الكويت ـ «القدس العربي»: وقفت الأديبة الشابة بثينة العيسى تتحدث بانفعال شديد يستجلب ملح عينيها زهوا وفخرا وربما عشقا لوليدها مشروع «تكوين» الإبداعي الثقافي، انفعال يحبس الأنفاس ويربك اللحظة، لكنها بكل ثقة أمام جمهور ملتقى الثلاثاء الثقافي حلقت وبدأت بقولها : قبل سنتين تقريبًا، كنت أتحاور مع صديقة، درست في أمريكا، وكانت تحدثني عن وجود writing center في جامعتها، يوجد فيه بروفيسور متفرغ لمراجعة كتابات الطلبة.
أبديت شكوكي، هل يمكن فعلا تعليم الكتابة؟ عدت إلى البيت وأنا أفكّر بأنني كتبت بطريقة واحدة طوال حياتي. عرفت شكلا واحدا للكتابة، ماذا لو كانت هناك أشكال أخرى؟ كيف سيتغيّر نصّي لو أنني استطعت أن أخترق مناطق كتابيّة لم أعرفها قبلاً؟
وتكشف بثينة عن إنها بحثت عن صنعة الكتابة قائلة: بحثتُ في الإنترنت، فوجئت بأن هناك برامج للكتابة الإبداعية في الجامعات، معسكرات كتاب، دورات، ورش عمل، مؤلفات بالآلاف لتعليم الكتابة. لماذا يبدو ذلك كله جديدًا عليّ وأنا .. كاتبة لها ستّ روايات؟
بعد ذلك الحوار القصير مع صديقتي، قررت أن أنتبه أكثر لما أفعله أثناء الكتابة. لاحظت أن عملية الكتابة تتضمن سلسلة لا نهائية من القرارات التي يجب اتخاذها، أن الأمر ليس متروكًا للإلهام كليّة، أن الصنعة تشكّل معظم النّص.
في الرواية مثلاً؛ اختيارك لصوت الراوي، جنس الشخصية، عدد الشخصيات، البيئة، معالجة الزمن، ترتيب الأحداث في الحبكة.. كلّها قرارات واعية تتخذها أثناء الكتابة، ورغم ذلك، لم يخطر لي قط أن أنظر إلى الكتابة بصفتها حِرفة.
أعتقدُ بأنّ السبب هو أننا نعيش في مجتمعٍ يمتهنُ المهن؛ لاحظ التشابه بين كلمات مثل «امتهان» و»مهنة» و»مهانة»؟ كيف أستطيع أن أمتهن شيئًا أحبّهُ؟ كنتُ أفضّل، مثل أكثر الكتّاب، أن أتحدث عن الإلهام، الوحي، الموهبة، المعاناة، النبوة. آثرت أن أتحدث عن شعوري بالاصطفاء من قبل الكتابة، وأن أتداول كلمات مثل «القرين» و»شيطان الشعر» و»وادي عبقر».. أيّ شيء كان مسموحًا به، إلا أن أتحدّث عن الجانب الحرفيّ منها؛ الجانب الوحيد الذي يمكن أن نعوّل عليه حتى نتطوّر.
وتعترف بثينة بما يحول بينها وبين أسرار الكتابة فتقول: يبدو أن الشيء الوحيد الذي يحول بيني وبين أن أتطوّر ككاتبة.. هو ولعي الشديد بالكتابة، ولعٌ شبه دينيّ، ولعٌ مقدّس، الأشياء المقدّسة لا تُساءَل؛ لا توضع على منصة التشريح، كنت شغوفة بالكتابة إلى الحدّ الذي حجب عنّي أسرارها.
أقرأ أكثر، فأجد أن ساراماغو، ماركيز، فوكنر، إيزابيل الليندي.. وأغلب العظماء الذين عشقت مؤلفاتهم وطاردتها في المكتبات نظروا إلى الكتابة كحرفة. ماركيز يرى أن الأدب لا يختلف عن النجارة. ساراماغو يعتقد بأن الكتابة وظيفة. كلٌ من فوكنر وإيكو لا يؤمنان بالإلهام. إيزابيل الليندي قدمت ورش عمل في كتابة القصة القصيرة.
هؤلاء، معلمونا المفترضون، لم يجدوا أي حرج من التعاطي مع الكتابة بصفتها حرفة، بالإضافة إلى كونها شغفًا. تغيّرت طريقة تفكيري. أصبح بإمكاني أن أنظر إلى الجانب الحرفي من الكتابة، من دون أن أشعر بأنني أخونُ الكتابة، أو أحبّها أقل. أصبحتُ – على العكس – أكثر شغفًا بفهمها ودراستها. قررت أن أجرب الأمر بنفسي، وصممت ورشة عملي الأولى في الكتابة في «الكتابة الوصفية».
أثناء ورشة العمل، قمنا بعدة تمارين كتابية، واكتشفت شكلا مختلفا تماما للكتابة، عندما تكون في بيئة خلاقة مع مبدعين آخرين. أذهلني كم النصوص المدهشة التي أنتجها المشاركون في الورشة. أدهشني أيضًا أن الإخلاص كان للنّص وليس لصاحِبه، وأن الكل كان يكرّس جهده من أجل تطوير نصّه ونصوص الآخرين. وأن أدواتنا ككتاب يمكن أن تصقل إلى حدٍ بعيد في ورش عمل من هذا النوع. كنت أعتقد بأن القراءة والعزلة تكفيان الكاتب. بتُّ أؤمن بأن الكاتب يحتاج إلى القراءة، وحد معقول من العزلة، والكثير من التدريب الإبداعي.
بعد نجاح ورشة العمل الأولى شعرتُ بأنّ هذا هو ما أريد فعله في حياتي.. إلى جانب كتابة الكتب، أريد أن أحرّض آخرين على الكتابة.
وتقف بثينة عند النقطة الأهم ألا وهي البداية قائلة: هكذا ولد مشروع تكوين للكتابة الإبداعية، سمّيتُ المشروع «تكوين» لأنني أؤمنُ بأن الخلق الأدبي هو امتدادٌ لقصة الخلق الأولى التي قرأناها في سفرِ التكوين. في البدءِ كانت الكلمة، تقول النصوص المقدّسة. جميع النصوص الإبداعية تبدأ بكلمة. قرأتُ مرة بأننا عندما نقول بأن «الله خلق آدم على صورته» فنحن نقصدُ أنه خلقه مبدعًا وخلاقا. ربما نحن لا نخلق الأشياء من عدم، ولكننا نكون خلاقين ببناء أشياء من أشياء أخرى.
وتضيف: «تكوين» مشروع يحتفي بلحظة الخلق الفني عمومًا، والأدبي على نحوٍ خاص. يحاولُ أن يصنع بيئة خصبة وخلاقة وتشاركية للكتابة، أن يخرج الكاتب من العزلة المتطرّفة ويجعله يتعلم حرفته بشكل أسرع من خلال العمل المشترك.
في البداية كان هدف المشروع هو تقديم ورش عمل في الكتابة الإبداعية. وتذكر العيسى أهم تحديات مشروعها الإبداعي وطريق القفز عليها بقولها: أحد أهم التحديات التي واجهت المشروع هي فقر المحتوى العربي بالمادة المتخصصة في هذا الموضوع. اكتشفت أننا ككتاب عرب لم نتعود على مناقشة العملية الكتابية، بل مناقشة مخرجاتها من قصة وقصيدة ورواية. وتحفظنا على مناقشة العملية الكتابية ربما يعود إلى خوفنا من مغادرة عزلتنا الآمنة، ونمط العمل الفردي الذي اعتدنا عليه. لكن تخيلوا إلى أي حدٍ يمكن للأدب العربي أن يتطوّر لو أن الكتاب فتحوا هذه النوافذ بين بعضهم بعضا، وسمحوا بمناقشة مثل هذه الأمور؟ صار واضحا منذ البداية أنه يجب على المشروع أن يساهم في تغذية المحتوى العربي بمواد متخصصة في الكتابة الإبداعية. فتحنا باب التطوّع، وكل يوم ينضم إلينا شخصٌ جديد، متطوع تمامًا لخدمة الأدب، يعمل على توفير مادة متخصصة في الكتابة الإبداعية، إما بالترجمة، أو التحرير.
خلال أشهر قليلة نجحنا في ترجمة كتاب «لماذا نكتب» لميريديث ماران. ونكاد ننجز الآن كتابنا الثاني «الزن في فن الكتابة» لراي برادبيري. ويضم موقعنا الإلكتروني مئات المقالات والمقابلات والنصوص المتخصصة في الكتابة الإبداعية. ولأنه عمل تطوّعي، تنازل المترجمون جميعًا عن حصتهم من مبيعات الكتاب لصالح تعليم طفل عربي. عندما أخبرت الناشر (الدار العربية للعلوم) عن قصة الكتاب، وأن فريق الترجمة قرر أن يقوم بهذا الأمر من دون مقابل.. فاجئني الناشر بأنه تنازل أيضا عن المداخيل الصافية المتحققة من مبيعات الكتاب لصالح تعليم طفل. لقد انتقلت فكرة العمل التطوّعي، إلى الناشر في بيروت الذي في العادة يقيس الأمور بمقياس الربح التجاري.
لأول مرة في حياتي أشعر بأن الثقافة يمكن أن يكون لها تأثير مادي ملموس على الواقع.
وتسترسل العيسى: عادة ما نقول بأن للأدب والفن تأثيرا غير مباشر على حيواتنا ومصائرنا. بأنه لا يحدث تغييرا صريحا وفجائيا في الأشياء. له «أثر الفراشة» كما نقول.. لكن هذه المرة استطعنا أن نصنع للعمل الثقافي والأدبي تأثيرًا محسوسًا على مصائر آخرين.
يمكن لكتابٍ ترجمه مجموعة من الشباب المتطوّعين أن يضمن لطفل مقعدًا دراسيًا لسنواتٍ كثيرة. وإذا كان العالم كله يتوجّه نحو الدمار والحروب والانقسامات، فربما يساهم كتابنا هذا في إنقاذ جزء من العالم، من خلال إنقاذ مستقبل طفل. بعد أن أدهشتني السهولة والبساطة التي تمّ إنجاز كتابنا الأول، تساءلتُ.. لماذا لا تكون هذه بداية لتجارب شبيهة؟ تشكيل فرق عمل تعمل على ترجمة مؤلّف يضيف إلى المكتبة العربية.
كم ستتقلص هذه الفجوة المعرفية والحضارية لو أن فرق عمل تطوعية، تتعاون في ما بينها مستفيدة من قنوات التواصل الاجتماعي، من أجل ترجمة كتب تشكل إضافة حقيقية للمكتبة العربية؟ وكم عدد الأطفال الذين يمكننا إنقاذهم من الفقر والجهل لو صبّت مداخيل هذه الكتب في مشاريع تعليمية وتنموية؟
أقفُ أمامكم اليوم وأنا أدعوكم لاستنساخ التجربة.. اختر كتابًا في المجال الذي تحبّه. شكل فريق عمل. ترجمه وأطلقه في المكتبة العربية، اجعل العالم مكانًا أفضل.
وفي ختام حديثها المليء بالشجن لم تنس فريق العمل الذي ساهم في الانحياز لمشروع «تكوين» وواجه التحديات معها ليظهر للنور فقالت: أما بالنسبة لي.. فأنا فخورة جدًا جدًا بأن أتقدّم بعميق الامتنان لفريق «تكوين» التطوّعي الذي عمل معي منذ العام الماضي لإنجاح المشروع. شباب وشابات من السعودية ومصر والعراق وفلسطين والكويت ولبنان.. شاركوا في ترجمة كمّ هائل من المواد خلال فترة قصيرة. أشكرهم واحدًا واحدًا؛ وأشكر الذين قدموا لنا ورش عمل في الشعر والرواية، والذين دعموا المشروع في قنوات التواصل الاجتماعي ليصبح للمشروع عشرات الآلاف من المتابعين حول العالم.
وأشكر الفريق الإداري؛ فيصل الرحيل، محمد السالم، يوسف العبدالله، فيصل الحبيني، وخالد الأنصاري.
منى الشمري