لندن ـ «القدس العربي»: كتبت صحيفة «إندبندنت» عن ما سمتها «الكتيبة الأجنبية» التي تقاتل إلى جانب الأكراد في شمال العراق.
وتشير إلى ظاهرة تطوع الكثير من الأجانب لقتال تنظيم الدولة الإسلامية مع أن الكثير منهم لا خبرة عسكرية لديه.
ونقلت عن أحد المتطوعين الأمريكيين «سكوت» الجندي السابق الذي شاهد الحرب من بيته في مينوسيتا الأمريكية وقرر التطوع مع المقاتلين الأكراد البيشمركة قبل ستة أشهر.
وفي الوقت الذي يتدفق فيه الكثير من المتطوعين الأجانب للقتال مع تنظيم الدولة وسط مخاوف من عودتهم إلى بلادهم وقد تمرسوا بالقتال والحرب، فعلى الطرف الآخر بدأت أعداد تصل إلى للقتال مع الأكراد الذين يقولون إنهم ليسوا بحاجة لمقاتلين ولكن أسلحة.
وتنقل الصحيفة عن سكوت «أشعر بالقرف مما شاهدت ولهذا قررت فعل شيء».
ويضيف «شاهدت عمليات الذبح المتكررة وسمعت عن استرقاق النساء وشعرت أن ما فعله الأمريكيون الذي قاتلوا هنا سيكون بلا قيمة ولهذا قررت التحرك وعمل شيء».
وسكوت هو واحد من عشرات المتطوعين الذين وصلوا للمناطق الكردية بعضهم قاتل سابقا في العراق وأفغانستان وعانوا من مشكلة التكيف مع الحياة في وطنهم، أما البقية فلا خبرة لديهم في القتال. فرفقة القتال وفرصة المشاركة في نزاع جديد دفعت هؤلاء لمساعدة الأكراد ضد تنظيم الدولة. وتشير الصحيفة إلى محل للوشم في مدينة إربيل حيث عرض صاحب المحل وشما رسمه لتسعة مقاتلين أجانب ويظهر تاجا بشمس صفراء اللون ونقش للعلم الكردي خلف جمجمة وبندقيتين.
وطلب مقاتلان أجنبيان وشما مكتوب عليه «نادي ملاحقة داعش». ويلقى الأكراد دعما جويا من طيران التحالف الدولي ضد الجهاديين.
ففي العام الماضي بدأت الولايات المتحدة غارات ضد تنظيم الدولة الذي وصل أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق واستطاع مقاتلو البيشمركة الذي تراجعوا في البداية أمام مقاتلي تنظيم الدولة إعادة تنظيم أنفسهم واستعادوا عددا من المناطق التي سيطر عليها الجهاديون.
نريد السلاح لا الرجال
وترى الصحيفة أن الموقف الرسمي الكردي من المقاتلين الأجانب هو عدم السماح لهم بالقتال على الخطوط الأمامية.
ونقلت محطة كردية عن هيلغرد حكمت المتحدث باسم وزارة شؤون البيشمركة قوله «البيشمركة هم قوة قتالية محترفة».
ومع ذلك فقد انضم المقاتلون الأجانب إلى البيشمركة والميليشيات المسيحية التي تقاتل في العراق وسوريا ولا يعرف عدد هؤلاء المقاتلين بالضبط.
وتحدثت الصحيفة مع سكوت الذي كان يقاتل على الجبهة الأمامية حيث قال «لا يبعد تنظيم الدولة عنا سوى ميل واحد ونشاهد صفوفهم ويطلقون النار علينا في كل ليلة».
ويضيف «شاهدت أمس دبابة وعربتي همفي كانت تحاول تعزيز الدفاعات الأمامية حول المدينة. ولسوء الحظ ليس لدينا غطاء جوي لتدميرها».
وتقوم قوات التحالف بتوفير التغطية الجوية للبيشمركة، وفي نهاية الأسبوع الماضي شن طيران التحالف 38 غارة على مواقع الجهاديين لكن مقاتلي البيشمركة يشتكون من عدم انتظامها.
ويحمل سكوت وزملاؤه أسلحة خفيفة وتدعمهم المدفعية. وقتل قبل فترة ثلاثة من مقاتلي البيشمركة وهم يحاولون التقدم باتجاه بلدة يسيطر عليها الجهاديون. ويقول سكوت «البيشمركة هم مثل العائلة» مضيفا أنهم بحاجة للسلاح لا الرجال.
شكوك
وفي قاعدة عسكرية يرن هاتف العقيد طارق أحمد علي بالرسائل الهاتفية من رجال في الولايات المتحدة وبريطانيا راغبين في الانضمام للبيشمركة، ولديه 16 متطوعا معظمهم من الولايات المتحدة وكندا تطوعوا للقتال في وحدته مع أن عددا منهم الآن في إجازات.
ومن يرغب في التطوع يتصل بالمتطوعين الذين وصلوا إلى كردستان أو يتصلون به عبر صفحته في الفيسبوك ويقوم العقيد علي بتمرير الطلبات لوزارة البيشمركة.
ويقول العقيد علي إن أداء المقاتلين الأجانب مثير للإعجاب ويتصفون بالشجاعة حيث تعرضوا مع قوات البيشمركة لهجمات تنظيم الدولة وأصيب بعضهم بشظايا، ومع ذلك لديه الكثير من التحفظات حول دوافع انضمامهم لقواته «أعتقد أن بعضهم يعاني من مشاكل في وطنه وحضر آخرون لجمع المعلومات».
ويضيف «عندما آخذهم إلى جبهات القتال علي مراقبتهم لأنني لا أعرف كيف سيتصرفون». ويقول العقيد علي إنه أعاد مقاتلا أجنبيا سأل عن الخمور والنوادي الليلية «سبب الكثير من المشاكل وجاء إلى هنا لقضاء وقت جيد».
وتعبر قوات البيشمركة عن امتنانها لدعم الأجانب إلا أن القتال ضد تنظيم الدولة هو من أجل حماية كردستان التي يأملون حصولها على الاستقلال. «شخصيا» يقول العقيد علي «لا أحب ترك هؤلاء الشبان بيوتهم وعائلاتهم والحضور إلى هنا لكي يموتوا».
وثار جدل في بريطانيا حول الطريقة التي يجب أن يعامل فيها المتطوعون الأجانب مع الأكراد. فقد ذهب بعضهم إلى سوريا وقاتلوا إلى جانب قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي واجه مقاتلي تنظيم الدولة في بلدة عين العرب/كوباني.
وطرح في حينه موقف الحكومة من متطوعين يقاتلون في صراعات أجنبية، خاصة أن الكثير قيل عن تطوع شباب مسلمين مع تنظيم الدولة الإسلامية وصدرت تعليمات وقوانين واقتراحات لسحب الجنسية عمن يثبت مشاركته في الحرب بسوريا مع الجهاديين.
ولم يتم اتخاذ إجراءات ضد من قاتلوا إلى جانب الأكراد. ويقدر عدد الأجانب الذين انضموا إلى الأكراد حوالي 100 وكان كونستاندينوس إريك سكرفيلد (25) عاما أول بريطاني يقتل قرب القامشلي في مواجهات مع تنظيم الدولة.
رفاق في القتال
وتساءل مايكل ماكفوي في تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» في 25 حزيران (يونيو) هذا العام عن طبيعة المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي تقريره الذي أعده من الحسكة السورية التقى مع قائد مجموعة من المتطوعين وهو كردي اسمه سوران الذي كان يعمل في حقل لجمع الفواكه في بريطانيا قبل أن يقرر العودة والقتال ضد الجهاديين.
ويقول سوران إن الحرب الأهلية في سوريا وتوسع تنظيم الدولة الذي هدد بالسيطرة على مناطق الأكراد هو الذي دفعه للعودة إلى سوريا والقتال. ويشير ماكفوي إلى إن المتطوعين الأجانب متعددي المشارب: شباب، كهول، متدينون، فوضويون ومحافظون، بعضهم محاربون قدماء وآخرون ناشطون وفنانون ولا رابط بينهم سوى كراهيتهم لتنظيم الدولة وتعاطفهم مع الأكراد.
ومن بين المقاتلين «كمال» وهو الاسم الذي أطلقه الأكراد عليه وكان يعمل مندوب مبيعات في الولايات المتحدة. وقرر بعد هجمات إيلول/سبتمبر 2001 كان من أول الجنود الذين هبطوا في العراق أثناء الغزو عام 2003.
ففي أثناء وجوده في العراق التقى «كمال» مع عدد من الأكراد وأعجب «بطيبتهم وشجاعتهم». وعندما حانت الفرصة للقتال إلى جانبهم كان القرار واضحا « ليس لدي أطفال ولست متزوجا ولا أملك الكثير. ومن السهل الحضور إلى هنا عندما لا يوجد ما يربطك في بيتك».
