حتّى نضمن جودة التّواصل مع تراثنا الثّقافي الفلسفي، العلمي والأدبي بمحاورته دون نقله.
نبحث في تأسيس مقوّمات الفهم الناجع وأدواته المساعدة وجدواه في حاضرنا الفكري، ومدى استمرارية تلك المكوّنات الثّقافية والأسس المعرفية والأصول العلمية التّراثية في تطوير الممارسة المعرفية والثقافية لفكرنا المعاصر، وترقية فعل التفلسف والتفكّر بما من شأنه أن يساعد في فهم طبيعة المشاغل الفكرية المعاصرة، وتنظيم الفعل المعرفي وتطويره حداثيا واحداثيّا، لأنّ في تطوّره ارتقاء في الأدوار والوظائف المختلفة في حياة الأفراد والجماعات والمؤسّسات، والأطر الحاضنة للاجتماع الإنساني، وفي استثماره لتدبير شؤون المجتمع والدّولة وبناء مؤسّساتها المختلفة واتّضاح رسمها واستحكام أسباب الحضارة فيها.
ويبدو أنّ مرحلة التنظيم المنهجي اتّضحت ملامحها هيكليّا وآليّا في القرن الثّاني للهجرة تحديدا مع جُهد التّرجمات العلميّة بمختلف أشكالها المعرفية، وذلك بالسّعي إلى ضبط جملة من القواعد العلمية والمنظّمة لعملية التّرجمة، ويساعد التئام تلك الأركان أن نفهم أنّ الفلسفة الإسلامية وعلومها النظرية والعملية لم تنشأ عن مجرّد الاتصال المباشر بين العرب وباقي الشعوب، ومنهم اليونانيون بل نشأت عن عدّة مصادر وتكاملت بالتدريج بعد استقرار دولة الإسلام، واتّساع سلطانها واتّضاح مشروعها واستحكام أسباب المدنية فيها، ذلك أنّ الترجمة لم تكن مقصورة على نقل كتب اليونان وحدها، بل شملت التراث الثقافي الضّخم الذي وصل العرب وتلقّوه من عدّة لغات من بينها الفارسية والسّريانية والهنديّة والعبرانيّة والقبطيّة والنبطيّة واللاتينيّة. وإنّنا نفهم حينئذ أنّ حركة الترجمة (النقل) لم تكن حركة بسيطة، بل كانت حركة واسعة شملت نقل جميع العلوم العقلية وفروعها من عدّة لغات، وجنّدت لذلك الفعل المعرفي المهمّ عددا كبيرا من علماء المسلمين وغير المسلمين من أجناس مختلفة، وكما أمر خالد بن يزيد بنقل بعض كتب الكيمياء وغيرها، أجاز أيضا عمر بن عبد العزيز نقل بعض كتب الطّب، ورغم أهمّية هذه المحاولات إلاّ أنّها لم تكن سوى مقدّمات صغيرة وتمهيديّة مقارنة بحركة الترجمة عظيــمـة الأثر التي أشرف عليهـــا المأمون وخصّص لها بيت الحكمة (217 هـ-832 م) الذي كان بمثابة «الأكاديمية العلمية».
ويبدو أنّ هنــاك حاجة ثقافيّـة ملحّة توفّرت في تلك المرحلة التاريخيّة ومثّلت دافعا لذاك الجهد العلمي والمشروع الحضاري، وهي حاجة العرب إلى المنطق اليوناني في الدّفاع عن عقيدتهم، وإلى ثقافة الفرس في توطيد حُكمهم، ولعلّ استعانة المعتزلة بالمنطق الأرسطي في ضبط قوانين مناظراتهم وتحديد قواعد جدلهم خير دليل على المطلب الثقافي الذي عزّزه تشجيع الخلفاء العباسيين للعلماء للردّ على الملحدين والزنادقة والدّهريين.
هـذا من دون أن نغيب الاستعداد الحضاري للارتقاء بالمشروع الثقافي العربي الإسلامي وإثرائه ماديّا وفكريّا، ودفع الثقافة العربية والإسلامية إلى أن تكون من الثقافات العالمية، وإن عبّر عن ذلك تعبيرا صادقا الخليفة المأمون في عنايته بنقل العلوم العقلية إلى اللغة العربية، رغبة في تحقيق الإبداع من داخل اللغة الأمّ. وفي هذا السياق الحضاري العام لم يكن العرب منغلقين ثقافيّا أو جاهلين بإنتاج الآخرين المعرفي، بل كانوا متفاعلين مع غيرهم، ولعلّ إرثهم الشّعري والنّثري يشهد في عباراته وتراكيبه على ذلك الانفتاح والتأثّر بالفارسيّـــة والبيزنطيّة والهنديّة.
ومن المهمّ أن نشير إلى أنّه قد تأصّـل في عهد المأمون سلوك معرفي من نوع خاصّ اشترك فيه الحاكم في الحياة الفكرية بالحُضور وبالسُّؤال وبالمُحاورة وبالمُناظرة، وبدعوة أهــل الفكر والنّظر إلى مناقشة الأجوبة وإلى المباحثة والمطارحة وتفحّص علوم الأوائل فحصا علميّا ونقديّا أتاح الشّكوك والمطاعن والرُّدود والنُّقوض، وفي ذلك تجاوز المأمون عن قصد ودراية مرحلة اعتبار المعرفة ثقافة للسّلوك القويم من داخل مطالب المركزيّة الثقافيّة والعربيّة الإسلاميّة، إلى مرحلة اعتَبَرت المعرفة وسيلة إلى الاعتقاد ومسلكا إلى السّلطة بمعناها الواسع، ونتج عن هـذا الاهتمام الواسع بالعلم، وبتركيز «ثقافة الدولة» توسيع حدود العلم ليهتمّ بنقل علوم الأوائل، وهو مطلب افترض الإلمام بالرّوافد المعرفية على اختلافها، إن قليلا أو كثيرا، تحقيقا لمردودية إنتاجيّة ذهنيّا وعقليّا ومنهجيّا.
ولعلّه من الغريب والعجيب أن يقــول المستشرق البريطاني هاملتون جب مضلّلا ومناورا إنّه: «من الصعب أن نتصوّر أنّ المأمون أسّس بيت الحكمة بدافع من رغبته الشخصية في الفلسفة اليونانية، وأقرب إلى المنطق أن نقول إنه اقتنع بأن الترجمة ستمدّه بوسائل جدُّ ملائمة تُعينُه على أن يُطهّر الإسلام من بقايا زندقة الوثنية».
وهو كلام يتضمّن كثيرا من التجنّي الناتج عن سوء فهم وتقدير لحجم الاستعداد الحضاري الذي نتج عنه مشروع المأمون العلمي والثقافي. وهو الذي أخذ من جميع العلوم بقسط وضرب فيها بسهم وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات وعملت الدّولة منذ عهده على توسيع نشر الثقافة الفلسفية والعلمية برعايته مجالس «آل بختيشوع» ومجالس «آل ماسويه» ومجالس «آل حنين». وقد ذكر «ابن النديم» أنّ أحد الأسباب التي من أجلها كثرت كتب الفلسفة وغيرها في اللغة العربية «أنّ المأمون رأى في منامه كأنّ رجلا حسن الشّمائل جالسا على سريره – قال المأمون: وكأنّي بين يديه قد ملئت له هيبة فقلت من أنت؟ قال: أنا (أرسطاليس)، فسررت به وقلت: أيّها الحكيم أسألك؟ قال: سل، قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسُن في العقل. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسُن عند الجمهور، قلت ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ لا ثمّ».
ويعتبر ابن النديم أنّ هذا المنام كان أحد أسباب إخراج الكتب. ولكن السّبب من جهة المنحى الغالب على نقل الكتب اليونانية في اعتقادي ليس ما رآه المأمون في منامه، وإنّما هو ما كان يراه في نفسه من تقديم الحسن في العقل واستحسان معينه لتمثّل فترة حُكمه أوج قوّة الدّولة الإسلامية بما شهدته من ازدهار اقتصادي مهمّ وثراء ثقافي لانفتاح بغداد عاصمة الدولة العباسية على بلاد فارس وانتشار اللغة العربية في جميع الأقطار الإسلامية وتحوّلها إلى «لغة ثقافية» ولغة للكتابة يتّخذُها العلماء من كلّ دين وجنس أداة للتّعبير عن أفكارهم. ومن الطّبيعي أنّ ازدهار العمران البشري واستقرار حال الاجتماع الإنساني من شأنه أن ينتج نهما ثقافيّا وإقبالا شرها على العلم، وما حركة الترجمة والنقل إلاّ نتيجة طبيعية لكلّ ذلك.
ذاك فهم يُحيلنا دراية وإدراكا إلى أنّ التقدّم العلمي في الحضارة الإسلامية كان مبكّرا جدّا، وهو محلّ تعجّب من الغرب حتى الآن، لأنّ الثّورة العلمية تفترض مدّة زمنية ليست بالقصيرة، ولكن العرب مباشرة بعد الفتوحات الإسلامية، وبعد ثلاثة قرون من ظهور الرسالة استطاعوا تكريس العلوم والفلسفة والترجمة ضمن منظومة علميّة وفكريّة متكاملة، ووفق خاصّية فريدة هي خاصّية الموسوعيّة، وهي من الأشياء العظيمة في تاريخ الحضارات الإنسانية.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي