قبيل نهاية الاسبوع وضع التوتر المتزايد في ظل قصة إخبارية أكبر. تهديد الولايات المتحدة بمعاقبة نظام الأسد على قتل مواطنيه بالسلاح الكيميائي والازمة التي اشتدت في أعقاب ذلك بين واشنطن وموسكو. في العالم الذي يسير الآن مثل فصل في المسلسل التلفزيوني «24» الذي خرج عن السيطرة، رئيس الولايات المتحدة ترامب ما زال هو المخرج المميز. كان يكفي بتغريدة صبيانية تعهد فيها أول من أمس للروس بصواريخ «جميلة وجديدة وذكية» من أجل التوضيح للجميع أنه يوجد لسوريا الآن عرض واحد فقط، حرب ثنائية بين الدولتين العظميين.
المجتمع الدولي في هذه الحالة يصدق ترامب، رغم تصريحاته عن النية بإخراج كل القوات الأمريكية من سوريا فقط قبل اسبوع. بريطانيا تحرك غواصات مع صواريخ إلى الشرق الأوسط، فرنسا مستعدة للقصف العقابي، السعودية تعطي اشارات عن الرغبة في الانضمام وروسيا تخلي طائراتها إلى قاعدة حميميم في شمال غرب سوريا، بعيداً عن جنود الأسد المكشوفين مثل الأوز في مرمى الهدف. والأكثر أهمية هو الهجمات الجوية القاتلة للنظام ضد المواطنين المساكين في جيوب المتمردين، تضاءلت هذا الاسبوع لأن الأسد يستعد للضربة التي سيتلقاها.
روسيا بحثت حتى أمس عن طرق لاقناع الولايات المتحدة بالتراجع أو على الأقل تقليص حجم الهجوم. ترامب في المقابل استيقظ مع مزاج متسامح أكثر وغرد بأن كل شيء ما زال ممكناً، لكنه لم يتعهد بتواريخ. على كل حال، هناك شك إذا تحقق الهجوم الأمريكي، أن يكون عملية تغير الواقع. ترامب قصف سوريا ايضا قبل سنة ولم يتغير أي شيء. وحتى الآن يبدو أن هناك أهمية معينة مخفية في الرد الجزئي والمتأخر جداً للغرب على الفضائح التي يرتكبها الرئيس الأسد.
في الاحداث في سوريا، كما كتب هذا الاسبوع العميد (احتياط) اساف اوريون، والجنرال (احتياط) عاموس يادلين وأعضاء معهد أبحاث الامن القومي، تتكتل هنا مع ثلاثة تطورات متوازية: الرد العالمي على المذبحة الكيميائية التي نفذها نظام الأسد، معارضة إسرائيل لتمركز إيران في سوريا بصورة غير مباشرة، والقرار الأمريكي التخلي عن الاتفاق النووي مع إيران في منتصف أيار/مايو. أعضاء الكابنت الذين اجتمعوا أول من أول استمعوا من رجال الاستخبارات إلى تقدير يقول إن ترامب مصمم على الهجوم، وبنفس الدرجة، إيران معنية بالثأر من إسرائيل على قصف القاعدة الجوية في «تي 4» قرب حمص في بداية الاسبوع.
«إيران ليست سوريا»، قال أمس مصدر كبير في حرس الثورة الإيراني، علي شيرازي. «إذا أرادت إسرائيل الوجود لبضعة ايام قادمة فعليها التوقف عن لعبة الاطفال هذه. توجد لإيران قدرة على تدمير إسرائيل، وعندما يعطى السبب لذلك، فإن تل ابيب وحيفا ستمحى عن الوجود». في هذه الاثناء وبصورة رسمية، إسرائيل تواصل تجاهل ادعاءات طهران وموسكو بشأن مسؤوليتها عن الهجوم، الذي قتل فيه سبعة مستشارين إيرانيين وتم تدمير بنى تحتية ووسائل قتالية.
تهديد مباشر
على التهديد الجديد من إيران ردت إسرائيل بإشارات حول قدرتها على أن تضر بشدة الوجود العسكري الإيراني في سوريا، في صحيفتين ومن قبل مصدر أمني رفيع المستوى، وأيضاً تهديد مباشر لتصفية نظام الأسد وحتى الرئيس نفسه. درجة فاعلية التفاخر الاخير تم المس بها قليلا على خلفية البقاء الطويل لزعيم حماس اسماعيل هنية.
مع ذلك، يبدو أنه في المواجهة مع إيران في سوريا تبث القيادة الإسرائيلية، من رئيس الحكومة فما دون، عدوانية استثنائية. بنيامين نتنياهو الذي في هذه الحالة (خلافا للخلاف حول المشروع النووي الإيراني) مدعوم بشكل كامل من المستوى المهني، مصمم على عدم تمكين طهران من تحويل سوريا إلى لبنان ثان. حدود طويلة مع إسرائيل على طولها تنتشر قوات بتمويل إيراني، في الوقت الذي تتراكم فيه في عمق المنطقة ترسانة من الصواريخ والقذائف. ادعاء نتنياهو هو أن إسرائيل، بداية في عهد سلفه اهود باراك، اخطأت لانها لم تحبط عمليات تهريب آلاف الصواريخ لحزب الله، خلافا لقرار مجلس الامن 1701، يجب عدم تكرار هذا الخطأ، حسب رأيه. وزير الدفاع افيغدور ليبرمان اعلن في هذا الاسبوع أن إسرائيل ستوقف تمركز إيران في سوريا. «مهما كان الثمن». عندما يتحدث الدبلوماسيون الاوروبيون في هذا السياق ويمتدحون الصبر الاستراتيجي واستغلال قنوات سياسية، فإن محدثيهم في إسرائيل يردون بالرفض. يبدو أنه في كل ما يتعلق بالشمال فإنه يسود في القدس مزاج ترامبي تقريبا، وهو متأثر كما جاء، ايضا مما يجري في الساحتين الأخريين، ترامب ضد الأسد وبوتين والولايات المتحدة ضد الاتفاق النووي.
لقد سبق الهجوم على القاعدة الجوية «تي 4» هذا الاسبوع على الاقل ثلاث هجمات نسبت لإسرائيل، منذ أيلول/سبتمبر الماضي، ضد مواقع كان فيها تواجد إيراني واضح. ولكن «تي 4» كانت اكثر من ذلك. القاعدة توجد على بعد اكثر من 250 كم عن الحدود الإسرائيلية وهوجمت في الوقت الذي كان فيها ضباط كبار إلى جانب أنظمة قتالية. ليس هناك لدى طهران أي بديل سوى أن ترى في ذلك استعراض قوة إسرائيلياً، عملياً واستخباراتياً إلى جانب إعطاء إشارات نحن لن نسمح لكم بأي شكل التمركز في سوريا، في كل الاراضي السورية. القرار الإيراني بالاعلان عن قتلى ونشر اسمائهم، والتهديد الذي جاء في اعقاب ذلك، لا يترك أي مجال للشك. طهران تنوي القيام بهجوم عقابي.
من أجل محاولة تقدير ما هو متوقع حدوثه، يمكن العودة إلى احداث كانون الثاني/يناير 2015، في ذروة فترة شمس شتاء. حسب ادعاء إيران وحزب الله، إسرائيل هاجمت في حينه جواً قافلة كان يسافر فيها جهاد مغنية، ضابط حزب الله (وإبن الشخصية الكبيرة من المنظمة الذي قتل في دمشق في 2008) مع جنرال إيراني من حرس الثورة. سبعة اشخاص قتلوا في تلك الحادثة قرب القنيطرة في هضبة الجولان. بعد عشرة أيام جاء الرد، كمين لحزب الله يقع على الاراضي اللبنانية شمال قرية الغجر، تم فيه اطلاق صواريخ مضادة للدبابات على دورية للجيش الإسرائيلي قرب منحدرات هار دوف. ضابط وجندي من لواء جفعاتي قتلا، لقد نجا جنود آخرون في القافلة لأنهم تمكنوا من القفز من المركبة قبل الاصابة.
ميزان القتلى، جنديان إسرائيليان وسبعة اشخاص من الطرف المعادي، مكن المستوى السياسي في إسرائيل من انهاء التوتر رغم الثمن. إن معرفة أن استمرار تبادل اللكمات يضع الطرفين على شفا خطر حرب حقيقية، ساهم في ضبط النفس. ولكن توجد هنا نقطة هامة أخرى. هناك أحد في سلسلة قيادة حزب الله قرر اطلاق سبعة صواريخ على الاقل. أي أنه قد استعد لذلك، سواء بمعرفة المسؤولين عنه أو بقرار شخصي، لقتل عدد اكبر بقدر الامكان من الجنود. مع نتيجة كهذه، ازاء الاساسية البالغة التي يرد بها المجتمع الإسرائيلي اليوم على خسارة الجنود، كان يمكن اندلاع حرب.
النتيجة المطلوبة من ذلك هي أنه للمسؤولين في الطرفين هناك صعوبة في السيطرة الكاملة على ارتفاع اللهب. الحرب ليست علماً دقيقاً والمستوى التكتيكي لا يؤثر بالمرة على المستوى الاستراتيجي في ظروف ليس بالامكان توقعها مسبقا. عمليا، التكتيك يؤثر على الاستراتيجية. إسرائيل تتفاخر بنضال ناجح والذي شمل حسب شهادتها عشرات الهجمات الجوية ضد قوافل ومخازن سلاح في سوريا، كانت مخصصة لحزب الله في لبنان. النجاحات العملياتية هذه خلقت لدينا بمستوى معين الشعور بأن سماء سوريا هي منطقة مباحة. ولكن جيش سوريا يستيقظ بدعم روسي بعد انتصاره في الحرب الاهلية، هذا كان الرسالة التي أرسلها النظام عند إسقاط طائرة أف 16 الإسرائيلية في يوم القتال السابق في الشمال في 10 شباط/فبراير. إيران من شأنها أن ترسل الآن رسالة خاصة بها وحول نفس الموضوع.
مرحلة الاسئلة
كل هذا يثير التساؤلات بخصوص فهم الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في الشمال. هل من المنطقي توقع أن الخط الاحمر ضد تمركز إيران يشمل كل الاراضي السورية وليس جنوب الدولة، مثلا، حوالي 50 ـ 60 كم عن الحدود في هضبة الجولان؟ هذا هو الخط الذي حاولت إسرائيل فيه جعل الدول العظمى تتمسك به في الاتفاق على تقليص الاحتكاك في جنوب سوريا في السنة الماضية، وحتى في حينه تم الرد عليه بالرفض. وتثور أيضاً أسئلة أخرى: هل يوجد لنا حق مقدس للقصف في كل الاراضي السورية، الذي علينا يتوجب الحفاظ عليه بكل ثمن؟ هل النجاح التكتيكي المؤثر لم يعمل على ادارة رأس المخططين والمقررين قليلا؟ هل المقاربة بالسير على الحافة ضد إيران في سوريا مبررة، حتى بثمن اندلاع الحرب، كما يعتقدون في مكتب رئيس الحكومة؟ هناك ما نفكر فيه ايضا بشأن الميل الإسرائيلي المتعاظم لرؤية قوة واحدة في إيران، بحيث لا يتم اعطاء اهمية للتوتر بين حرس الثورة المتطرف وبين الرئيس حسن روحاني الذي هو غير راض عن التورط العسكري في ارجاء الشرق الاوسط.
أول من أمس تحدث نتنياهو هاتفيا مع الرئيس الروسي بوتين. محادثة مشابهة ايضا جرت بعد الحوادث الجوية في شباط/فبراير. حسب الكرملين، بوتين طلب هذه المرة من نتنياهو الامتناع عن ضعضعة الوضع في سوريا، رئيس الحكومة كرر وعده بمنع تمركز إيران في سوريا.
أساف أوريون يقدر أن المحادثة إلى جانب الهجوم الأمريكي المخطط له ضد الأسد، يمكنها المساعدة في تهدئة النفوس بين إيران وإسرائيل. حسب اقواله «احتجاج روسي يشير إلى إسرائيل بأن حرية عملها في سوريا يمكن ان تتقلص، إيران من ناحيتها يجب أن تسأل نفسها إذا كان هذا هو الوقت المناسب للتصادم مع إسرائيل، حيث من جانب تقوم إسرائيل بتهديدها بضربة قاسية أخرى، ومن جانب آخر ترامب سيقوم بمهاجمة الأسد ومناقشة التخلي عن الاتفاق النووي». اجتماع هذه الازمات في لحظة زمنية واحدة من شأنه أن يحث طهران على التفكير مرتين حول طابع وتوقيت ردها.
هآرتس 13/4/2018