنوباً والضفة الغربية شمالا، إضافة إلى إنعاش الاقتصاد الفلسطيني والاعتماد على الموارد المحلية.
ومنحت السلطة الفلسطينية الحق الحصري لصندوق الاستثمار الفلسطيني ومجموعة من الشركاء في التنقيب عن الغاز، حيث توقع رئيس صندوق الاستثمار محمد مصطفى أن يبدأ العمل في الحقل في العام 2021 حال لم يكن هناك أي معيقات إسرائيلية تحول دون تطوير الحقل والاستفادة منه، والمقرر أن توفر نصف احتياجات الضفة من الكهرباء عبر محطة جنين.
وأضاف مصطفى إن هناك أطرافًا دولية تحاول التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي لتتمكن السلطة من استغلال الغاز الطبيعي في غزة، لأنه في منطقة قانونية تتبع لأراضي دولة فلسطين وذلك باعتراف إسرائيل.
وأوضح أن مشروع تطوير حقل الغاز يكلف نحو مليار دولار، لذلك لجأت الحكومة مع صندوق الاستثمار إلى التنسيق مع شركات أجنبية للعمل على تنفيذه، والتي بدورها ستدفع ضرائب للحكومة بنسبة 37.5 في المئة من دخل المشروع، بالإضافة إلى حصة صندوق الاستثمار كشريك.
ورغم كل ما يسجل من تقدم، إلا أن إسرائيل تبقى متربصة لأي محاولات للعمل داخل هذا الحقل، حيث سبق لإسرائيل ان وضعت عدة عراقيل أمام تطويل الحقل، من خلال رفضها مد خط أنابيب مباشر لمحطة توليد كهرباء غزة التي تقع بالقرب من شاطئ البحر، ولكن اشترطت نقل الغاز عبر أنابيبها في محطة تسييل الغاز في مدينة عسقلان، ومن ثم توزيعه للضفة وغزة لكن الشركة رفضت الخضوع للشروط الإسرائيلية.
وبين الخبير الاقتصادي ومدير العلاقات العامة في غرفة غزة التجارية ماهر الطباع، أن ملف حقل الغاز المتعثر منذ قرابة الـ18 عاماً، يعد من أهم الملفات الإستراتيجية التي من شأنها حل الأزمات التي تعاني منها فلسطين بشكل عام، ويعتبر الغاز أيضاً من أهم الموارد التي يحتاج إليها الفلسطينيون في شقي الوطن، في ظل عدم توافره وتحكم الاحتلال الإسرائيلي في الكميات التي يدخلها والتي تشكل أزمة بين الفينة والأخرى.
وحول سؤال عن إمكانية عرقلة إسرائيل أي محاولة تنقيب مقبلة، أكد الطباع أن الشارع الفلسطيني أن بقي في حال انقسام، لم يتمكن الفلسطينيون من التنعم بالغاز، لان إسرائيل تستفيد كثيراً من حالة الانقسام، أما في حال تم تجاوز الخلافات السياسية سيكون هناك قرار بالإجماع وفق ضغوط دولية، تسمح للفلسطينيين بالتنقيب من خلال وساطات دولية تشرف على ذلك، وفق مخرجات اتفاق أوسلو عام 1993. وتشكل قضية الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط داخل المياه الإقليمية الفلسطينية نقطة ارتكاز رئيسية تحاول السلطة الفلسطينية من جديد النهوض بهذا الملف الذي تعثر منذ البدايات الأولى بمنح شركة «بريتش غاز» البريطانية المكتشفة للحقل العمل والتنقيب فيه، ومن ثم بيع حصتها لشركة «شل» العالمية، والتي قررت الخروج بعد أقل من عام واحد على شراء الحصة.
وتبسط كلا من اليونان وإسرائيل سيطرتهما الكاملة على حقول الغاز في البحر المتوسط، متجاهلة كافة القوانين والأعراف الدولية، حيث سعت فلسطين إلى الحفاظ على حقوقها المائية في المياه الإقليمية من خلال الإنظمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تعطي الفلسطينيين حقهم في ممارسة سلطتهم في المياه الإقليمية وفي استكشاف الموارد الطبيعية واستخراجها، والخطوة المقبلة التي يأمل بها الفلسطينيون أن تنجح الترتيبات التي تجري في بدء العمل على أرض الواقع، واستخراج الغاز وتوفير مصادر الطاقة.
إسماعيل عبدالهادى