قررت وزارة التربية والتعليم المصرية حذف اسم وصورة محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق، من كتاب اللغة العربية للصف الخامس الابتدائي، باعتباره أحد الحاصلين على جائزة نوبل، بعد أن كان موجودا ضمن فقرة تضمّ شخصيات عامّة فازت بالجائزة وهما الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، وعالم الكيمياء أحمد زويل.
وبحسب وسائل إعلام مصرية فإن وزارة التربية والتعليم برّرت حذف اسم وصورة البرادعي بسبب «مواقفه العدائية وتصريحاته المحرضة» ضد مصر، وخاصة بعد «ثورة 30 يونيو»، أي الحركة التي نتج عنها استيلاء الجيش المصري على الحكم في 3 تموز/يوليو وأدت إلى خلع الرئيس المنتخب محمد مرسي واستلام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي للسلطة.
التبرير الثاني للحذف، بحسب الوزارة، هو «الحرص على عدم تشتت الطلاب» و»منعاً للخلاف»، لأن التلاميذ «بيدرسوا عنه حاجة وبيسمعوا في الإعلام حاجة ثانية».
تفسير مفردات القول البليغ السابق هو أن طلاب المدارس الابتدائية المصريين يقرأون في مناهجهم المقررة عن البرادعي أنه حاصل على جائزة نوبل للسلام أثناء عمله رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وربّما تمكّنوا، بقليل من الاجتهاد، معرفة أنه قاد جبهة معارضة للرئيس مرسي، وأنه عيّن في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور نائبا لرئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية ولكنه استقال من منصبه الشكليّ احتجاجا على القمع الدموي لاعتصامات ساحتي رابعة والنهضة)، ولكنهم يسمعون في الإعلام هجمات تسيء إليه وتقلّل من شأنه، وهذا سيساهم في «تشتيتهم»!
تذكّر الحادثة الآنفة بقيام مديرية التربية والتعليم في الجيزة بحرق 82 كتاباً معظمها كتب دينية بشكل احتفالي «على أنغام الأغاني الوطنية» بدعوى أن هذه الكتب تحرّض على التطرّف والإرهاب، وأن بعضاً من مؤلفيها ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، مثل رجب البنا ومحمد المدني، وهو ما أثار آنذاك غضباً في أوساط شعبية وثقافية وحقوقية داخل المجتمع المصري، وقد دافعت وكيلة وزارة التربية في الجيزة عن مسؤوليتها عن الفعلة تلك بالتأكيد أن «الإجراءات التي قامت بها كانت بعلم من وزارة التربية والتعليم… والجهات الأمنية».
حاصل جمع الحادثتين، إذا «حذفنا» التبريرات العجيبة التي رافقتها، هو توظيف شأن عامّ يخصّ المعرفة، فيما يجتهد منفذوه في اعتباره، شأناً عامّاً آخر، يخص… الأمن، ويظهر هذا في إشارة أرباب «التربية» و»التعليم» الواضحة في الحادثة الأولى إلى مواقف البرادعي السياسية و»تصريحاته المحرّضة» (على السلطة السياسية الحاليّة)، وإلى «التحريض على التطرّف والإرهاب»، في الحادثة السابقة عليها.
الأسلوب في الحالتين يقدّم نفاقاً استعراضياً للسلطات المعنيّة ويترقّب جزاء على فعلته النكراء، ولكنّ أسوأ ما فيه أن هذا الاستعراض يستهدف التعليم، ويستتبعه للنظام الحاكم، كما استتبعت قبله أجهزة الدولة الأخرى، بدءاً من الجيش والشرطة، وليس انتهاء بالقضاء (العدل) والتعليم (المعرفة).
ما يلفت النظر في حادثة إلغاء اسم وصورة البرادعيّ هو تعميم الإقصاء، فبعد أن كانت السرديّة السلطوية الأساسية لنظام 3 يوليو/تموز هي أن «الإخوان المسلمين» هم أعداء البلد وناشرو التطرّف والإرهاب (والتي يتمّ دمجها، أحياناً، في سرديّة تنظيم «الدولة الإسلامية»، أو فصل الأخيرة وحدها، بحسب ما يقتضيه الموقف الانتهازيّ)، ليصبح كل من ينتقد النظام موضوعا للحذف والإلغاء والتشنيع.
وجود البرادعي مزعج في الحقيقة للسلطات المصرية الحالية فهو يفكّك حكاية مواجهة الإخوان التي بنت عليها شرعيّتها ويوجّه الأضواء إلى حقيقتها الفعلية المبنية على الاستبداد، ولذلك تطاول عليه أدعياء التربية والتعليم وصار لزوماً أن يلغى، ليس من المناهج الدراسية فحسب، بل من التاريخ المصري الحديث أيضاً.
رأي القدس