القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: رغم اختلاف الرأي حول مواقف وآراء الكاتب الصحافي والمؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى (14 أكتوبر/تشرين الأول 1939 ــ 25 ديسمبر/كانون الأول 2017) خاصة في عهد مبارك المخلوع، إلا أن لعيسى أسلوباً ورؤية مغايرة لكتابة أو حكاية، بمعنى أدق التاريخ المصري في حوادثه الشهيرة والمؤثرة، حتى إن كانت تبدو وكأنها ليست بالحوادث التي تهم المؤرخين. فكتابات صلاح عيسى كان يحركها الحِس الاجتماعي وصولاً إلى الصوت الشعبي لسرد الحكاية أو الواقعة التاريخية، ما جعل مؤلفاته رافداً جديداً لقراءة حياة ووعي المصريين، ومدى علاقة السلطة ومؤامراتها ضد الشعب. قتلة وسفاحون وأرباب قصور وسوابق، قد يصبحون في لحظة ضمن مصاف الأبطال الشعبيين، كأبطال السّير والملاحم، لكن وراء كل قصة بطولة، سلسلة طويلة خافية من العلاقات المتشابكة والمعقدة التي حاول عيسى دوماً البحث عنها واستقراء ما خفي من تفاصيلها. هكذا كان منهجه في تدوين التاريخ الاجتماعي والسياسي المصري، من خلال سلسلة «من دفتر الوطن» التي احتوت على العديد من المؤلفات التي تقترب من السرد الروائي في الكثير منها، مدعمة بالوثائق الرسمية والصور والمقالات الأرشيفية، فمن الممكن اعتبار ما كتبه في الكثير من أعماله عبارة عن روايات وثائقية للحياة في مصر.
رواية التاريخ
«ومع أهمية الصحف كمصدر للمعلومات لا يمكن إهماله، فقد وضعت في اعتباري أن الظروف السياسية الآنية تؤثر في ما تنشره، بحيث يصعب تنزيهه عن شبهة الدعاية والدعاية المضادة». هذه العبارة من عبارات صلاح عيسى في مؤلفه «البرنسيسة والأفندي»، فكل ما يُعتمد كوثائق مشكوك به، ومعظم مَن كتب التاريخ يكتبه وفق نظرة السلطة الحاكمة وقتها ــ إلا قِلة تحمّلت نتائج اختيارها ــ وفي حال الشك تتسع المساحة للحالة الروائية أو السرد الخيالي، وهو ما يتفق ورؤية الكاتب وموقفه الذي لا يُدارى، وهي سِمة من سمات كتابات صلاح عيسى، حيث يغلب حِس الحكي والتشويق ــ بما أنه سبق وكتب الأدب ــ فيعرف كيف يسرد حكايا مُحكمة من خلال ما توفر له من وثائق، هنا يخرج التاريخ من سمته المدرسية وجفاف التواريخ والعبارات، هنا تصبح الشخصيات حيّة أكثر، خاصة مع الاهتمام الكبير بسلوكها وحالاتها النفسية، والخلفية الاجتماعية التي شكلت الشخصية التاريخية، وبالتالي كان لها الأثر الأكبر في الحادثة نفسها أو الحوادث التاريخية.
من هذه النقطة يبدأ تشريح المجتمع في اللحظة التي تتم الكتابة عنها، فلا فعل من فراغ، ولا حالة منقطعة عما قبلها أو منفصلة عن نتائجها، والأمر يقترب من رسم صورة كاملة لعصر ما، أو فترة زمنية محكومة بوثائق لا يمكن الوثوق بها ثقة مطلقة. ولنأخذ مثال كتاب البرنسيسة والأفندي، فالأميرة فتحية شقيقة الملك فاروق تزوجت بالأفندي رياض غالي، وقد أثار إعلان زواج أميرة مسلمة، من شاب قبطي العديد من المشكلات والتوترات على المستوى الاجتماعي للناس، بداية من قرار فاروق بتجريد صاحبة السمو الملكي الأميرة «فتحية» ووالدتها صاحبة الجلالة «الملكة نازلي» من ألقابهما الملكية لتصبحا «فتحية هانم فؤاد» و»نازلي هانم صبري»، وصولاً إلى فتنة طائفية في ربوع مصر، ففي حي مصر القديمة في القاهرة، رسمت على جدران إحدى الكنائس صور للقساوسة بصورة ساخرة، كما حدثت محاولات للاعتداء عليها، أخذ بعض المواطنين ينظرون شزراً إلى رجال الدين المسيحي. الأمر الأهم هو أن هذه الزيجة أصابت المثقفين أنفسهم، فقد علق محمد التابعي وقتها قائلاً: «نعم نحن متعصبون إلى أبعد حدود التعصب لعزة الدين وكرامة الدين»، وقالت جريدة «الأساس» لسان حال الحزب السعدي: «يجب أن يوقف هذا الإهدار المستمر لكرامة مصر وعرشها ودينها الرسمي». هذه الأصوات التي نشأت في ظل ثورة 1919!
حكاية ريا وسكينة
لم تلق حكاية من الشهرة في مصر كما لاقت حكاية «ريا وسكينة»، حتى صارت مضرباً للأمثال عن النساء المجرمات، لكن عيسى صاغ الحكاية وجعل منها حكاية فساد اجتماعي كبير، بدون الاقتصار على النظرة السطحية التي صورتها بعض الكتب وأفلام السينما الساذجة، ففي كتابه «رجال ريا وسكينة» يجمع المؤلف كافة خيوط القضية، والحالة الاجتماعية والسياسية وقتها، وأن عملية الإيقاع بهما ليست كما تناولتها الأفلام بأن البوليس كان في حالة مزمنة من البحث عن القتلة، ولكن بالمصادفة، فحدث أن صاحب البيت وجدهما لم تدفعا إيجار البيت، الذي كانتا تسكنانه، فقام بالاتفاق مع شخص إيطالي الجنسية لتأجير البيت، واشترط الإيطالي أن يتم توصيل المياة والمجاري في البيت، وأثناء الحفر اكتشف وجود جثث تحت الأرض وانكشف سر ريا وسكينة، وتم القبض عليهما وإعدامهما. وأوضح عيسى لماذا كره المصريون ريا وسكينة، رغم تبجيلهم لكل خارج عن السلطة والاحتفاء به، حتى لو كان قاتلاً ــ محمود سليمان على سبيل المثال، الذي استوحى حكايته نجيب محفوظ في روايته «اللص والكلاب» ــ أرجع عيسى سبب ذلك إلى فعل الخيانة بين ريا وسكينة وضحاياهما، فهن صديقات لهما بالأساس، كما أن هذه الجرائم حدثت وقت ثورة 1919، كذلك بشاعة دفن الضحايا في البيت نفسه الذي تسكنانه. ورغم أن البعض في الأونة الأخيرة كتب مؤلفات تكشف المزيد عن القضية، وأن كلا من ريا وسكينة ضحيتا نظام اجتماعي وهدف سياسي، إلا أن كتاب عيسى لم يزل يحمل قدراً كبيراً من النظرة الأشمل عن حال المصريين عموماً في تلك الفترة.
هذه نظرة سريعة إلى كتابات صلاح عيسى ورؤيته في القضايا الاجتماعية والسياسية، وصياغتها بعيداً عن حكايات التاريخ حسب هوى السلطة، حتى لو اتفقنا في بعضها أو اختلفنا في الكثير، إلا أنها ستظل رؤية محل قراءة ودراسة لوقت طويل.
بيبلوغرافيا
صلاح عيسى .. من مواليد محافظة الدقهلية عام 1939، عمل في بداياته موظفاً في وزارة الشؤون الاجتماعية، بعد حصوله على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية عام 1961، كما انضم لإحدى المنظمات اليسارية في عهد عبد الناصر وتم اعتقاله عام 1966، وكعادة أغلب فئات اليسار المصري، قدّر التجربة الناصرية رغم ذلك. بجانب الكتابة في بعض الصحف. وأصدر خلال فترة الستينيات مؤلفات أدبية، منها: مجموعة قصصية سماها «جنرالات بلا جنود»، ثم رواية «مجموعة شهادات ووثائق في خدمة تاريخ زماننا»، إضافة إلى كتابه التوثيقي «الثورة العرابية» عام 1979. تم اعتقاله في أحداث يناير/كانون الثاني 1977، ثم في سبتمبر/أيلول 1981، مع عشرات المثقفين، لمعارضته اتفاقية كامب ديفيد. وفي عام 1982 تولى رئاسة تحرير صحيفة «الأهالي» التابعة لحزب التجمع ــ الصوت الرسمي لليسار المصري ــ كما شارك في تأسيس وإدارة عدة صحف ودوريات. ثم تولى رئاسة تحرير جريدة «القاهرة» في عهد مبارك المخلوع ووزير ثقافته، ما جعل الكثيرون يرون ذلك تحولاً كبيراً في موقفه من السلطة، الذي ظل طوال حياته على يسارها. كما شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة. من أهم مؤلفاته: «مثقفون وعسكر»، «دستور في صندوق القمامة»، «حكايات من دفتر الوطن» ، «تباريح جريح»، «رجال ريا وسكينة»، «جلاد دنشواي»، « شاعر تكدير الأمن العام»، «البرنسيسة والأفندي»، «بيان مشترك ضد الزمن»، و»شخصيات لها العجب».