في رسالة النقد

حجم الخط
0

تقوم الحضارة الإنسانية بكل اتجاهاتها على الإبداع، ولعل الأدب من أهم اتجاهات الحضارة الإنسانية، لذا تنوعت فنون الأدب في الحضارة الإنسانية التي نعيشها، وقد أثر التطور الاجتماعي المصاحب للتطور الحضاري في الأدباء، فسمت خواطرهم لإنتاج الروائع الأدبية فاشتغلت عقولهم بالفكر وانطلقت ألسنتهم بالإبداع شعرا ونثرا، فوجدوا في الطبيعة ناصرا ومن الحضارة داعما ومن القريحة مؤاتاة، على الرغم من ملاحظة كل مهتم بالأدب أن هذا التقدم كان لصالح النثر على الشعر الذي تعرض لتراجع فني كبير في أسلوبه ومعانيه وأغراضه وأوزانه، وتقدم فنا الرواية والخواطر بشكل لافت فكان لهما مكانة في النفس وسلطان على الإقبال النفسي على القراءة، ومازالت هذه الفنون الأدبية تتسع وتنمو بنمو الحضارة التكنولوجية وتقدم العلم والإعلام ويسر النشر والانتشار.
على الرغم من اطلاعنا على اهتمام الأدب الغربي بفن النقد للمحافظة على تنقيته من أي شوائب محتملة، إلا أننا نلاحظ ضمور هذا الفن عندنا، ولعلي أخصص الإشارة هنا إلى إقليمنا الخليجي والكويت، باعتبارها رائدة ثقافة الإقليم. النقد هو ذلك «الجهاز» الذي يقوم بفحص الأعمال الفنية فيدعم الجيد منها ويسلط الضوء على مواطن الخلل والزلل في العمل لمعالجته لاحقا، وهذا هو أصل النقد لا كما يظن بعضهم أن النقد هو إبراز مواطن الجمال في العمل ومدحها وحسب.
تعرضت أهم الأعمال الأدبية العالمية والعربية للنقد، متجاوزة كل الخطوط الحمر أمام الأسماء العظيمة، فلا أحد مستثنى من النقد بتاتا، ولعل شكسبير من أبرز الأسماء التي تعرضت للنقد، حيث أشار النقاد إلى انصراف الناس عن (سونيتات) قصائد شكسبير نحو ثلاثة عقود بسبب ما احتوته من غموض وتعقيد، وتناول العشق المثلي لشاب إضافة إلى انخفاض السوناتة كشكل شعري بفعل روح العصر الجديدة والنزعة الراديكالية المسيطرة، فقام الناقد «Benson» بتهذيب المتن وحذف بعض الإشارات العاطفية المثلية.
وإذا كان التفاضل داعية التنافس والتنافس تميز علاماته بالنقد، فإنني أرى ضرورة تعزيز ثقافة النقد والمساهمة في توسيع التثقيف الأدبي بكل سماته في المجتمع، نتقدم إلى النقد أو يتقدم هو إلينا. فالناقد الحق ليس ضد أحد، ولا يجامل أحدا، ويقف على مسافة واحدة من جميع الأعمال. فهو ينظر إلى النص بعين مجردة، بدون الاهتمام باسم صاحب العمل فيسلط الضوء الموضوعي على مواطن جماله فيبرزها وينثرها بتحليل قويم وينتبه وينبّه إلى مواطن الزلل والخلل، لتتم معالجته كي يواصل أدباؤنا الارتقاء على سلم الإبداع والتميز.
قد يبرز الناقد جماليات عمل شعري أو روائي لأحدهم، ثم ينبه لكثير من مواطن الزلل لنفس الشاعر أو الكاتب في عمل آخر له والعكس بالعكس، فالناقد المنصف من يضع نصب عينيه العمل الأدبي فقط بعيدا عن العلاقات الشخصية، فلا مجاملات ولا تحامل على أحد. فإذا لم نهتم بالنقد الأدبي كدراسات متكاملة للعمل الأدبي فسنخسر الكثير من التقدم في الفنون والثقافة. فيجب ألا يكتفي الأدباء بالأعمدة الصحافية المختصرة عن أعمالهم فهذا يكون مهما من ناحية تسويقية فقط، أما من الناحية الإبداعية والتنموية فالأديب بحاجة إلى عملية نقدية متكاملة.
إن توقفاً مستحقاً أمام حال الساحة الإبداعية والثقافية في الكويت، يظهر بشكل جلي كيف أن سطور شبكات التواصل الاجتماعي، وعلاقات الكاتب ببعض من لهم حضور على الشبكات باتت تلعب دوراً كبيراً في التسويق للعمل، ولا أقول تقديمه بالشكل المستحق. هذه السطور إذ تلمّع البعض فوق ما يستحقون، فإنها في جانب آخر تخفي حقيقة الاهتمام بأعمال أدبية بعيدة عن الشللية، حتى لو كانت أعمالاً مهمة وقادرة على تقديم نفسها ببنية إبداعية صحيحة.
النقد في الكويت «اليوم» يتطلب بالضرورة أصواتاً نقدية متابعة ومخلصة وقادرة على فرز الغث عن السمين، وهي إلى جانب ذلك تمتلك من الجرأة ما يمكّنها من قول النقد الحق لا مدحاً ولا ذماً، ولكن صدقاً فنياً بأدوات ومقايس نقدية عالمية، تقدم العمل الإبداعي للقارئ بما يستحق من تقدير واهتمام.

كاتب كويتي

في رسالة النقد

براك القعيط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية