في ذكرى أبي العلاء: أجمل الجنايات…أفضال سوريّة

كانت أوّل زيارة لي إلى بلاد الشام عام 1991 وآخرها صيف 2010، قبيل اندلاع «الربيع العربي» في عزّ الشتاء؛ حيث شاركت في مهرجان «الملاّجة» مع شعراء ورسّامين وموسيقيّين عرب وأجانب أمثال وديع سعادة وجان كلود فيلان وستيفن واتس وبهرام حاجو وعتاب حريب ويوسف عبدلكي وندى منزلجي ودلشاد سعيد… وكانت كلّ زيارة مختلفة عن سابقتها، ففي الأولى لم اعرف سوى دمشق وبعض ضواحيها، ثمّ اللاذقيّة وتدمر وحمص. أمّا بعدها فقد عرفت حلب والساحل السوري الخصب؛ حيث تربض قصّابين قرية أدونيس، ببيوتها الجميلة المتباعدة؛ فوق تلّ أخضر. بيوت تكاد لا تبِين، إلاّ من خَلَلِِ الأشجار الفارعة ودوالي العنب التي اُشتُهِر بها الساحل منذ أن عمّره الفينيقيّون في العصور الخوالي، وبسطوا سلطانهم على الشريط المحصور ما بين البحر الابيض المتوسّط في الغرب، وجبال لبنان والجليل في الشرق. وفيها كلّها ازدهرت مدن معروفة كان بعضها سرّة العالم في الأزمنة القديمة مثل عكّا وصيدا وبيروت وجبيل وأرواد وصور التي انطلق منها التجار الفينيقيّون في رحلاتهم البحريّة إلى جزر صخريّة ذات خلجان رمليّة؛ يسهل بلوغها من جهة البحر، ويستعصي من جهة البرّ. وفيها أقاموا محطاتهم ومستوطناتهم التجاريّة مثل كيتيون القريبة من لارنكا، وبانورموس (بالرمو) في صقليّة، وأوتيكا وقرطاج على سواحل الشمال الافريقي… ومن عجائب التاريخ ومفارقاته أن يحاول السوريّون اليوم هربا من الجحيم، العبور إلى هذا الغرب في قوارب الموت؛ وهم الذين فتحوا لنا حوالي 814 ق.م، ولأسلافنا من أمازيغ وغيرهم؛ أسفار التاريخ، وحملوا معالم الحضارة الشرقيّة المستمدّة من مصر والعراق والعالم القديم الذي كان يعيش على بحر إيجه.
للسّوريّين قدماءَ ومعاصرين، أفضال على ثقافة العرب. أمّا أعظمهم، وليس أقدمهم فهو أبوالعلاء المعرّي، وقد زرت بيته، بعد مشاركة في مهرجان المتنبّي في حلب. كانت دعوة من الأستاذ محمد قجّة رئيس جمعية العاديات ومكتشف موقع بيت المتنبي، في هذه المدينة حيث شاركت مع شعراء سوريين؛ في افتتاح مهرجان المتنبي في دورته الأولى. أمّا بيت أبي الطيّب، وقد حدّده لنا مكتشفه، بكثير من الدقّة، فيحتاج بناؤه ثانية لا إلى وقت ومال فحسب؛ وإنّما إلى إجراءات وتراتيب قانونيّة شتّى، فقد تحوّل قسم منه إلى مستودع، وقسم آخر إلى مدرسة هي المدرسة البهائيّة. ولا ننسى أنّ حلب تعرّضت منذ عصر المتنبّي إلى دمار وخراب هائلين، ولا تزال إلى اليوم. فقد خرّبها نقفور فوكاس البيزنطي عام 962م، ثمّ أعقبه هولاكو عام 1260م، فتيمور لنك عام 1400م. ثمّ أتى الزلزال عام 1822م على أهمّ معالمها. وكلّ هذا غيّر لاشكّ من عمارة حلب. ولا أدري ما فعلت هذه «الثورة الطحُون» بالمدرسة البهائيّة، وهي أصغر بكثير من بيت أبي الطيّب استئناسا بالمصادر التي تؤكّد أنّه اغتنى بمدائحه، وكان له حاشية وعبيد وخيول…
صبيحة اختتام المهرجان، قلت للصّديقين الشاعرين شاهرالخضرة [عالق الآن ـ بعد تجربة السجن ـ في مدينة مليلة المغربيّة «الاسبانيّة» وكان قد عمّرها الفينيقيّون في القرن 7 ق.م ، وعبد القادر الحصني لاجئ منذ اندلاع الثورة في بيروت] ونحن في الطريق إلى دمشق: «لا يعقل أن أقرأ البارحة في حلب قصديتي «معرّة النعمان «، ولا أعُوج على ضريح أبي العلاء!» وأضفت جادّا :»أنا الذي سيدلّكما عليه.» وإذ لاحظت استغرابهما؛ استظهرت فاتحة قصيدة سعدي يوسف: «بينَ منزلهِ في المعرّة والسوقِ دربٌ يظلّله شجرٌ متربٌ، وشناشيلُ بنيّة…» وفعلا عبرنا السوق المكتظّ ، وركنّا السيارة حيث كان يواجهنا مبنى المركز الثقافي «أبو العلاء المعرّي» القائم في وسط المدينة. دلفنا الى باحة مكشوفة هي أشبه ببئر ظلّ وهواء، يتصدّرها ضريح أبي العلاء. ضريح بسيط لا أثر فيه لأية زخرفة أو زينة، وكأنّه صورة من حياة صاحبه الذي كان بسيطا في كلّ شيء؛ في ملبسه ومأكله، ولكن ليس في رؤيته الشعرية الفريدة ونظرته العميقة الي الدنيا، واحتماله قسوة العلم وجفاءه، وصبره العجيب على مرارة تجربة الكتابة املاء في شتّى حقول المعرفة في عصره، من شعر وأدب ولغة وفقه وحديث ومذاهب. حتى أنّي لأعجب كلّما عدت الى قراءة أبي العلاء كيف استطاع وهو الذي فقد بصره في الرابعة، أن يملي كل هذه المؤلفات التي ناهزت السبعين. وقد ضاع أكثرها وربما لا يزال بعضها محفوظا في خزائن الكتب، ولكن ما بقي منها يدلّ دونما لبس على شدّة ذكائه وقوة حافظته؛ وهو الذي لم يكن يندّ عنه شيء من لغة العرب وأدبهم. وربّما لا غرابة في ذلك من هذا الشاعر العالم الذي قال عن نفسه: «ما سمعت شيئا إلا حفظته وما حفظت شيئا فنسيته.» في الحائط المقابل للضريح كُتب البيت الشهير الذي أوصى أبو العلاء بكتابته قبيل وفاته: «هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحدْ!» ولا أجمل من هذه الجناية التي كانت يدا بيضاء على العربيّة. فماذا كان يمكن أن يكون أدبنا القديم لو خلا من أبي العلاء وآثاره؟! وكُتب بيت آخر معروف؛ يدلّ على أنّ حبّ أبي العلاء للعزلة لم يكن يعادله سوى حبّه للناس:
فلا هطلتْ عليّ ولا بأرضِي سحائبُ ليس تنتظمُ البلادَا
وهو «ضديدُ» ساخر من بيت السوري الآخر ابن حلب أبي فراس الحمداني:
معلّلتي بالوصلِ والموتُ دونهُ إذا متُّ ظمآنًا فلا نزل القطْرُ
بيتان يطلاّن برأسيْن اثنيْن: أعمى يرى الناس، ويحبّهم، وأخو بصَر لا يرى سوى نفسه. لذلك أحببتُ أن يظلّ الصحن الذين يتصدّره ضريح أبي العلاء وشجرتا سرو فارعتان؛ مكشوفا للشمس والهواء والمطر. فليس أبو العلاء من ذلك الصنف من البشر الفانين الذين تنقطع حياتهم لحظة يموتون ويوارون الثّرى. ويُحيطُ بالضريح إيوان بجانبيه مدخلان وفضاء لاقامة المكتبة العلائية؛ وقد خُصّص قسم منها لآثار أبي العلاء وبعض ما كتب عنه. كان طه حسين هو الذي وضع اللبنة الأولى في هذه المكتبة عندما كان وزيرا للمعارف في مستهلّ الخمسينات من القرن الماضي.
لا أدري ما فعل «الدواعش» سُرّاق الثورة السوريّة، ببيت أبي العلاء؛ وهم الذين قطعوا رأسه. ذلك البيت بطرازه العربي الجميل في بساطته، كان ذات يوم محجّة لطلاّب العلم «وما علمتُ أنّ وزيرا مذكورا وفاضلا مشهورا مرّ بمعرّة النعمان، في ذلك العصر؛ إلاّ وقصَدهُ، واستفادَ منه.» (ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب). ومع أنّي لست هذا ولا ذاك، فقد كانت زيارة بيت أبي العلاء؛ ذكرى عزيزة عليّ، تثوي مثل أخواتها في مكان ما من الذاكرة ـ المخيّلة؛ تلك التي نفزع إليها كلّما رَابنا من حدثان الدهر ريْب، وعرض لنا ما يعرض للناس من نوبات الحزن والضعف.

٭ ناقد تونسي

منصف الوهايبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية