لندن ـ «القدس العربي»: بدت تحركات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مجال السياسة الخارجية متوافقة مع بعض ملامح السياسة الخارجية لإدارة باراك أوباما بما في ذلك الحاجة للحد من النشاطات الاستيطانية وانسحاب القوات الروسية من شبه جزيرة القرم وتهديد إيران بفرض عقوبات لاختباراتها الصواريخ الباليستية.
وكان ملاحظا التغير في اللهجة الأمريكية من الاستيطان حيث ترى أنه «لا يساعد» على تحقيق السلام. وبعدما قال ترامب وفريقه إنه لا يقف عقبة أمام السلام وأدى هذا لجرأة من الحكومة الإسرائيلية التي سرعت عمليات الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وفي اوكرانيا قالت سفيرة أمريكا بالأمم المتحدة نيكي هيلي إن العقوبات على روسيا لن ترفع طالما لم تنسحب القوات الروسية من شبه جزيرة القرم. مع أن تحسين العلاقات مع روسيا كان من أهم الشعارات التي رفعها ترامب في أثناء حملته الانتخابية.
وظل العامل الروسي واضحا في الانتخابات الرئاسية، سواء من خلال عمليات القرصنة الالكترونية أو ما ورد في ملف يثير المخاوف من أثر الروس على الرئيس الجديد.
وبدت هيلي في خطابها يوم الخميس وكأنها تتحدث مثل سابقتها سامنثا باور عندما أكدت على المواقف المتشددة من روسيا وضرورة الحفاظ على نظام العقوبات الذي فرضته أمريكا مع حلفائها الأوروبيين في عام 2014.
وعلى خلاف الإدارة السابقة اتخذت الإدارة موقفا متشددا من إيران حيث بدا هذا واضحا من تصريحات مايكل فلين، مستشار ترامب للأمن القومي وكذا الرئيس نفسه الذي قال إنهم يرسلون تحذيرات لإيران التي تمارس دورا تخريبيا في المنطقة وتشعر بالجرأة بعد توقيع الاتفاق النووي.
ومع ذلك لم تبد الإدارة استعدادا لتمزيقه رغم وصف ترامب له بالاتفاق السيئ. وستقوم الإدارة الأمريكية بالإعلان عن عقوبات على إيران بسبب الاختبارات الصاروخية التي قامت بها يوم الإثنين والاعتداء على فرقاطة سعودية يوم الأحد.
وفي هذه فلن تكون عقوبات الإدارة فاعلة لأن الشركات التي تزود إيران بقطع الصواريخ ليست أمريكية ولأن حلفاء أمريكا الأوروبيين لن يقوموا بفرض عقوبات مماثلة.
واعتبر علي أكبر ولايتي، أحد مستشاري المرشد الأعلى عقوبات جديدة تهديدات فارغة. ويخشى خبراء أن الولايات المتحدة ليست لديها القدرات العسكرية الكافية كي تدعم عقوبات من هذا النوع.
ويعتقد ديفيد آرون ميللر، الزميل الباحث بمركز وودرو ويلسون أن إدارة ترامب حددت «خطها الأحمر» أرادت أم لم ترد «وعندما تقوم إيران باختبارات صاروخية فعلى الإدارة تنفيذ وعدها أو تسكت».
لا يمكن تغيير السياسات
وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن الإدارات الجديدة عادة ما تفشل وبشكل جذري في تغيير السياسات الخارجية التي تبنتها الإدارة السابقة لأن فن إدارة الدولة يختلف عن الحملات الانتخابية.
وقد تتغير مواقف اليوم في المستقبل مع أن إدارة ترامب قلبت رأسا على عقب عددا من المواقف المتعلقة بالتجارة والهجرة ومنع مواطني 7 دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة وفي العلاقة مع المكسيك.
وتلاحظ الصحيفة أن التحولات في المواقف كانت كاملة وبعد عدد من المكالمات الهاتفية الصاخبة التي عرضت علاقات الولايات المتحدة للخطر.
الاستيطان
وفي الوقت الذي قدم فيه نفسه كمدافع عن إسرائيل والاستيطان جاء بيان البيت الأبيض ليقول إن ترامب لم يعلن عن موقف منه وأنه سيناقشه عندما يلتقي بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي في 15 شباط/فبراير الحالي والذي شعر بالجرأة بعد انتخاب ترامب وأعلن عن 5.000 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة والقدس الشرقية.
وتعتقد الصحيفة ان ترامب غير موقفه بعد لقائه مع العاهل الأردني عبدالله الثاني على هامش «إفطار الصلاة الوطني» (وهي مناسبة سنوية تعقد في أول خميس من شباط/فبراير وبدأت عام 1953 ويلتقي فيها المسؤولون الكبار في الدولة).
وكان لقاء قد وضع الملك في مقدمة من التقى الرئيس الأمريكي قبل نتنياهو. ويظهر الموقف الجديد من الاستيطان خاصة عبارة «خارج الحدود الحالية» عودة إلى سياسة جورج دبليو بوش التي حددها لأرييل شارون عام 2004 والتي اعتبر فيها أن إسرائيل يجب أن لا تتخلى عن المستوطنات الكبيرة ولكن سيتم حل الوضع من خلال الاتفاق المتبادل وتبادل الأراضي مع الفلسطينيين.
ووعد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس إلا أن البيت الأبيض ليست متعجلا للأمر للخوف من اندلاع العنف.
المعتدلون
وتزامن التحول في الموقف مع وصول ريكس تيلرسون لوزارة الخارجية وجيمس ماتيس وزير الدفاع إلى كوريا الجنوبية واليابان حيث يعتقد أن هذين المسؤولين يستطيعان التأثير على ترامب وتغيير مواقفه وموازنة تأثير الكادر المتشدد في البيت الأبيض.
وجاءت تحولات الإدارة بعد اسبوع مضطرب تخاصم فيه ترامب مع قادة أستراليا والمكسيك. ولاحظ ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» إن ترامب استهدف دولة يعارضها الكثير من حلفاء الولايات المتحدة، كما أنه بدأ المواجهة بدون أي تحضير أو تخطيط استراتيجي مواصلا الأسبوع الاول من تصرفاته غير المنضبطة. ويرى إغناطيوس أن إيران تعتبر عدوا مقنعا لكل من إسرائيل ودول الخليج التي تشارك الإدارة كراهيتها لإيران.
ويواجه الرئيس الأمريكي اليوم تحديا عندما تحاول روسيا، الحليف الوحيد لإيران، تحسين علاقاتها مع واشنطن، بشكل يمنحها مساحة للتأثير، خاصة أن بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين والعرب يعتقدون أن روسيا قد تقبل بمحددات على السلوك الإيراني كثمن لتقاربها مع الولايات المتحدة وهو رأي لا يتفق معه آخرون.
ويرى هؤلاء أن مواجهة إيران تحمل الكثير من المخاطر، منها تعريض حياة آلاف من القوات الأمريكية في العراق ومنطقة الخليج للخطر.
وأشار إغناطيوس إلى عدم التنسيق بين البيت الأبيض والقيادة المركزية التي تشرف على عمليات الشرق الأوسط وآسيا. فعندما أطلق فلين تصريحاته عن التصرفات المزعزعة للاستقرار لم تعرف بها القيادة المركزية التي اكتفت بوصف ما قاله بأنه متعلق بالسياسات لا التنفيذ ولهذا لم تغير من مواقفها العملية.
ويضيف الكاتب أن المسؤولين الإيرانيين ردوا على التصريحات الأمريكية بوابل من الخطاب المضاد حيث وصف المتحدث باسم الخارجية كلام فلين بـ «المعاد ولا أساس له»، ولم تشر التصريحات الإيرانية إلى أن الاتفاق النووي يواجه خطرا.
وتحظى محاولات ترامب للحد من نشاطات إيران المتشددة بالمنطقة بدعم واسع فيها ومن ضمنها الدول التي دعمت الاتفاق النووي.
وتعتقد معظم الدول العربية أن إيران تلعب دورا يؤثر على استقرار الأنظمة في الشرق الأوسط. فالجماعات الوكيلة لها تسيطر على بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
ويعلق مسؤول أمريكي بارز على التصريحات الجديدة من الإدارة «لا أعتقد أننا سنرد على الاستفزازات القاتلة بشن حرب»، مشيرا إلى أنه بالإضافة لضرب السفينة السعودية يقوم الحوثيون بتلغيم مضيق باب المندب.
ومع ذلك يقول مسؤولون في السياسة الخارجية من أية محاولة لاحتواء إيران تحتاج لتخطيط وتنفيذ جيد. فإيران تعتبر عدوا شديدا رغم عزلتها السياسية. فأي مواجهة معها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار موقف إيران في سوريا والعراق وقدرتها على إحباط تعهدات ترامب بسحق تنظيم «الدولة» (داعش).
وعلق مسؤول جمهوري في شؤون السياسة الخارجية إن الإدارة «أرادت إرسال رسالة وليست لديها أية فكرة عما تعني». وبعد أسبوعين في السلطة لا تزال هناك مناصب شاغرة مهمة في مجال الأمن القومي.
سوريا
ويضرب الكاتب سوريا كمثال. فرغم عدم حب الإدارة الجديدة استراتيجية باراك أوباما فليست لديها أية بديل. ويقول إغناطيوس إن فريق ترامب فكر بالشراكة مع روسيا وحتى الاتصال مع نظام بشار الأسد. ودعا مسؤولون في المعارضة الولايات المتحدة العمل مع روسيا (وبشكل ضمني، نظام الأسد) والعمل معا ضد تنظيم «الدولة».
ونقل عن أحد مسؤولي المعارضة قوله إن هناك أملا بقيام موسكو للحد من عمليات 5.000 من الميليشيات المدعومة من إيران. ومع ذلك فالأخيرة لديها نقاط قوية، فهي مؤثرة في العراق.
ومع اقتراب عملية تحرير الموصل فيمكن لطهران أن تعبئ ميليشياتها في كل أنحاء العراق. وبهذه الطريقة سيتعرض المستشارون الأمريكيون للخطر وهجمات انتقامية يقوم بها حلفاء إيران.
وكشف الكاتب عن التعقيد الذي وصلت إليه الحرب السورية وبدا من تصريحات أحمد الجربا الذي قاد الإئتلاف السوري سابقا وجاء فيها إن مجموعته المكونة من 3.000 مقاتل يتلقى أفرادها تدريبات على يد القوات الخاصة الأمريكية إلى جانب المقاتلين الأكراد تحضيرا للهجوم على الرقة. وقال إن علاقة جماعته «متوازنة» مع روسيا. رغم الشراكة التي تربط موسكو مع إيران والأسد.
ويقول إن محاولة تعديل مواقف إيران كانت سياسة أمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979. وربما رحب العرب والإسرائيليون بموقف ترامب المتشدد من إيران إلا أن الأخيرة تعتبر من أكبر التحديات التي ستواجه الرئيس الأمريكي ويجب أن يكون حذرا حتى لا تقوده أفعاله إلى كارثة «خليج الخنازير» جديدة.
اللوم على الطرفين
وفي افتتاحية «نيويورك تايمز» أشارت فيها إلى أن اللوم يقع على الولايات المتحدة وإيران في اشتعال الأزمة. وكانت الاختبارات الصاروخية مستفزة في ضوء التشوش والعقم الذي ساد إدارة ترامب في أسبوعها الأول. فقد كان المسؤولون في إيران يعرفون أن اختبار صواريخ شهاب طويلة ومتوسطة المدى سيثير غضب أمريكا والدول الأخرى في منطقة غير مستقرة وستعطي الرئيس المندفع المبرر للرد.
وعلى ما يبدو كان الإيرانيون مصممون على فحص ليس الصواريخ الباليستية ولكن فيما إن كان ترامب سيمزق الاتفاق النووي.
وتناقش الصحيفة أن ترامب الذي عارض اثناء حملته الانتخابية الاتفاق إلا أنه لن يلغيه بسبب الاختبارات الصاروخية. وبدلا من ذلك رمى تحديه الذي يعتبر استفزازا في حد ذاته وربما قاد إلى مواجهة مع إيران. وعلقت الصحيفة على تصريحات فلين وأنها إشارة عن مدخل متشدد تجاه الجمهورية الإسلامية.
ولم يقدم أي دليل عن وجود استراتيجية وراء تحذيراته لإيران خاصة أنها جاءت في وقت لم يبدأ تيلرسون، وزير الخارجية وعضو في مجلس الأمن القومي عمله إلا يوم الخميس.
ولم تبد الإدارة استعدادا لمناقشة موضوع الصواريخ مع إيران بطريقة هادئة. وفي الوقت نفسه لم تنسق الإدارة مع بريطانيا ولا فرنسا والصين وروسيا وألمانيا وهي الدول التي أسهمت في الاتفاق النووي.
وكان لدى ترامب فرصة لمواجهة القضايا الأخرى المتعلقة بإيران لو لم يجمد علاقته مع حلفائه الأوروبيين والصين وروسيا. وتتفق الصحيفة مع تصريحات فلين المتعلقة بنشاطات إيران الأخرى في العراق وما يقوم به حلفاؤها بالمنطقة خاصة سوريا واليمن.
ومع ذلك فالاختبارات الصاروخية لا تعتبر خرقا لاتفاق تموز/يوليو عام 2015 رغم ما جاء في تصريحات فلين. وتقول في النهاية إن على الولايات المتحدة إدارة التوترات مع إيران عبر ممارسة الضغط المناسب بدون فتح طريق للمواجهة معها، فهي تملك مفاتيح عدة بالمنطقة وليس أقلها نظام الأسد الذي يقول تشارلس غلاس إنه ينتصر.
ففي مقال نشره موقع «نيويورك ريفيو أوف بوكس» بدأ فيه بالإشارة إلى «نقطة المليون دولار» وهي حاجز تفتيش يفصل بين مناطق النظام والمعارضة قرب دمشق. ويستخدمها الطرفان من أجل ابتزاز السيارات والشاحنات التي تمر من وسط دمشق إلى الغوطة الشرقية. وهذه هي المنطقة التي عاش فيها نصف مليون شخص قبل الحرب، ومسرح الهجمات الكيماوية عام 2013.
مكان للربح
ومنذ ذلك الوقت تحولت المنطقة ما بين الحكومة ومعارضيها لمكان للربح. ويقول غلاس إن التعاون بين الطرفين أثار دهشة غير العارفين بالمشهد الاقتصادي والسياسي في البلاد. فاللعبة الشديدة بين الحكومة وأعدائها ليست مقتصرة على الغوطة الشرقية بل وعلى مناطق أخرى من البلاد. فإذا رغب الطرفان بالسلام حصل وفي حالة تنافسوا كما في حلب اندلعت الحرب. ولو أردوا تحقيق الربح حصل تعاون فيما بينهم. وعليه فحاجز المليون دولار بين دمشق والغوطة ونقاط التفتيش الأخرى هي التي تقوم بالحفاظ على اقتصاد الحرب. فمن جهة يقوم الطرفان بابتزاز المواطنين المحاصرين ويحصل من خلالها المقاتلون على حوافز لوقف القتال في مناطق ونشر قواتهم في مناطق أخرى.
ويعلق الكاتب أن أحدا لا ينكر فكرة انتصار النظام، وهذا راجع للفرقة وضعف المعارضة. فسياسة المعارضة تقوم على غزو مناطق والسيطرة عليها لمدة طويلة بدون القدرة على ضبط «العناصر المارقة» فيها.
فمن جهة رحب السكان المحليون بالمقاتلين وتسامحوا مع وجود آخرين. وفي كل الحالات فشلت المعارضة بحماية السكان من حصار النظام وهجماته، بدلا من شن حرب عصابات متحركة في داخل المناطق التي احتلتها.
وأدى هذا لتنفير الكثير من السكان المحليين الذين لم يستطع المقاتلون حمايتهم وعرضوا حياة آخرين للخطر. وفشلت المعارضة ببناء تحالف قوي.
كما أن اعتماد المعارضة على الدول الخارجية ـ تركيا والسعودية وفرنسا وأمريكا وبريطانيا جعلها عرضة لقطع المساعدات. وهو وضع تعرضت له منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين في حربها ضد إسرائيل.
المراكز الحضرية
وبعيدا من مشاكل المعارضة يقول غلاس إن القوات الموالية لنظام الأسد سيطرت منذ بداية الأزمة على المراكز الحضرية ذات الكثافة السكنية الكبيرة دمشق واللاذقية وطرطوس وحلب التي استطاعت السيطرة على الجزء الشرقي بدعم من الروس والإيرانيين. فيما استطاع النظام استعادة مناطق حول دمشق من خلال الترهيب والترغيب والحصار. فسجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان وجهازه الأمني يعني أن لديها ملايين من الملفات عن أعدائها وعرفت مناطق ضعفهم.
ففي الوقت الذي كان المفاوضون نيابة عن النظام يقدمون العروض للمقاتلين كانت الطائرات ترسل القنابل على المدنيين. واستخدم النظام الجيش والمخابرات والمخبرين في المناطق المحلية وكذا رجال الدين ورؤوساء البلديات وقادة المجتمع للضغط على المقاتلين. واستطاع النظام تقسيم المعارضة من خلال نظام المصالحة. وحسب مستشارة الأسد، بثينة شعبان «نجحت المصالحة» و»هناك أخرى على الطريق. ونعتقد أنها الطريق الوحيد لإنهاء الحرب».
لكن الأدلة التي جمعها الكاتب وإن أشارت لرجحان كفة الأسد إلا أن الحرب لم تنته فهناك مناطق خارجة عن سيطرة النظام وبيد الجماعات المتشددة، التي تتوفر على قدرات عسكرية ومالية ولا تهتم بمناشدات المواطنين لوقف الحرب. وهي الجماعات نفسها التي لم تشارك في مؤتمر أستانة. وهذا يعني أن الحرب لن تتوقف.
إبراهيم درويش