في رحيل طائر الرخ السوداني المترجم أحمد الجعلي

حجم الخط
1

يخطف الموت عزيزا نحزن لفراقه، ويفجعنا غيابه الطويل، فهو لن يعود أبدا. الموت ذاته يسلب منك أحيانا أشخاصا لن يتكرروا في حياتك، حتى لو كان لصدقهم أحيانا وخز الإبرة أو لسعة الدواء المر.
هذا الصنف النادر من البشر، نفتقدهم مرتين، مرة بسبب الموت، ومرة ثانية لانقطاع الترياق عنك وأنت لوحدك في هذه الغربة «المغفلة». رحل صديقنا أحمد، كناسك، كحكيم صيني حاملا معه أسرار تلك العشبة الشافية على حموضتها أحيانا.
التقيته أول مرة في منزل الصديق محمد صلاح في الدائرة السادسة عشرة في باريس. كان منزلا براحا يتجمع فيه السودانيون دون سابق مواعيد. يتحدثون في كل شيء ولا شيء، بنبرة يشع منها الصدق والألفة والمؤانسة، على إيقاع «كبابي» الشاي ورائحة الطعام التي تفوح من قدر كبير يغلي على النار. لا أحد كان يدري ما بداخل القدر، لكنه على كل حال يشبع البطون. يومها دخل المرحوم أحمد علي الحضور كطائر الرخ، ألقي تحية ردها الجميع وبصوت واحد. كان أحمد رجلا واثقا من نفسه، مقبلا على الحياة في غير تواضع مصطنع. انتظرت منه أن يتوسط المجلس ويقود دفة الحوار، أربكني تصرفه حينها عندما توجه إلى أبعد ركن في الصالون الكبير، وأخذ وضع نصف جلسة إلى طاولة صغيرة، وبدأ ينصت للأحاديث المتفرقة، وسط زحمة الحضور، ويجول بنظراته بين الناس عله يلتقط خيطا أو طرف موضوع يكون مدخلا له في هذا «المولد». مثل هذه اللمات لا يحضرها الناس عادة لمناقشة مواضيع مهمة، بل هي محاولة للتخلص من أقبية الجدران والخروج من حالة العزلة والتوتر المندس داخل الأجساد، هي لمات للضحك والصراخ، هي جلسات «زار»، عندما تشتد حلقته تشعرك بأنك خارج كل سائد ومألوف، وتتجاوز بك نوباته حدود الزمن، فينتابك شعور عميق بالألفة والراحة، وأنت عائد في طريقك إلى المنزل.
ذلك اليوم، وبينما الناس في حالة تجاذبهم، انبرى أحد العارفين بخوارزميات السياسة واسترسل في حديثه مستدلا بوقائع من التاريخ ومن جغرافية السودان، هنا، صرخ صاحبنا أحمد الجعلي، موجها حديثه للخوارزمي: «يا زول التاريخ ده خليه، اتونس ونستك». صمت الرجل، و»تكهرب» الجو، وكادت أن «تتفرتك» جلسة الزار. اقترب أحمد من الرجل متدفقا، وكأنه يتدارك الموقف، فما زال «القدر» على النار! بنبرة هادئة وواثقة، بدأ أحمد يصحح له بعض مفاهيمه المغلوطة، التي كان يعتقد جازما أنها صائبة، فعاد الدفء إلى الجلسة، وانكببنا على الطعام يومها، بقبضة رجل واحد.
ثمة نوع من الناس لا تستلطفه ويبدو لك منفرا في اللقاء الأول، لدرجة أن البعض يصلي كي لا يصادف طريقهم مرة ثانية، على قاعدة «لن تمنح فرصة ثانية لتعطي انطباعا أولا جميلا». أحمد كان الاستثناء، فهو يفقس البيضة بيديه ليرى ما إذا كان فرخها سيدخل في دائرة جاذبيته أم لا. وقد قال فيه أحد زملاء دراسته قبل يومين: «ظل أحمد حريصا على الأخذ بأسباب المعرفة والثقافة، ويدخل معك في مسارب الصداقة بجدية وتلقائية وحميمية، وكأنه يحتسي كوبا من ماء بارد في صيف الخرطوم». ويبدو أن الرجل لم يتغير منذ أيام دراسته في جامعة الخرطوم، حيث كان رجلا عاليا بفكرة، غير صبور على السفسطة، متواضعا ومليئا بالثقة في آن.
كان أحمد يتحدث عن والده بلسان طفل، وكيف أنه تخرج في جامعة الخرطوم واشتغل في السلك الإداري وجاب السودان طولا وعرضا، إلى أن أصبح حاكما لمحافظة الناصر في جنوب السودان، حيث أنجب كل أولاده هناك، على ضفاف البحيرة، وحيث علمهم لغة أهل المنطقة «النوير» فأجادوها وكانوا يتحدثونها بطلاقة كوالدهم تماما. توفي الوالد شابا، وأحمد ولد صغير. كبر الطفل أحمد، وصار شابا يافعا ليكتشف أن والده شاعر معروف اسمه «محمد عثمان محجوب» وأنه ذكره في عدة قصائد كأنه يودعه. من يومها، بدأت في حياة أحمد رحلة البحث عن سيرة الوالد مع ولده، وقد نجح أحمد في جمع كل الأعمال التي كتبها الوالد في مناطق متفرقة من جنوب السودان والخرطوم وشندي، في ذلك المنزل الكبير الذي تشغله حاليا «كلية طب شندي».
كان أحمد مزهوا بوالده وسعيدا برحيق أشعاره التي تغزل كلمات من العشق والغزل والتصوف، وتروي حكاية أحمد الصغير. كانت تلك الذرابة بمثابة الحبل السري الذي ينهل من نبع الإلهام. فتدفقت قريحة أحمد شعرا، وانكب على اللغات دارسا ومدققا من العربية والفرنسية والإنكليزية والعكس، ولكنه لم يكن ليرضى عن تحصيله اللغوي أو يكتفي به. وقد شهد له أقرانه الضالعين بلغة موليير، أن ما من أحد يمكن أن يجاريه أو يتفوق عليه في معرفة خبايا اللغة الفرنسية و»جحورها»، إلاه، إذ لم يكن راضيا تماما، وكثيرا ما كان يردد أن التماهي مع الفرنسية لا يتحقق إلا لمحدثيها من الرضاع، وأنها تظل مستعصية مهما نهل الدارس من بحرها.
مسيرة وحياة أحمد تخللتها محطات كثيرة لا يمكننا إيجازها في سطور. فبجانب فن الترجمة التي أتقنها، عمل الراحل في عدة سفارات عربية ومؤسسات إعلامية، مراسلا لوكالة الأنباء القطرية، ومترجما ومدققا لغويا في مؤسسة الإعلام الخارجي الفرنسي. ورغم كل هذه الفرص، ما فتئ أحمد يبحث عن ذاته فيترك الوظيفة بعد فترة وجيزة هربا من قيودها التي تكبل حريته وانتقاما من الروتين اللعين. كانت حركته وطاقاته الإبداعية القلقة، أكبر من أي وظيفة مهما علا قدرها أو راتبها. ظل وفيا لنفسه، وبقيت هذه اللازمة وفية له، فرافقته منذ أيام دراسة الأدب شعبة اللغة الفرنسية في جامعة الخرطوم، حيث ما كاد يقضي في حرمها بضعة شهور، قبل أن تستوعبه جمارك السودان في لدن طليعة دفعة ضباط في صفوفها. لم يطب له المقام، حزم حقائبه وعاد إلى باريس، مدينة الأنوار التي عرفها عندما كان طالبا جامعيا، ينهل من علومها. ومن يومها، لم ينقطع أحمد عن المكتبات الباريسية، حتى بعد أن أقعده المرض.
ظل أحمد مواظبا على التردد عليها، خاصة مكتبة جورج بومبيدو الشهيرة في قلب العاصمة الفرنسية. ما زلت أراه يحمل حقيبة الكتب، كطالب ثانوي، ينفق أيامه بين الكتب إلى أن يجنح الظلام، فيعود إلى منزله مستقلا آخر قطار.
كان لأحمد هدفان أساسيان هما أولا، اجتياز امتحان الترجمة القانونية والحصول على رخصة تخوله الوقوف أمام المحاكم الفرنسية، كمترجم محلف، أما هدفه الثاني، فإصدار السيرة الذاتية لوالده الشاعر والإداري المرموق محمد عثمان محجوب. نجح أحمد في رهانه الجنوني، نجح، رغم توحش الغربة وقساوة الطريق، الذي جعل الكثيرين يتنازلون عن سقف طموحاتهم المستحيلة. كان أحمد قاسيا على ذاته أولا لكي يصل إلى ما تتوق إليه ذاته من طموح.
كثيرا ما التقيته وهو في طريقه إلى المكتبة أو عائدا منها، متعبا وجائعا ومخنوقا أحيانا، وما أن يراني، يخفي مشاعره بغصة لطيفة، ويبادر بتحيته الخاصة «كيفك يا حلو».. يسترسل معك في أي حديث تختاره فتجده دافقا وجريئا ولاذعا لا يقبل الخطأ. تجارب أحمد في باريس التي تمتد إلى ربع قرن أو يزيد، أضفت على شخصيته بعدا إنسانيا مدهشا، تمتزج فيها القسوة بالنعومة والجد بالهزل في آن. وفي آخر سنوات حياته بدا أحمد صامتا ومتقشفا، ومنفتحا على الجميع، يبحث عن تجمعات السودانيين في كل مكان. نسيت حوافه المدببة وتضاريسه الوعرة ووهاده المنكسرة، عسرة الطريق. ربما ذلك كان الإحساس بالتملك والوصول بعد أن فاز برهانه الجنوني في ألا يكون أقل ما تطمح له ذاته بعمق. ولمن يسأل عن الثمن أسأل، من منا يغادر منزله في ساعات الصباح الأولى ليغوص بين مؤلفات فولتير وفلوبير وشاتوبريان وبونابارت، ثم يعود بعد منتصف الليل ليجد فراخه قد نامت. كان ذلك الرجل هو أحمد الجعلي. وكأنه يتذكر فجأة أنه زوج وأب فراخ صغار هم ساري وزينب وسامي، وزوجته الفاضلة الست رولا الأستاذة الجامعية في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية.
يحدثك أحمد بفرح المتعطش للحياة ويبحث عن آخر نكتة في عالم «المتفكهين» ولا يدري أن الموت قد رفع رايته، وعندما رأى أحمد الابتلاء قال: «مرحبا براية الصالحين». لا عجب، «فمن قل حظه من الابتلاء قل حظه من ميراث النبوة».
تمكن المرض منه في وقت وجيز، لكنة كان ثابتا وعنيدا ومضادا حيويا لا يتغير. هناك قصة صغيرة ما كنت لأذكرها لولا أن المرض غلبه وليس الموت، في إحدى زياراتي له في بيته الشهر الماضي، وكان برفقتي الأخ جعفر، وصلنا ووجدنا أبناءه يدورون حوله وهو جالس على السرير يصلي العصر. تجاذبنا أطراف الحديث، وقبل المغادرة طلبت منه أن يعيرني كتابا للمؤرخ الاجتماعي حسن نجيله، فقال لي «ما بديك ليهو» قلت لماذا؟ قال «كدة بس». وفي واقع الأمر أنني كنت أتحين الفرصة لدس مبلغ مالي صغير تحت الفراش، لأنني كنت أجلس عند رجليه، انكشف المخطط، تنبه بذكائه المعهود، وقال بكلمات حاسمة «يا زول تعال. ده شنو». ارتبكت صراحة، كانت ورطة لن تخرجك منها ولا حتي صحبة السنوات. أجبته دون تردد: هذا مبلغ مستحق نظير خدمات ترجمة لأحد المواقع الإلكترونية. كنت جاهزا لأن احلف لو اضطرني الأمر … نظر إليّ ثم قال: «يا أخيييينا» ومن خلال معرفتي لأحمد عندما يستخدم الياء المشددة في هذه الكلمة، تصبح كقطنة الطبيب التي يمسح بها على جلدك سريعا قبل أن يدس إبرته ويفرق منها شفاء. عندما سمعت زوجته هذه الكلمة، أقبلت مهرولة وقالت له «الراجل حلف يا أحمد» فقال: «إسمع، خذ هذا المبلغ وسلمه لفلان في المطعم السوداني» فأخذت المبلغ وناولته للأخ جعفر وانصرفنا سالمين.
هناك مثل ياباني يقول «إن لم تتحمل المصائب الكبيرة، فأنت صغير، والرب سيمنحك الصغائر، كما تحب».
أحمد محمد عثمان الجعلي، كان كطائر الرخ، فهو من الشخصيات النادرة التي تفوق قدراتها الخيال. تروي الأسطورة، أن هذا الطائر كان ذا حجم كبير هائل، وأن له مخالب قوية، يستطيع أن يحمل بها فيلا كاملا.
عزيزي أحمد، لن نحول الماضي إلى زمان للعيش على ذكراك، ولن يظل الحنين شهوة ملهية وشجنا مقعدا. افتقدناك ولكنك لن تموت الآن روح خالدة لا تموت. فأبناؤك الصغار، فراخ الرخ، سيكبرون يوما، وسيقتفون أثرك، تماما كما اقتفيت أثر والدك على ضفاف بحيرة الناصر وأنت فرخ صغير.

إعلامي سوداني يقيم في باريس

في رحيل طائر الرخ السوداني المترجم أحمد الجعلي

عاطف علي صالح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية