قليلون هم الكُتَّاب الذين يملكون قدرة خارقة على جذب اهتمام شرائح واسعة في المجتمع، والتأثير في أفراده صغارا وكبارا معا، بما يمليه العقل، ويجود به الخيال. من هؤلاء الكاتبة الأمريكية سوزان كولنز (مواليد 10 أغسطس/آب 1962).. كاتبة لمع نجمها في سماء الولايات المتحدة والعالم بمؤلفات رائدة مثل «سلسلة مباريات الجوع»، وأقوال خالدة على منوال «ليتني أستطيع أن أجمِّد هذه اللحظة، في هذا المكان بالذات، وفي هذا الزمان بالذات، وأعيش فيها للأبد». ومع أنها نالت شهرة عالية، وحققت بمؤلفاتها المثيرة مبيعات قياسية، ما زالت هذه المرأة المؤثرة، اليوم وفي ذكرى ميلادها الـ56، مجهولة إلى حد بعيد في وطننا العربي.
روايات حربية موجَّهة إلى الصغار
ما يلفت الاهتمام في أدب سوزان كولنز هو غلبة طابع الحرب والعنف على أعمالها، وإن كانت موجَّهة أساسا إلى الصغار. نشعر ونحن نتفحص أعمالها أنّ الحرب هي موضوعها المفضل، وشغلها الشاغل، فأدبها بشكل عام لا يرتكز على موضوع الطفل ورغباته وانشغالاته وهمومه، وإنما ينصب في مجرى الحرب وأهوالها وآثارها، وهو ما أكدته سوزان كوينز: «أنا لا أكتب عن المراهقين وإنما أكتب عن الحرب للمراهقين».
تأثُّرها بوالدها وبحرب فيتنام
وهذا الاهتمام بالحرب والعنف، الذي تطفح به أعمالها، ليس وليد الصدفة على الإطلاق، فهذه النزعة تعود أساساً إلى ظروف نشأتها وتأثُّرها بوالدها مايكل جون كولنز (1931-2003) الذي كان يدرِّس التاريخ في الكلية. وكان من قبل ضابطا في القوات الجوية الأمريكية، حيث شارك في الحرب الكورية (1950- 1953) والحرب الفيتنامية (1955- 1975)، وكان متفتحا صريحا مع بناته في ما يخص أحداث الحرب وأهوالها.
كانت سوزان ـ وهي صبية – تتابع أخبار حرب فيتنام على شاشة التلفزيون، وهي تفكر في والدها المشارك فيها، والمحلِّق في أجوائها: «كانت تُبَثُّ نشرةُ أخبار الليل، فأشاهد لقطات من منطقة الحرب وأسمع كلمة فيتنام وأعلم أنّ والدي هناك. كانت تجربة مفزعة للغاية بالنسبة لي».
كان لما سمعته وشاهدته في حياتها عن هول الحرب عميق الأثر في صقل شخصيتها، وبلورة أفكارها، ورسم مسارها في دنيا الأدب. وهو أيضاً بلا ريب ما جعلها تنزع إلى الدراسات الدرامية حيث حصلت على درجة الماجستير في الكتابة الدرامية من جامعة نيويورك.
بدأت سوزان كولنز حياتها المهنية عام 1991 ككاتبة برامج أطفال تلفزيونية. التقت لاحقا جيمس برويمس، كاتب أمريكي صاحب العديد من مؤلفات الأطفال، من أعماله الأدبية الشهيرة «12 شيئاً يجب القيام بها قبل التحطم والاحتراق». وقد اســــتخدم سوزان كولنز للإدارة وأعجب بكتاباتها واستفاد من تجربتها وخبرتها. وكان له بالغ الأثر فيها وفي نجاحها الأدبي، إذ يعود إليه الفضل في ولوجها إلى عالم الرواية. فهو مَن حثها على محاولة تأليف كتب.
ثلاثية مباريات الجوع
مضت في طريق الكتابة وهي لا تدري ما ينتظرها في منعطف الطريق من نجاح باهر. فأصدرت «مباريات الجوع» (بالإنكليزية: The Hunger Games) وهي سلسلة مؤَلفة من ثلاث روايات خيال:
«مباريات الجوع» (2008) وتُرجمت إلى اللغة العربية عام 2010. تدور أحداث القصة في المستقبل في أمريكا الشمالية وفيها يتم اختيار أولاد وبنات للمشاركة في مسابقة تدعى «مباريات الجوع»، تُبَثّ على شاشات التلفزيون في كل أنحاء الوطن. فيشاهدهم كل مواطن وهم يتقاتلون حتى الموت. ولن يبقى على قيد الحياة ويفوز بالمباراة في آخر المعركة إلاَّ شخص واحد.
«ألسنة اللهب» (2009) «الطائر المقلد» (2010). وقد لقيت ثلاثية مباريات الجوع نجاحا عظيماً حيث أعلنت دار النشر عن بيع نحو 26 مليون نسخة. وفي 2012، فازت الروايات بالمركز الثاني بعد سلسلة هاري بوتر الشهيرة في اقتراع ضم مئة قصة. وفي أغسطس/آب 2012، أحدثت هذه الروايات المفاجأة بتفوقها على أعمال هاري بوتر في أسواق أمازون. وفي عام 2014، حطمت هذه الروايات رقما قياسيا، حيث تجاوزت مبيعاتها سقف 65 مليون نسخة في الولايات المتحدة وحدها!
نجاح الروايات في المكتبات والأسواق الإلكترونية كان مرفقا بنجاح سينمائي للفيلم المقتبس من الروايات في دور العرض في أنحاء العالم. ففي عام 2012، قامت شركة Lions Gate Entertainment بإنتاج فيلم «مباريات الجوع» بطولة الممثلة الأمريكية جينيفر لورنس، فجذب الفيلم كل الأنظار محققا أرباحاً خيالية تجاوزت 531 مليون دولار في العالم خلال الـ4 أسابيع الأولى من إطلاقه!
كان لانفتاح السيد كولنز، ضابط القوات الجوية، مع أولاده الأربعة ومصارحتهم بأحداث الحرب التي شارك فيها، بالغ الأثر في أدب سوزان مثلما شاهدنا. لكنّ هذا التأثير لم يتوقف عند ذلك، بل تعداه ليصل إلى حدّ قيام سوزان بتوجيه دعوة إلى فتح نقاش مع الأطفال والتحدث معهم عن الحرب بغير عقدة، اعتمادا على تجربتها الناجحة. قالت عن ذلك: «أنا أشعر بأنّ الموضوع لم يُناقش. ليس على النحو اللازم. أعتقد أنّ ذلك يعود إلى عدم ارتياح الناس لمثل هذه المواضيع. لا يسرّهم الخوض فيها. وإني أدرك من خلال تجربتي أننا نستطيع فهم الأمور ومعالجتها في سن مبكرة».
عمران روائي خاص
ولم تنفرد هذه المرأة المؤثّرة بأفكارها المثيرة ودعوتها الجريئة إلى إشراك الأطفال في مناقشة مواضيع الحرب وحسب، بل أيضاً بأسلوبها المميز وعمرانها الروائي الخاص. فسلسلة «مباريات الجوع» تتكون من ثلاثة فصول. ويحتوي كل فصل على تسعة أجزاء. وقد دافعت سوزان كولنز عن هذا الهيكل مؤكدة أنها راضية، وأنه في الواقع يرجع إلى خلفيتها المسرحية، حيث اعتادت الاعتماد على ثلاثة فصول.
حتى سلسلتها السابقة بعنوان «سجلات العالم السفلي» ظهرت في الهيكل نفسه.
المرأة المتواضعة المؤثرة
المثير للانتباه في شخصية هذه الكاتبة أيضا هو أنه رغم ما حققته من مبيعات وشهرة عالمية، احتفظت بشخصيتها البسيطة المتواضعة، متجنّبة بقدر المستطاع اللقاءات الصحافية وعدسات الكاميرا والضجة الإعلامية. كانت لها مبادئ خاصة ونظرة مميزة إلى الإشهار. كانت تؤمن بأنّ المؤلفات هي التي تستحق اهتمام الجماهير وليس الشخص المؤلِّف. وهي من قالت في هذا السياق: «أطلقنا الحملة على أساس الكُتُب بدلا من الكاتِب. فكانت الإثارة شديدة في المملكة المتحدة». ومن نتائج الابتعاد عن الأنظار، تعرضها لملاحقة الإعلام للحصول على لقاءات معها. ورغم هذا التواضع وتحاشي الأنظار، ارتقى اسمها إلى قائمة الـ100 شخصية الأكثر تأثيرا في العالم سنة 2010.
مزية أخرى انفردت بها سوزان كولنز ونخبة قليلة بل نادرة من الأدباء في أمريكا، هي قدرتها المذهلة على جذب الصغار والكبار معا. فقد أقبل الكبار على قراءة رواياتها الموجهة أساسا إلى الصغار بشغف، ما جعل المؤسسة الإعلامية (بلومبرغ) تقول عنها: «لقد التحقت كولنز بـ (ج. ك. رولينج) و(ستيفاني ماير) كمؤلِّفة كتب أطفــال يشغفُ الكبارُ بقراءتها». ليس من شك في أنّ دعوة سوزان كولنز إلى الانفتاح على الأطفال وإشراكهم في الحديث عن الحرب جديرة بالتأمل في وطننا العربي.
لأننا، مثلما ذكرت سوزان، قادرون على فهم الأمور ومعالجتها في سن مبكرة». وذلك أشبه بمعالجة الأمراض في أوقات مبكرة قبل تطورها، فالطفل الذي يصادف أحداث حربٍ وعنفٍ اطلع عليها من خلال حديثه مع والديه، أكثر قابلية للتعامل معها وتجاوز آثارها من ذلك الطفل الذي منعته العُقد والحواجز والمسافات المبسوطة بينه وبين والديه من فهمها.
نظرة سوزان كولنز إلى الشهرة أيضاً جديرة بالتأمل. فالأعمال الأدبية أولى باهتمام الجماهير من أصحابها. ففي مجتمعاتنا العربية، المعروفة بعزوفها عن القراءة، ما أكثر ما نشاهد اهتمام الجماهير بالكاتب بدلاً من الكتاب. في حين، أعمالُ سوزان هي التي أثارت اهتمام الجماهير حتى أثناء اختفاء الكاتبة عن الأنظار، بما تحمله من قيمة أدبية وعبرة وسعة خيال وإثارة. وإلى يومنا هذا، تبقى هذه المرأة المتواضعة المؤثّرة، الناجحة، الفريدة من نوعها، لغزا محيّرا.
٭ كاتب جزائري مقيم في بريطانيا
مولود بن زادي