■ ما يقتل في الإرهاب عامة، وفي نوعه الذي ظهر في دول الربيع العربي، هو حكايته، بل هو نظْم حكايته، سواء أكان ممارسا من قبل الأنظمة الشمولية، أم من قبل الجماعات المتطرفة؛ فهو إذ يقتل الأفراد يحول الباقين منهم إلى موتى وهم أحياء: يفرغهم من طمأنينتهم في الأرض، ويملأ لحظتهم خوفا منه ورهبة وتناحرا على تأويله. وهو أمر تستوجب مقاربته الفنية، على حد ما أرى، سردياتٍ مضادة لسردياته، وناسفة لمشروعيته الموهومة، وحاملة لأنموذج إتيقي فيه دعوة إلى ضرورة الانحياز إلى القيم الضامنة للعيش المشترك السعيد. وربما وجد قراء رواية «بيت حدد» للسوري فادي عزام (القائمة الطويلة للبوكر) أنموذجا لسردية مواجهة لسردية الإرهاب، إذْ يبدو ـ مقارنة بما أمكن لي قراءته من روايات متصلة بأحداث الربيع العربي ـ أنها واحدة من الروايات الناضجة شكلا ومحتوى.
وجيعة الأدب
لا تخفي «بيت حدد» قدرة كاتبها على عرْك ظاهرة الثورة وحسن استثمار أرشيف محنتها، وتفكيك بنية الإرهاب فيها تفكيكا يسمح بالقول إنها إحدى الرصاصات «الفنية» الصائبة في الثورة السورية، رصاصة اخترقت جسد النظام وفجّرت فيه زيف ما يتكئ عليه من مزاعم قداسة السلالة، وقداسة الوطن، وقداسة أتباعه. واخترقت في الآن نفسه جسد الجماعات المتطرفة، وفجّرت فيها فساد مزاعمها الدينية. وقد فعلت ذلك بلغة لا تكتفي بوصف الوقائع، وإنما كان هدفها الانغماس في تفاصيل الناس لتعصرها بشغفٍ وتقطر منها أحر المواجع، وما الأدب ـ في تقديري ـ إلا وجيعة الإنسان وهي تتكثف في اللغة، لتنفجر شظايا في وجه صمت العالم.
وما كان لهذه الشظايا أن تصيب أهدافها لولا نهوض السرد على تقنية التهشيم والتأزيم: تهشيم شكل المحكي، وتأزيم أحوال كائناته، ذلك أن الرواية توزعت على أربعين فصلا يحمل كل واحد منها اسما من أسماء شخصياتها، ويرسم مشهدا أو مشاهد من متنها الحكائي، الذي تحركت فيه الأحداث وفْق خطيْن: خط الثورة (ممثلة بالشعب) وخط أعدائها (النظام وأتباعه) أو قل: خط مطلب الحرية وخط مطلب تشويهها (ظهور الجماعات المتطرفة)، بل قل: خط الحب وخط نبْذه (ليل وعادل)، وهما خطان راحا يتضافران في السرد تضافرا كاد يمحو ما بينهما من تعارض دلالي، وصار ظهور أحدهما كأنما هو إنباء بانبعاث الآخر: فما إنْ يظهر حب حتى تتعاوره الشكوك ويناله المنع (فيديل وليل ـ سامية وأنيس)، وما إنْ يظهر وعي بالحرية حتى تواجهه الردة وتضيق به السجون. ومن ثم، فإنه كثيرا ما تشتبه على القارئ مصائر الشخصيات وهي تحمل أقدارها اليومية، إذْ كلما خمن لها في ذهنه مسارا، إلا وخيبت الرواية تخمينه وزادت من اضطراب وضع ما يقرأ من أحوال وأحداث، عبر ما في حركة السرد من التفاتٍ واستباقٍ تكفلا معا بخلق المباغتة وتنويع كيفيات انصبابها المهول على الذهن، وهذا ما هيج عنفوان السرْد في الرواية، وغذى فيه شعريته، وجعل الكتابة حربا على الحرب: تباغتها وتقتنص لحظة عنفها، لتزرع فيها مشهدا مليئا بعنف الإنسان وهشاشته، أمام مراغبه الشخصية في خضم سعيه إلى تغيير الواقع، وهو عنف، وهي هشاشة، بلغا معا مرقى الحيرة، بل مبلغ الخيانة أحيانا، وعصفا بمنظومة القيم الاجتماعية السائدة عصفا جعل الكتابة في رواية «بيت حدد» تخوض ـ بوعيٍ ملْحمي ـ حربها الخاصة، من أجل مناعة الوطن وإنسانه وقيمه، مستثمرة في ذلك واقعا مثخنا بجراحه، ومعجما ثر المفردات العمرانية والدينية والفوتوغرافية والعشقية والسجنية، هذا مع اتكائها في صوغ جملتها على أنواع من المجاز كثيرة، منعا منها للهذر اللغوي المجاني، الذي كاد يتسرب إليها بسبب مبالغتها في استعمال العامية في منطوق شخصياتها.
بلاغة التأزيم
أزعم أن هدف رواية فادي عزام لم يكن توحيد دم الثورة السورية الموزع بين القبائل المتصارعة، وإنما كان تثوير تلك الأزمة، بل قل: تأزيم الثورة، وتحويل مروياتها إلى تراجيديا: أي حفزها لأنْ تنفجر بين أيدي العالم وهو يتملاها ويختلف حولها؛ وتلك هي وظيفة الإبداع الآن: أن يبالغ في إيلام واقعه المؤلم. وجلي هنا وعي الكاتب بهذه الوظيفة، فهو لم يسع في روايته إلى طرح الأسئلة «لقد شبع الواقع العربي من طرح الأسئلة»، ولم ينصب مشانق للناس ومحاكمات، ولم يقدم تصورا لإصلاح سياسي أو اجتماعي أو أخلاقي للوضع السوري «أي إصلاح ممكن بعد أن عم الخراب؟»، وإنما أجده يعلن إصراره على تفجير كل ما تبلغه اللغة وتقوله: أفعالا وأحوالا وكينوناتٍ، مانحا صوتا خاصا لكل جسد، ولكل مكان، ولكل لحظة، لتتكلم خلايا الأجساد والأمكنة والوقت بمنطقها الخاص، لتقول ما لا يقوله العقل الذي يحكمها، فإذا بكل فاعل سردي مثخن ماضيه الشخصي بهزيمة ما، وإذا بكل مكان مهدد تاريخه بالمحو «البيت الدمشقي»، وإذا بكل لحظة من لحظات الثورة إنما هي أمل ممزوج بخيبة التحقق. وهذا ما وسم تلك المباغتات والالتفاتات، التي أشرت إليها سابقا، بوجاهة تهشيمها خطية السرد، وجعلها تشع في الحكاية مانحة إياها قدرة إضافية على الجمع بين النقيضيْن في إنسان الرواية: العنف والهشاشة معا، وعلى تخريب العلاقة المألوفة بين الدوال ومدلولاتها، وهذا هو مبدأ التأزيم.
الهروب إلى الحب
من صور التأزيم في رواية «بيت حدد» تعمدها تفكيك مفهوم الثورة ذاته، والانزياح بمضمونه صوب نقيضه بكل ما يعتوره من اختلاف، إذْ لم تعد الثورة، كما هو معلوم عنها، عاملا يوحد فئات الشعب ضد نظام جائر، وإنما صارت لفظة واهمة ومنكسرة وباعثة على التناحر الدلالي، بل صارت حدثا مفرقا بين الناس، وبذلك أمكن لكل فئة أن تعلن عن ثورتها الخاصة التي تسعى فيها إلى تزييف وجاهة ثورة غيرها من باقي الفئات: ومن ثم صارت لكل جماعة من سماسرة الدين ثورتها، ولكل المرتزقة القادمين من خارج سوريا ثورتهم، ولكل نخبة مثقفة ثورتها، بل إن أعوان النظام نفسه استفادوا من هذه التمييع الثوري، وشجعوا عليه ليحافظوا به على سلطة جشعهم وأنانيتهم، ذلك أنه «بعد أن سكنت الإنسانية قرونا في سجون العقل البارد، أنتجت لغة وهمية للسيطرة والنفوذ، يخشى الأنانيون الذين يحكمون، أن يكتشف المحكومون الحقائق. لذلك يتم تخريب الطاقة الروحية بتحويلها إلى صراعات مجدبة وعدوانية، وإغراقها في الاتهام». ومن مظاهر التأزيم ما تعلق بأحوال شخصيات الرواية نفسها، حيث بدا أغلب الفاعلين السرديين كائنات تنوء بثقل تاريخها الشخصي، وتسكن أجسادا موجوعة بعواطفها، إنها كائنات مهزومة في تجاربها الذاتية وفي ما صنعت من أحلام على حد قول أحد الجنود: «هربت. هربت لإنو حسيت حالي عم صير حيوان. وحش. وما عاد في شيء إلو معنى أو قيمة»، وهي إلى ذلك تعيش هروبا دائما من الحرب إلى الحب، لأن الحب «لا يحتاج إلى ضفة، بل يحول النهر إلى بحر. ولا يحتاج إلى مراكب، بل إلى غطاسين مهرة وسباحين ومخاطرين وصيادين صبورين»، إنها شخصيات أزّمتْها اللغة وفرق بينها مكر خطابات الثورة، ولم يبق لها من رغبة سوى أن تخرج من الكتابة إلى الشارع: أن تعود إلى ما يعود إليه الإنسان: الوطن، والجسد، والحب، والثورة، والبيت الدمشقي، والتاريخ، تعود إلى ذلك لتلتحم من جديد بأصلها الأول، بحقيقتها، ولتعيد كتابة ذاتها في ميادين الواقع، أو ربما هي تفعل ذلك الآن في جهات ما من دمشق. فقد عاشت الدكتورة «ليل» في فترة دراستها الجامعية أزمة إجهاضٍ بسبب علاقة غرامية مع زميلها الطالب اليساري الذي تخلى عنها وهاجر إلى خارج سوريا، لتجده في ما بعد مسؤولا في أحد التنظيمات الإرهابية، ثم هي تقبل الزواج بالدكتور «عادل» في إطار ترضيات اجتماعية منافقة، غير أنه يقدمها هدية لأحد أتباع النظام كيْ يمكنه من أن يشاركه إدارة مصحة خاصة، وكان لهذه الطعنة الزوجية الدور الحاسم في تعلقها بـ«فيديل عبدالله» مخرج الإعلانات الذي زار دمشق، والسفر معه إلى دبي، لتعود أخيرا إلى الشام وليس أمامها من خيار سوى أن تواجه قدرها: «راحْ ارجعْ ع الشام». ولم يخل فيديل من توترات نفسية واجتماعية، فقد عاش أزمة الاسم (سماه والده فيديل ليكون ثوريا، وسماه أخواله فضل ليكون فقيها)، وجرّب أزمة الهجرة إلى الغرب وما انجر عنها من تجارب الزواج الفاشل والتدين البارد، ووقف هناك على حقيقة أن «الطرق إلى معرفة الله محفوفة دوما بالتضليل، لا يكفي أن تصبح ملتزما بالتعاليم، بل عليك أن تبدأ الرحلة الشاقة لتجد الطريق المناسب. سماسرة الدين طولوا الطريق بنصب الشواهد المزورة التي تؤدي إلى اللامكان»، ثم هو ينجح في أن يكون مخرج إعلانات شهير، وفي خلال ذلك تدفعه وحدته إلى البحث عن الحب، والتطرف فيه، وكانت الدكتورة «ليل» حبه المولود الظاهر، وكانت دمشق حبه المنشود الخفي، بل كانت أكثر من الحب، حيث غامر بالعمل مخرجا لفيديوهات تنظيم «الدولة» ولكنه كان يوثق الجرائم التي يرتكبها هذا التنظيم في الخفاء لينشرها للعالم. وفي الشأن ذاته لا يخلو واقع المناضلة سامية والدكتور أنيس من أزمات نفسية واجتماعية، انتهت بهما معا إلى علاقة عشقية استطاعت أن تنتصر على السجن والسجان معا. ولعل في كل هذا ما يجعل قارئ رواية «بيت حدد» للسوري فادي عزام لا يملك إلا أن ينسل من واقعه ليندس في واقع مغامرتها الحكائية: يتأزم بأزماتها ويحب الحب الذي ينبت فيها، وهذا ما يمثل أجلى غايات الكتابة الإبداعية.
٭ كاتب تونسي
عبدالدائم السلامي