في ذكرى الانتفاضة الثالثة

«لو كنت قائداً عربياً، لما تصالحت قط مع إسرائيل، إنه لأمر طبيعي. لقد أخذنا وطنهم.. نحن نأتي من إسرائيل. ولكن منذ ألفي سنة. وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إليهم؟ كانت ثمة معاداة للسامية. نازيون.. أوشفيتز. ولكن هل كان ذلك ذنبهم؟ لا يرون سوى شيء واحد: جئنا إلى هنا وسطونا على بلدهم. ما الذي يجعلهم يقبلون بذلك؟».
بهذه الكلمات خاطب بن غوريون رفيقه ناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي. الأخير وثّق لذلك بدوره في كتابه الشهير عن «المفارقة اليهودية». الطريف في القصة هو أن ناحوم غولدمان نفسه الذي تر أس لفترة المنظمة الصهيونية العالمية وكانت له إسهامات واضحة في ترسيخ الاحتلال الصهيوني وتثبيت الكيان كعضو جديد في الأسرة الدولية، الطريف هو أن ذلك الرجل يعترف في مذكراته بأنه من الصعب بعد كل الإجراءات التي ارتكبها الصهاينة على الأرض أن يتم الترويج لاسرائيل كدولة سلام.
هذا على الجانب الصهيوني، أما على الجانب العربي فقد مرت القضية الفلسطينية، خلال تاريخها الطويل، بعدد من المراحل التي أدت إلى ما نعيشه اليوم من واقع أليم، لكن غير منفصل عن السياق الإقليمي. أهم هذه المراحل التي شكّلت بالفعل تطوراً مهماً على طريق التعامل مع الحقوق الفلسطينية، كان موافقة الجانب العربي على الاعتراف بالوجود الاسرائيلي على ما يعرف بحدود 1967، وقد أدى ذلك إلى تغير درامي في الخطاب وتحول المطالبة بتحرير كل الأراضي الفلسطينية إلى قصر الحديث على حدود 67، التي أفرزتها الهزيمة الشهيرة، بعض الداعين لهذا البعد الجديد للمسألة الفلسطينية كان هدفهم هو إنهاء هذا الصراع الذي بدا بلا نهاية، في ظل العجز العربي والتواطؤ الدولي، وكأن لسان حالهم كان يقول إن شيئاً خير من لا شيء.
على عكس المتوقع لم يتقبل الجانب الآخر هذا التحول الجديد بترحيب، رغم أنه لم يكن يتوقع، مع بداية فرض سيطرته على الأرض والإنسان قبل أقل من قرن من الزمان، أن يأتي يوم تصبح فيه حتى الحركات القومية المتشددة، بل حتى الحركات الإسلامية نفسها متقبلة لفكرة منح الأرض لغير أصحابها. موقف الحركة الصهيونية المتشدد والرافض كان مبنياً على أن اليهود باتوا أصحاب سطوة وقوة، وأنه ما عاد شيء يجبرهم على التنازل للعرب عن أي شبر، ورغم أن الإعلانات الرسمية من تل أبيب كانت تبدو مستعدة للتفاهم والتفاوض حول هذا الحل الجديد، إلا أن الواقع كان عمليات ممنهجة للتمدد والتهويد، نتج عنها اتساع مساحة الأراضي المستولى عليها خارج حدود 67 نفسها. استخدمت سلطات الاحتلال تبعاً لذلك عدة طرق لممارسة ذلك التغول غير القانوني، حتى بمنطق الغرب نفسه، فبادرت إلى بناء المئات من الوحدات السكنية الجديدة والمغتصبة، كما عمد بذريعة ضمان الأمن إلى بناء حاجز فاصل شكّل بشكل ما حدوداً جديدة للكيان.
ورغم الأهمية الدينية والثقافية لفلسطين، إلا أن النضال من أجل تحريرها كان في أغلب حالاته عملاً خاصاً بأهل فلسطين، رغم كثرة الأدبيات التي تتحدث عن أن فلسطين والقدس الشريف هما «القضية المركزية» للعرب والمسلمين. ورغم دخول هذه القضية خلال السنوات الأخيرة إلى منعطفات خطيرة كمحاولات هدم الأقصى وتهجير المقدسيين، إلا أن العالمين العربي والإسلامي كانا يقابلان كل ذلك ببرود. بدا ذلك النضال يتيماً، وتراجع الاهتمام بما يحدث داخل الأراضي الفلسطينية، ما وفر هدية قيمة للجانب الصهيوني الذي تمادى في تجرئه على المقدسات، وفي استهانته بحقوق الإنسان. لعل أهم أسباب ذلك التراجع الأخير كان الأوضاع في المنطقة بداية بالربيع ثم الخريف العربي.
لقد طغت هذه الأحداث، خاصة ما تعلق منها بسوريا والعراق واليمن وليبيا، وما ارتبط بها من حروب جديدة واصطفاف ضد «الإرهاب»، على غيرها من التطورات التي كانت تجري في الداخل الفلسطيني، بما فيها الانتفاضة الأخيرة التي تجلّت فيها أكبر حالات اليتم والخذلان، وهو خذلان وصل حد الاستخفاف بها والتواصي بعدم الاعتراف بها كانتفاضة ثالثة.
في عموم فلسطين وبدون أي منطلق حزبي أو رعاية فصائلية واضحة، انطلقت في مثل هذا التوقيت تقريباً من عام 2015 حركة رفض واحتجاج كبيرة، قادها شباب فلسطينيون إثر محاولات صهيونية استفزازية للاعتداء على المسجد الأقصى. تلك المحاولات، وإن كانت السبب المباشر الذي حرّك الشباب الغاضب، إلا أنه كان من الواضح أن ثمة أسباباً أخرى لذلك الحراك، أهمها اليأس من المنعطف البائس الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية. فبعد عقود من النضال السلمي الذي ترعاه بشكل تام السلطة الفلسطينية، بعد اتفاق أوسلو، اتضح لهؤلاء الشباب أن مسار التفاوض لم يعمل إلا على تقوية الجانب الصهيوني على حساب أصحاب الأرض. أصبح الكيان دولة يعترف بها الجزء الأكبر من السياسيين الفلسطينيين، في حين انعكس الأمر وتحول الحلم الفلسطيني إلى مجرد كيان في ضيافة الاحتلال، الذي يتحكم بغذائه وسلاحه وممراته الخارجية. أصبحت الرواية الصهيونية التي تعتبر أن الأرض يهودية بالأساس، والتي تصف العمليات الإرهابية التي جرت القرن الماضي ضد البريطانيين والفلسطينيين على السواء، بأنها كانت «حرباً من أجل الاستقلال»، والتي تلغي الوجود الأصيل للفلسطينيين، أصبحت هي الرواية المعتمدة والموجودة في الكثير من كتب التاريخ والجغرافيا، بل إن العالم لم يعد يخجل من تحول أفراد في تلك العصابات الإجرامية إلى قادة لما سيسمى بدولة اسرائيل لاحقاً.
كانت هناك خطوة واحدة تفصلنا عن تبني العالم بشكل رسمي للمقولة التي رددتها غولدا مائير وغيرها من الصهاينة، والتي تلخص ببراعة جوهر الصراع: لا يوجد شيء اسمه فلسطيني. كانت هذه الانتفاضة مهمة، رغم سخرية البعض منها ومن اعتمادها على سلاح بسيط وهو سكين المطبخ، لكن هذه السكين البسيطة كانت كافية للتذكير بالحق الفلسطيني الذي ظن كثيرون أنه في طريقه للنسيان، وأن الأمور ستبقى على ما هي عليه حتى تيأس البقية الباقية من المقاومين، أو حتى يتم تذويب أو تهجير بقية الفلسطينيين بالتزامن مع عمليات التهويد والاستيطان ومحاولات تزوير التاريخ.
أعادت الانتفاضة الجديدة التي لم تجد سلاحاً تعتمد عليه سوى الحجر والسكين، التذكير بأن المسلمين لم ينسوا القدس ولم يتخلوا عن أرض المسرى، كما ذكّرت بأن الصوت الحقيقي هو صوت الشعب لا صوت سلطته وسياسييه الذين هم مستمرون في درب «التفاوض الحضاري» رغم أنه قادهم ويقودهم بنجاح إلى اللامكان. مر عامان حتى الآن على تلك الأحداث وقد سرت مياه كثيرة منذ ذلك الحين تحت الجسر. مياه لم تكتف بخنق تلك الانتفاضة المكتومة، بل بدأت تسعى بإصرار لوأد القضية الفلسطينية نفسها.
كاتب سوداني

في ذكرى الانتفاضة الثالثة

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية