تحتفل المملكة الأردنية الهاشمية اليوم الخامس والعشرين من الشهر بذكرى الاستقلال، وفي هذه المناسبة المجيدة نستذكر بطولات وتضحيات الأجداد والأبناء في سبيل هذا الوطن الذي خطا بخطوات واثقة وحثيثة نحوبناء الإنسان الأردني ورفاهيته وتقدمه ونحوبناء أردن ينعم بالازدهار والمنعة والاستقرار والطمأنينة واقامة مجتمع العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص عملا برسالة الإسلام السمحة وبمبادىء ورسالة الثورة العربية الكبرى.
على الصعيد العربي كان للسياسة الحكيمة والرائدة للملك عبد الله الثاني دورا في السعي الدؤوب لتحقيق السلام والأمن والاستقرار العالمي وإقامة علاقات طيبة مع الدول العربية والأجنبية. لفلسطين مكانة خاصة في قلوب الهاشميين منذ الملك عبد الله الأول المؤسس والملك حسين طيب الله ثراهم حتى الملك عبد الله الثاني وليس أدل على ذلك من خطاب الملك في قسم الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة لوفان البلجيكية الذي أعاد فيه تسليط الأضواء على ضرورة انهاء الاحتلال الإسرائيلي الشموس للأراضي الفلسطينية وعلى ضرورة انهاء معاناة الشعب الفلسطيني وانتهاكات إسرائيل الدائمة للأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة وتغييرها للهوية العربية التاريخية للقدس الشريف، إجراءات كفيلة بتأجيج مشاعر المؤمنين في العالم واعطاء الإرهابيين ذريعة لتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني قد يشعل فتيل أزمات سياسية وأمنية وانسانية لا يحمد عقباها.
ينفرد الأردن والملك بتسليط الأضواء في أي مناسبة دولية على ضرورة إعطاء الفلسطينيين الحق باقامة دولتهم الحرة المستقلة على كافة التراب الفلسطيني المحرر لسحب البساط من تحت أقدام الإرهابيين الذين طالما اتخذوا القضية الفلسطينية ستارا لتنفيذ عمليات اجرامية تستهدف الأبرياء المسلمين وتستبيح حرماتهم ومقدساتهم وأعراضهم وتسبي نساءهم وتستهدف النيل من تراثهم ومواردهم قبل الآخرين.
الحديث عن كونفدرالية بين الأردن وفلسطين برأيي هوتنفيذ لخطة إسرائيلية لتحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين وتصفية قضيتهم. الحديث عن مجلس نواب مشترك وحكومة مناصفة كون الشعبين التوأمين في خندق واحد هوبدعة بعينها ففلسطين هي فلسطين لن تقبل بأي شريك أيا كان عدا عن أن الضفة الغربية وقطاع غزة يقبعان تحت حصار واحتلال إسرائيلي ولا توجد سلطة للسلطة الوطنية الفلسطينية حتى على مناطق تحت سيطرتها عدا عن ممارسات إسرائيل من الإعدامات الميدانية وهدم المنازل والاعتقالات العشوائية والإقتحامات المتكررة للمستوطنين المتشددين اليهود الشبه يومية لباحات الحرم القدسي الشريف ولمسجد الأقصى المبارك. هل يريدون تحويل احتلال إسرائيل ليصبح مسؤولية أردنية وهل يريدون نقل الخلافات بين الفصائل الفلسطينية المتناحرة لتصبح مشكلة أردنية.
الانقسام الفلسطيني الفلسطيني مستمر والمجلس التشريعي لم يمارس مسؤولياته ولم ينعقد منذ زمن ولحد الآن فشلت مصر وقطر والسعودية في رأب الصدع الفلسطيني وبات الحديث عن جولات مفاوضات بين حماس وفتح في سويسرا فلماذا افتعال الفتن والحديث عن مشروع إسرائيلي بحت لابتلاع الأردن وتوريطه في خلافات عقيمة وهوالواحة الوحيدة للأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية ومفاهيم التعايش في المنطقة العربية.