ويقاتل «كمال» مع الأكراد منذ ستة أشهر وليس لديه خطط للعودة إلى بلاده قريبا، خاصة أنه يحظى باحترام من المقاتلين الأكراد الذين شاهدوه يخاطر بحياته لإنقاذ الجرحى الأكراد. ويرى «كمال» ان اندماجه مع المقاتلين الأكراد جزء مهم من مشاركته في القتال.
ولكن بعض المتطوعين الأجانب لم يندمجوا حسب البريطاني ميسر غيفورد أو «الرفيق باران» الذي قاتل في سوريا قبل العودة إلى بريطانيا. ويقول «آسف هناك شخص أو شخصان غريبان وصلا بموقف خطأ»، «ولا يندمجون مع الأكراد ولديهم هوس للدخول سريعا في قتال تنظيم الدولة. ولا يفهم هؤلاء أنهم عندما يأتون إلى هنا فقتال تنظيم الدولة هو جزء من الحرب. فعليك أن تفهم أنك لا تستطيع التصرف كذئب متوحد. وعليك أن تكون جزءا من حركة». ويقول غيفورد أن المتطوعين الذي يحملون مواقف شاذة لا يطيلون الإقامة. وتعيدهم قوات الحماية الشعبية إلى بلادهم.
ويجد بعض المقاتلين الأجانب صعوبة في الاتفاق مع مواقف حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتبع له قوات الحماية الشعبية، ويعتبر جزءا من حزب العمال الكردستاني المعارض في تركيا. وتنتشر صور زعيم الحزب المسجون في تركيا عبدالله أوجلان على السيارات وفي مكاتب الحزب.
ولأن بعض المقاتلين الأجانب ليست لديهم ميول يسارية كالتي يقوم عليها الحزب فإنهم يشتكون من تدريسهم مبادئ الحزب اليسارية التي انتقاها أوجلان من المفكر الفوضوي الأمريكي موراي بوكتشين عندما يصلون إلى مناطق الأكراد.
وبالنسبة للمتطوعين الغربيين فالسياسة تعتبر أمرا ثانويا. ويظل دور المتطوعين الأجانب ثانويا فقد شاهد سوران الكثيرين منهم يأتون ويعودون إلى بلادهم، ولهذا فتأثيرهم رمزي أكثر من أي شيء آخر ويعرف الكثيرون منهم هذا. وبالنسبة للأكراد فالقتال مرشح للاستمرار لسنوات طويلة وبعضهم قد يموت قبل أن يرى حلمه يتحقق وهو إنشاء دولة كردية.
ويعلق «كودي» وهو متطوع من منطقة ستاتفوردشاير في بريطانيا «في النهاية علينا ان نتحلى بالتواضع» «فهذه هي معركتهم وليست معركتنا وكل ما نقدمه هو التضامن معهم».
حكم ذاتي
وينبع التضامن مع الأكراد من دورهم في قتال تنظيم الدولة ومن المكاسب التي حققوها في الفترة الماضية، حيث تحولوا إلى حلفاء للولايات المتحدة في حربها ضد الجهاديين، وهو ما يفسر المخاوف التركية حيث تتحدث تقارير عن خطط لحكومة أنقرة بناء منطقة عازلة لمنع ولادة دويلة في شمال سوريا تهدد الحدود التركية وتمنح منطقة آمنة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني.
وجاء انتصار الأكراد في تل أبيض التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة ليمنحهم فرصة لربط ثلاثة جيوب كردية مع بعضها البعض في دويلة «روجوفا» تقول صحيفة «دايلي تلغراف» غير معترف بها ونتيجة للتغيرات التي تشهدها خريطة الشرق الأوسط.
وتقول الصحيفة «من شكل من حجم مكتبه والمسؤوليات التي يتولاها تعتقد أن أكرم حسو رئيس دولة» فهو «يتحدث سياسات اقتصادية وضرائب على التصدير وجنود يحرسون الحدود وفرض النظام والقانون وتوفير الأمن لأبناء الدولة».
وتقول إن «روجوفا» دويلة لا يعرف الكثيرين خارج الشرق الأوسط يعرف موقعها على الخريطة. وتقول إن روجوفا هي عبارة عن جيوب ثلاثة، حيث يتجمع الاكراد في عين العرب/كوباني والجزيرة اللتين ارتبطتا بعد سقوط تل أبيض إضافة لعفرين. ويقول حسو الذي يدير الجزيرة «منذ بداية الحكم الذاتي كان هناك تنسيق بين رؤساء الكانتونات الثلاثة»، مضيفا أن «فتح الممر بينها سيجعل من التنسيق أفضل».
ويقوم حسو باقتطاع الضريبة عن الشاحنات والمنتجات التي تنتظر المرور عبر الفرات في طريقها إلى إقليم كردستان.
وتقوم حكومة الدويلة بشراء المحاصيل التي ينتجها المزارعون وتخزنها كي تبيعها في سوريا والعراق. ورغم مظاهر الدولة يرفض الأكراد الحديث عن طموحاتهم علانية من أجل علاقات جيدة مع الغرب وحتى لا يغضبوا تركيا. كل هذا قد يتغير كما يقول مايكل ستفينز المحلل في المعهد الملكي للدراسات المتحدة «في حالة استمرار الأزمة السورية ربما يحصل الاتحاد الديمقراطي على أكثر مما يهدف إليه، وهو كيان مستقل فعليا». وترى الصحيفة أن هذا الكيان سيواجه امتحانا حقيقيا خاصة أن 2.5 مليون نسمة الذين يعيشون فيه هم من العرب والأكراد والمسيحيين. وحالة استقر الكيان فمزاعمه بالديمقراطية والتعددية ستكون محلا للامتحان.
وفي الوقت الذي يزعم فيه حسو أن سياساته تشمل الجميع. فنائبته إليزبيث غوري، مسيحية كاثوليكية إلا أن تقارير تحدثت عن طرد غير الأكراد. وهناك من يتهم حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات الحماية الشعبية بتكميم الأفواه.
ويقول أنور ناسو عضو الحزب المعارض «يكيتي» «لقد اتفقنا على التشارك في السلطة لكن حزب الإتحاد الديمقراطي لم يلتزم بها». وحتى المجلس الوطني الكردي الذي يقيم إئتلافا مع حزب الاتحاد الديمقراطي يشعر بالحنق.
ويعلق ستيفنز «من مصلحة حزب الإتحاد الديمقراطي أن يحكم بالتشارك وإلا فهناك الكثير مما سيخسره».
وبالإضافة لمخاطر تنظيم الدولة فهناك معوقات أخرى قائمة أمام دمج الجيب الثالث وهو عفرين مع عين العرب/كوباني والجزيرة، ونعني هنا النظام الذي لا يزال يحتفظ بنقاط تفتيش وقواعد عسكرية في مدن المنطقة، خاصة القامشلي والحسكة ويواصل دفع رواتب الأساتذة والأطباء. مع أن حسو يؤكد على أن إدارته تعتمد على نفسها «نقوم بالبيع والشراء محليا والمال الذي نحصل عليه ليس من النظام».
فصائل وولاءات
ويعتبر الأكراد في النهاية عاملا مهما في الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط فعسكريا يؤثرون في الحرب ضد تنظيم الدولة.
وكانوا سياسيا عاملا مهما في قلب المعادلة السياسية في انتخابات تركيا الأخيرة حيث دخلوا الانتخابات ولأول مرة في تاريخهم ككتلة حرمت حزب العدالة والتنمية من الأغلبية المطلقة التي تمتع بها طوال السنوات الماضية.
ومع ذلك فتعدد فصائلهم ورؤاهم وولاءاتهم قد تؤخر أو تحرمهم من الدولة التي حرمتهم من دول الحلفاء قبل مئة عام. فمن حزب الإتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي يحكم في كردستان العراق ويتزعمه مسعود بارزاني والقريب من تركيا إلى حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي الذي تديره قبيلة جلال طالباني، رئيس العراق السابق والمقرب من إيران.
وفي تركيا هناك حزب عبدالله أوجلان، حزب العمال الكردستاني، «بي كي كي» الذي خاض منذ عام 1984 حربا دموية مع تركيا لإنشاء منطقة حكم مستقلة في جنوب شرقي تركيا. ويعيش أوجلان المعروف بأبو في سجن تركي معزول منذ عام 1999.
وفي سوريا أشرنا إلى حزب الإتحاد الديمقراطي وفرعه العسكري قوات الحماية الشعبية الذي استخدم الحرب الأهلية لتخطيط منطقة نفوذ له. وهناك المجلس الوطني الكردي وهو إئتلاف لأحزاب كردية سورية وله علاقة وثيقة مع حزب البارزاني.
وينظر إليه كجزء من المعركة مع أوجلان على قيادة الأكراد. وهذه هي أهم أحزاب الأكراد في العراق وسوريا وتركيا، لكن عالم السياسة الكردية معقد مثل أي أقلية مضطهدة فهل تقف خلافاتهم أمام حلم الدولة أم تجبرهم التغيرات الديموغرافية والتهديدات على الوحدة؟
qal
إبراهيم درويش