تحتفل الجزائر اليوم ـ 5 تموز/يوليو ـ بالذكرى السنوية الرابعة والخمسين لاستقلالها عن فرنسا بعد قرن وثلث قرن من استعمار مشين وعنيف.
مرور السنين وتشابهها، وروتينية الاحتفالات وفراغها، بالإضافة إلى معطيات وظروف موضوعية أخرى، عوامل جعلت الذكرى مجرد رقم يضاف إلى قائمة من السنين الضائعة.
باستثناء فئة قليلة ممن عاشوا الفترة الاستعمارية وكابدوا ويلاتها ومحنها، لا يبدو أن ذكرى الاستقلال، مثل الذكريات الأخرى المرتبطة بالعهد الاستعماري، ما زالت تعني الكثير لقطاعات واسعة من الجزائريين.
بالنسبة لعامة الناس، 5 تموز (يوليو) هو يوم عطلة رسمية بقرار حكومي. وبالنسبة للحكومة والجهات الرسمية، هو مناسبة (أخرى) لاجترار كلام مكرر لم يتغير منذ عقود، ولم يعد يقنع أحداً.
لماذا وصلت الجزائر إلى هذه العلاقة غير الصحية مع ماضيها؟ ولماذا لم يعد تاريخ الجزائريين يعني الشيء الكثير لأبنائهم وأحفادعهم؟
يجب القول إن الجزائريين في العموم، غير متصالحين مع تاريخهم، بعيده وقريبه. لكن الأخير أكثر تعقيداً وإثارة للمخاطر لأن بعضا من صانعيه، بأمجاده وعيوبه، ما زالوا على قيد الحياة، ولأنه يرتبط بحاضر تتداخل فيه المصالح والحسابات داخليا وخارجيا.
طيلة أكثر من نصف قرن من الاستقلال، لم تمتلك الجزائر الجرأة لمواجهة تاريخها، لأنه معقد وملغوم ومخيف. قد تكون محقة في ذلك، فما الداعي لفتح صفحة من الماضي إذا كانت ستحرق الحاضر؟ لكن في المقابل، هل ثمن الإبقاء على صفحات التاريخ مغلقة أفضل وأرحم من فتحها؟
ذلكم أحد الأسئلة العالقة التي ما فتئت الجزائر تتهرب منها. وقد ترتب عن هذا الهروب إلى الأمام واقع لا يشرّف الجزائر وتاريخها الذي لقّنونا في المدارس انه كان مضرب أمثال إقليميا وعالميا.
فشلُ الذين استلموا مصير الجزائر غداة استقلالها في وضع منظومة حكم صلبة وناجحة، والإخفاقات المتكررة على يد الحكومات المتعاقبة هي التي جعلت علاقة الجزائريين مع تاريخهم غير صحية. بل هناك ما هو اخطر ويتمثل في حنين بعض الجزائريين (لا أحد يملك إحصائية عن عددهم وتوزعهم) إلى ماضي استعماري لم يعرفوه مباشرة.
بفضل هذا الفشل، يكاد المرء يجزم بأن الجزائر لا تزال مستعمَرة فرنسية، لكن بكلفة أقل لفرنسا من الاستعمار المباشر. والحال هذه، هل القول إن هناك جزائريين يحنون إلى العهد الاستعماري مبالغة لغوية؟
لنتأمل: الوجهة الأولى للجزائريين اليوم هي فرنسا. طوابير الجزائريين أمام القنصليات الفرنسية بالمدن الجزائرية الكبرى مذهلة ولا تصدق. فرنسا هي الشريك التجاري الأول للجزائر على الرغم من منافسة الصين. الشركات الفرنسية هي صاحبة الأفضلية في الفوز بالصفقات التجارية والاقتصادية بالجزائر. قطاعات الخدمات الأكثر أهمية في الجزائر (مطارات، نقل، مياه، مترو) تديرها شركات فرنسية. الأفضلية في مبيعات السيارات بالجزائر تمنحها الحكومة عمداً للشركات الفرنسية.
اللغة الفرنسية حاضرة بقوة في الدوائر الرسمية الجزائرية، وأول حماتها ومروجيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. المسؤولون الذين توافرت لديهم ثروة يفضلون إيداعها في فرنسا لأنها أكثر أمنا من دول أخرى، بل ومن الجزائر ذاتها، في نظرهم. الذين يحرصون على مستقبل علمي مشرق لأولادهم وبناتهم يفكرون لهم في فرنسا. المدرسة الثانوية الفرنسية في الجزائر تلقى إقبالا منقطع النظير من عائلات محسوبة على صفوة المجتمع الجزائري. المركز الثقافي الفرنسي في قلب الجزائر العاصمة يحظى بامتيازات معينة تجعل منه خلية نحل لا تهدأ ويضيق بالمرتادين من شبان وشابات الجزائر الذين ما زالوا يؤمنون بأن اللغة والثقافة الفرنسيتين هما مفتاح المستقبل. الفاتورة الطبية الأغلى التي تدفعها الخزانة الجزائرية للخارج تذهب إلى فرنسا (حتى أن مستشفيات فرنسية أنذرت الحكومة الجزائرية العام الماضي بتراكم فواتير هائلة متأخرة). مئات آلاف الجزائريين تقدموا بطلبات الحصول على الجنسية الفرنسية، أو يبحثون عن سبيل لطلبها.
وهناك أخطر من كل هذا: فرنسا على اطلاع على الأسرار الصحية للرئيس الجزائري. يعني أنها أفضل اطلاعا على حاله من مسؤولين في الدولة الجزائرية (ولا أقول عامة الجزائريين لأن هؤلاء لا محل لهم من الإعراب!). وهي على اطلاع دائم وقريب بما يدور في فلك السلطة الجزائرية واتجاه الريح داخلها، اكثر من أي حكومة أجنبية.
في المقابل لا تلقى الجزائر من المسؤولين الفرنسيين المعاملة التي تأملها لقاء ما تمنحهم وبلادهم من امتيازات. بل تصارع فرنسا بسياسييها وأوساطها الثقافية والإعلامية لإيجاد نظرة متجانسة وهادئة نحو الجزائر، على غرار النظرة للمغرب وتونس. الجزائر لا تملك حليفا سياسيا معروفا في صالونات السياسة وصناعة القرار بباريس. في افضل الأحوال هي صديقة الرئيس الذي يكون في قصر الرئاسة بالإليزي، بغض النظر عن لونه السياسي، لأنه يجسد مصالح بلاده ويسعى إليها ولو في الجزائر، ثم لا مانع من أن يناصبها العداء بمجرد أن يغادر الرئاسة (نيكولا ساركوزي مثال صارخ).
أما المخيف أكثر هو أن الجزائر غير جاهزة لتغيير هذا الواقع: هي تجمع بين أنها لا تريد ولا تستطيع. والتركة تثقل يوما بعد يوما منذ تولى الرئيس بوتفليقة الحكم، حتى إذا غادره يوما يترك خليفته في ما يشبه الورطة.
هي أزمة مجتمع وأزمة حكم على حد سواء. إنها أم المصائب.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي