دمشق ـ «القدس العربي» من إبراهيم الزيدي: محمد جاسم الحميدي مات. بهذه الجملة المختصرة تنتهي مسيرة نصف قرن من الكتابة، نصف قرن من عشرة الكلمات، نصف قرن من البحث في بطون الكتب.
أعرف أن الموت لا شريك له في المساواة، لذلك لا يجوز أن نسأل لماذا مات؟ السؤال الحقيقي هو: كيف مات؟ كنت أعتقد أنه سيموت بطلقة حبر، فمات بطلقة قهر، وبين الموتين ثمة موت لم تأت على ذكره وكالات الأنباء.. موت الأمل. نعم لقد مات الحميدي يأساً.
بدأ حياته صحافياً بشهادة جامعية، من كلية الآداب/ قسم اللغة العربية، في جامعة دمشق، ومات نازحاً بشهادة: لا إله إلا الله، في مدينة حماه، وبين هذين الحدثين عاش الحميدي حياة مغموسة بالشقاء. تلك الحياة التي بدأت بفاجعته بوالدته التي احترقت أمام عينيه، وهي تحاول إطفاء حريق شب في سيارة توقفت أمام بيتهم، وانتهت بسقوط الرقة من أحلامه، وما بينهما ثمة الكثير من الغصات، والمنغصات، ليس أهمها تلك الحادثة التي رأيتها بأم عيني في ثمانينيات القرن المنصرم، حيث عرض مكتبته للبيع على أحد أرصفة شارع القوتلي، ووقف يتأمل كتبه، وهي تغادره بين يدي المتسوقين.
لم يكن الحميدي ساحراً، رغم ذلك رأيته أكثر من مرة يخرج من طاقية الإخفاء، ويأخذ تارة دور الروائي في «شمس الدين»، وتارة دور القاص في «القاشور»، وثالثة دور المحقق الحصيف في «الجراثيم». رغم ذلك فقد خانته كل قبعات الإخفاء، ولم يستطع أن يموت في بيته. فما قيمة الحكاية الشعبية في «الرقة»، إذا فقدت راويها؟ وما قيمة الراوي إذا فقد «الرقة»، ولم يستطع حتى جثمانه أن يعود إليها.
كان مغرماً بكل ما يمت للمعرفة بصلة، تفرغ لجمع التراث الشعبي، من دون أن يفقد اهتمامه بالقصة والرواية والصحافة التي كانت شغله اليومي، فرصد الأخطاء الشائعة، والتطور اللغوي في كتاب، ورصد الحكاية الشعبية الفراتية في كتاب آخر، ووثق تاريخ الأغنية في وادي الفرات، بمخطوط حمل اسم «أوراق العشق الشعبي». وبقي حلمه بالماجستير الذي أعد له رسالة عن الخيول العربية، طي الشغاف، فقد انشغل عنه بعد أن شكل مع القاص يوسف دعيس ثنائياً، في بداية عام 2004، فأخذا على عاتقهما توثيق كل ما يمكن توثيقه في محافظة الرقة: تاريخها، حكاياتها، طبيعتها، عاداتها، أدبها، اقتصادها، آثارها، أنهارها، زراعتها، ماشيتها، لا بل حتى أسماك نهرها. استكمالا لما بدأ به الباحث الراحل عبد القادر عياش في تدوين التراث الشعبي لوادي الفرات.
كانت حياة الحميدي مثقلة بالمتون، وكانت المكاتب بالنسبة إليه، أمكنة للعمل، سواء مكتب الثورة، أو مكتب الفرات، فكلاهما كانا بالنسبة إليه مجرد طاولة للكتابة، فهو لم يستطع التعامل مع الكمبيوتر، إلا بالحدود الدنيا، وبقي ذلك القلم يزين جيب قميصه.
منذ مطلع عام 2004 استلم مكتب جريدة «الفرات» في الرقة، إضافة لعمله كمدير لمكتب جريدة الثورة، تلك الصحيفة الناطقة باسم المنطقة الشرقية/الرقة، الحسكة، دير الزور/ وقد كانت مقالاته مثار اهتمام القراء، فهو يكتب بلغة تأخذ المكان باعتبارها، تجد ذلك في مقالاته الصحافية وقصصه وروايته التي هي أهم مؤشر على ارتباطه الواقعي واللغوي في الرقة.
بواكير نتاجه القصصي المطبوع في كتاب، كانت مشاركته في مجموعة «الدم ليس أحمر» التي أشرف على تحريرها، وإصدارها إبراهيم الجرادي، ثم اشترك مع شقيقه أحمد في إصدار كتاب نقدي بعنوان: «بحث في تأصيل الخطاب الروائي العربي ـ الرواية ما فوق الواقع»، ثم أصدر أول عمل روائي: «شمس الدين». وهي مقدمة لمشروعه السردي، وقد استكملها في «ملحمة الثعالب» الذي اختفى مخطوطه في أروقة الهيئة العامة للكتاب.
أتبعها بمجموعة قصصية حملت اسم «القاشور»، ولم ينج من غرامه اللغوي فحقق كتاب عبد الله بن مسلم بن قتيبة «الجراثيم». قبل أن يأخذه الهوس في الحكاية الشعبية الفراتية، التي كرس لها جهدا طويلا، فكان نتاج ذلك الجهد الكتاب الذي حمل اسم «نحكي ألاّ نام» في مجلدين كبيرين.
تلك هي قصة الحب حين يكون على مدى القلب. ولأن الحب لا ينتظر انتهاء الحريق، فقد كتب الحميدي وصيته على الرماد، وغادر مأساتنا يوم الثلاثاء 26/7 /2016، تاركاً الشيب يملأ رؤوس الكتاب الشباب في جريدة «الفرات». موته الأول كان في الرقة، ليست الرقة الدافئة كحضن الأم، بل الرقة الباردة كقبر، الرقة المفخخة باللحى والفتاوى، انزوى في بيته لمدة سنتين، ثم حمل ما بقي لديه من أحلام، وغادرها إلى دمشق، لمتابعة إجراءات نهاية الخدمة «التقاعد» في صحيفة «الثورة»، وهناك فقد ذاكرته جزئياً، وضاع في شوارع العاصمة، وثمة من قال: إنه أصيب بالجنون، لقد خانه الموت الجميل في دمشق أيضاً، فانكسرت أحلامه، وصار يجوب الشوارع على غير هدى.. ففي دمشق ثمة أكثر من محطة يعبر منها بكاؤه: كلية الآداب، جريدة الثورة، مكتبة النوري، مكتب عنبر، وثمة الكثير من الأحياء التي لمت خطواته أيام الشباب.
كان يرتدي بدلته الفضية التي لا يملك سواها، وكان ثمة من يتكهن بخطورة أولئك الذين لا يملكون سوى بدلة واحدة؛ فاختطفوه لعدة أيام، وحين لم يجد الخاطفون في جيوب تلك البدلة ما يستحق العناء، رموه في أحد الأبنية المهجورة، ليعثر عليه السابلة مقيداً.. ومصابا بالكدمات، فأسعفوه بنقله إلى أحد مشافي دمشق. لبث هناك عدة أيام، ثم خرج من المشفى، ويمم شطر مدينة حماه ليكتشف كذبة الحياة بعيداً عن الفرات، فغادر الحياة تاركا خلفه زوجتين، وثلاثة أولاد، وثلاث بنات، وكومة من الأحلام التي أصبحت غير قابلة للتحقيق، وتحولت حياته إلى فراغ بين رقمين / 1954 – 2016
تلك هي حال البلاد حين تمتلئ بالناس، وتفرغ من الإنسانية، كنت أعتقد مثله تماماً أن: «مقبرة الرجل امرأة لا ترحم»، لم يكن الوطن يدخل في حساب المقابر آنذاك، منذ قليل مضت ستون سنة، وما زال الوطن في حساب المقابر، لقد أسرفنا في تأليف رواية حياتنا، فكتبنا حباً لم نعشه، ووطناً لم نحبه، فانسلّ خيطهما من نسيجنا السرديّ، وسقطنا في سيرة الحرب على عمق خمس سنوات عجاف.
نركض بين القذيفة والخبر العاجل، وما زالت «المذيعة بمكياجها الثقيل، وبغنج مبتذل، تتحدث عن جثث في المدينة»، فهي لا تعرف أن محمد جاسم الحميدي، يعيش على ربع المستحيل، ونصف الممكن، والكثير من الأمل.
سأخدع المسافات وأبكي بذريعة الحميدي كل الأحلام والكتب والمقالات والقصائد والمخطوطات التي لم تعد طباعتها مجدية، فالكتابة التي كانت تشفي الجراح، هي الآن جرحنا الذي لا سبيل إلى الشفاء منه.
نم يا محمد، أيها القارئ القديم، لم يعد في الرقة جدات تروي عنهن الحكايات، في كل يوم تموت إحدى «حباباتنا» قهراً، ولا تغرنك: «ما شفتلي المرهدن .. يا شوفير القمارة». وحين يأتي الليل لا تبتئس، ستجد في مقابر حماه الكثير من حزن الرقة، ولربما تجد، من يتحدث إليك عن عبد السلام العجيلي أيضاً.
فيما يلي أربع شهادات سورية قدمها أصدقاؤه الذين خبروه وعرفوا مسيرته المديدة والأليمة:
كاتب الحياة وناقدها
يوسف دعيس
لعل حادثة وفاة والدة الأديب محمد جاسم الحميدي الفاجعة، التي جعلت منه شخصاً يميل إلى الحزن والانعزالية في حادثة مأساوية، ستكون علامة فارقة في سلوكه اليومي، فالصبي الذي كان يلعب أمام الدار، فوجئ بسيارة تحترق، ووالدته البسيطة هرعت لإطفاء النار، ما لبثت أن احترقت، وتداعت جثة هامدة أمام ناظريه.
ربما كان لهذه الحادثة الأثر الأكبر في نضوج الحميدي الأدبي مبكراً، فالصمت والعزلة التي يعيشها مع ميل مبكر للقراءة بوجود شقيقه الموهوب الأديب خليل جاسم الحميدي، شكلا لديه هاجساً في إفراغ شحنة الغضب والحزن التي يحملها في قلبه كلمات تزهر وتتراقص على بياض الصفحة، كلمات ليست مجرد كلمات.
استفاد الحميدي من عمله الصحافي في اكتشاف مخزون الرقة الحضاري، وربما تكون معرفته بتراثها وإرثها التاريخي أسست لمقدمة أولية لكتابة تاريخها المجهول، تاريخ الإنسان الأول، تاريخ الحكاية، تاريخ العمارة، تاريخ الكهوف والمغاور والوديان والينابيع والأنهار، لذلك عكف على كتابة روايتــــه «شـــمس الدين»، التي كانت مفتاحاً لقراءة مفردات الحـــياة اليومــية للمهمشين في الرقة، بالتوازي مع إصداره مجموعة «القاشور» القصصية، ثم أنهاها بكتابه الذي كرّس جهده له «نحكي ألا نام» الحكاية الشعبية الفراتية في مجلدين كبيرين.
محمد جاسم الحميدي، رغم إهمال النقاد لنتاجه الأدبي، لم يكن شخصاً عادياً، فقد كان علامة فارقة في الحياة الأدبية والإعلامية في الرقة، وكان جسراً يصل قلوب الناس بتاريخهم وإرثهم الحضاري، يكتب القصة والرواية بتميز، ويحاكي الناس وهمومهم في عمله الإعلامي، الذي منحه إضافة مهمة، ومساحة كبيرة في طرح الأسئلة ومحاولة جادة في البحث عن إجابات جديدة وجدية.
القاص الزاهد
نذير جعفر
ولأن الموت يستبيح حياتنا كل لحظة في الشوارع والمقاهي والمشافي وغرف النوم، لم نعد نأبه له بل أضحى خبزنا اليومي، أما أن يخطف هكذا فجأة محمد جاسم الحميدي في غفلة فقد أحدث صدمة عميقة في الروح المتصدعة ليوقظها من ذهولها ويعيد إليها صورته وهو يحكي همساً ويذوب ألفة ويمشي ظلا، كما لو أنه يخشى أن يخدش صمت مدينته (الرقة) التي عشقناها معا وتسامرنا في حضرة فراتها مرارا… قليلا ما يتحدث عن نفسه… قليلا ما يخبرك عن مشاريع كتاباته حتى لينسى أنه كاتب. هذا الزهد بالأضواء والشهرة والترفع عن بهرج الدنيا الزائف أبرز ما يقرّب محمد جاسم الحميدي من الروح، من الحقيقة. رحل وترك القليل من إبداعه في القصة والرواية والبحوث والكثير من وهج الرقة وطيبتها وفطريتها وسحرها الآسر.. لروحه السلام.
عاشق الرقة
إبراهيم الجرادي
في الكتابة عن رحيل محمد جاسم الحميدي يسبقني ألمي وحزني وشعور محتدم بالخيبة واليأس.. لقد فقد توازنه لأنه اكتمل…أراد لعقله ان يستجيب لمهزلة ما يرى ويسمع ويدرك. هو الحساس البعيد عن الباطل والخطل. حين بدأ التشاطر يغزو حياتنا وتسخير القدرات لتحقيق المنافع العابرة ظل بعيدا بيقين لا يزعزع بقيمة القيم والأخلاق في الكتابة والصحافة والحياة. رغم أن الحياة؛ حياتنا لا تعطي فرصة لذوي الأخلاق والكرامة البشرية فرصة أن يكونوا كما يريدون، كأن الثقافة أسلوب حياة والكتابة عنها مهمة اجتماعية من طراز فريد.. كانت عفته نادرة.. في الوقت الذي غابت فيه العفة، تغيّب عن مسالك الآخرين.. قاص له مزاياه الخاصة وباحث أمين لدوافع الباحث الأصيل. كل من عرفه شعر بالفقد لا لقربه منه أو لبعده عنه، بل لتلك السمات التي تجعل من الإنسان صورة لما يطمح له الإنسان في صورته الخيرة وسلوكه. ليست معرفتي به، ورفقتي له في الحياة والعمل هي ما يدفعني لتأكيد الخسارة الفادحة في رحيله المأساوي فحسب، بل لأبعد من ذلك بكثير. إنها الشعور بغياب الأمثولة، في زمن نحن أحوج ما نكون إليها. لانتشار وباء التشاطر الرخيص، وغياب الوطنية الحقة، فالشعور بمسؤولية الحياة والدفاع عن كرامة الإنسان ووجوده. نعم.. إن رحيل محمد جاسم الحميدي بهذا الشكل المفجع، وهو ابن بار للمدينة المفجوعة يفرض علينا أن نستعيد بذكراه قيما مفقودة.. كاتبا وباحثا وإنسانا قبل هذه وتلك. لتعم السكينة روحك محمد جاسم الحميدي.. روحك التي لن تغيب لتذكرنا دائما بما يجب أن نكون عليه.
مسيرة الكلمة
تركي الرمضان
كان «أبو فراس» أشبه بمتصوف من الأزمنة الغابرة.. كنا أطفالا وجيرانا، تعلم القراءة بسرعة، وكان الأول على صفه في الابتدائي.. ويمضي عطلته الصيفية عند «الخوجة» يتعلم القرآن.. ختم القرآن قبل الثالث الابتدائي.. وصارت القصص والروايات والأفلام السينمائية ما يملأ حـــياتنا، وتوفرت لنا كتب الأدب بفضل شقيقينا الكبيريـــن الصديقـــين أيضا: رشيد رمضان وخليل الجاسم، اللذين لمسنا منهما رعايــة وتوجيها، ومن خلالهما عشقــــنا الأدب وتبــادلنا الكتب وبالكاد صرنا في المرحلة الإعدادية، حتى صرنا نقرأ جان بول سارتر وانطون تشيخوف ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمود تيمور، وعرفنا مجلة «الآداب» اللبنانية.
وكان هناك أساتذة مثقفون يطلعون على محاولاتنا الأدبية، ولا يبخلون بالمساندة والتشجيع.. منهم عبد الحميد حمد وعبد الإله الحاج ومحمد سلطاني ونبيل سليمان وفيصل حقي وحمصي فرحان الحمادة، كانوا أصدقاء الأدب والفكر لأشقائنا ولا يبخلون علينا بالرأي والتشجيع، أقصد نحن الجيل التالي: محمد جاسم الحميدي وهيثم خوجة وأحمد مصارع وعمار مصارع وياسين عبد اللطيف. وكنا نلتقي في بيت عمار أو أحمد أو هيثم ونتبادل الرأي في ما نكتب أو نقرأ أو ننشر أو نفكر كان جو الرقة جو فكر وثقافة وأدب. وتفرقت الشلة بسبب السفر خلف الدراسة الجامعية، لكن بقينا على تواصل لا سيما أنا ومحمد جاسم الحميدي.