على الصعيد الإسلامي الملك أول من حذر من أن هذه الحرب هي حرب على المسلمين الاضطلاع بها لكونها داخل الإسلام ولحماية الدين الإسلامي الحنيف من الجرائم التي ترتكب باسمه.
على المجتمع الغربي أن يعلم بأن الإسلام براء من جرائم الخوارج وعلى المجتمع الغربي أن يتفهم بأن دولتهم ليست إسلامية فكما أعاد الملك للأذهان بأن الإسلام حرم قتل النساء والأطفال والكهول وهدم الكنائس وقطع الأشجار قبل ألف سنة من معاهدات جنيف التي حددت معاملة المدنيين والأسرى بالحرب. هذه مبادىء الإسلام وهذه رسالة الثورة العربية الكبرى وهذه هي التعاليم النبيلة التي حملها الأردن عندما فتح أبوابه لملايين السوريين والعراقيين والفلسطينيين واليمنيين والشيشان والليبيين في دعوة صريحة لحفظ الكرامة الإنسانية وتعزيز مفهوم التعايش والمشاركة في بناء مجتمع قويم.
على الرغم من أن فتح الباب على مصراعيه كفيل بخلق مشاكل صحية واجتماعية وسياسية مع انعدام أي أفق لحل سياسي للأزمة السورية وغيرها وتزايد حديث دولي عن توطين اللاجئين أينما حلوا تمهيدا لطمس قضية اللاجئين الفلسطينيين.
أكثر من مليون لاجىء عراقي وأكثر من مليون لاجىء سوري ووجودهم أصبح أمرا واقعا: هل يوجد لهم تمثيل بالبرلمان الأردني ومؤسسات المجتمع المدني وهناك سوري بين كل خمسة أردنيين وهم يشكلون الآن نسبة عشرين بالمئة من الشعب الأردني ومخيم الزعتري خامس أكبر مدينة بالأردن.
هل الأردن يضمن عدم وجود خلايا إرهابية نائمة بين اللاجئين وداخل القرى والمدن الأردنية؟ من يقف وراء تهريب المخدرات للأردن بالتحديد؟ هل الأردن يضمن عدم بيع أطفال قاصرين كما حصل ويحصل في دول أوروبية عديدة؟ هل يملك الأردن موارد عسكرية وأمنية وصحية واجتماعية لتغطية أماكن اللاجئين مع العلم أن تسعين في المائة منهم يعيش خارج مخيمات اللجوء؟ في أوساط السوريين ينظر للأمر لى أن الأردن يسترزق على اللاجئين ولا ينظر للأمر كموضوع انساني وإسلامي كاغاثة الأنصار للمهاجرين.
أخيرا أوروبا تعيش مشكلة عدم إندماج الأقليات العرقية والدينية وهذا الأمر لا يمحيه انتصار صادق خان في انتخابات عمدة لندن وغيره فالشمس لا تغطى بغربال. هذا الأمر ومخاطر التوتر بين المسلمين وغيرهم هام فالصراع ضد الإرهاب يحتاج لشراكة دولية يكون المسلمون في طليعتها والأمر الهام الذي انفرد به الملك كان التركيز على دول البلقان كألبانيا وكوسفووالبوسنة فهذه الدول ذات الأغلبية المسلمة هي خط أوروبا الأول ضد التطرف والإرهاب واندماجهم في المجتمعات الغربية هوخير دليل على قيم أوروبا بالتعايش السلمي والعدالة الاجتماعية والاندماج وتحقيق الرخاء والمساواة والتسامح. تقرير النيويورك تايمز يؤكد ازدياد التطرف في كوسوفووازدياد أعداد المقاتلين في صفوف تنظيم الدولة من كوسوفوحتى بين النساء والأطفال (أعلى نسبة بأوروبا مقارنة بعدد السكان). هنيئا بهذه القيادة الهاشمية الحكيمة بعيدة النظر التي جنبت الأردن مخاطر الإنزلاق في مغامرات عقيمة مجهولة النتائج وعملت جاهدة من أجل تحقيق مبادىء التعايش والأمن والاستقرار السلمي، مبادىء الثورة العربية الكبرى.
الدكتور منجد فريد القطب