تونس ـ «القدس العربي»: يبدو أن محاصرة تنظيم الدولة في ليبيا قد بدأ فعليا من قبل أكثر من طرف ليبي، فبالإضافة إلى فريقي طرابلس وطبرق اللذين يخوضان حربا ضد هذا التنظيم، دخل على الخط ما يعرف بـ»مجلس شورى مجاهدي درنة». حيث تفيد الأنباء من هناك بأن تنظيم الدولة قد غادر درنة بعد قتال عنيف مع عناصر تنظيم القاعدة الذين باتوا يسيطرون على المدينة.
فهل بات تنظيم القاعدة جزءا من النسيج الليبي ومن العملية السياسية في بلد عمر المختار خاصة وأن الأنباء تتحدث عن أن مقاتلي مجلس شورى المجاهدين في درنة هم من أبناء المدينة؟ أم أن هؤلاء هم جزء من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة ويقاتلون بالنيابة عن أعضاء هذا التحالف؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون صراعا على المصالح والنفوذ بين القاعدة وتنظيم الدولة انتصر فيها الطرف الأقوى؟
يتحدث بعض المنظرين الإسلاميين ومنهم تونسيون عن تطور حصل في فكر تنظيم القاعدة، وأن هذا التنظيم، بخلاف تنظيم الدولة، سيصبح مستقبلا قادرا على المشاركة في الحكم خصوصا في ليبيا. ويرى هؤلاء أن كثيرا من التنظيمات التي كانت تؤمن في السابق بالعنف كسبيل وحيد لإزاحة الخصوم عن الحكم، باتت اليوم تؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة بعد قيامها بمراجعات عميقة وجذرية.
وقياسا على هذا التطور الذي عرفته بعض الحركات، التي كانت تفجر وتحرق في عقد الثمانينيات وباتت اليوم شريكا فاعلا في الحكم ينزع إلى العمل السلمي، يرى هؤلاء أن فرضية قيام المنتمين إلى القاعدة بمراجعات فكرية أمر وارد أيضا. فكثير من عناصر هذا التنظيم ساهموا في الإطاحة بالقذافي جنبا إلى جنب مع قوى ليبرالية بعضها كان يعيش في المهجر، وتفاعلوا مع هذه القوى وهم مجبرون على ممارسة الحكم بصفة تشاركية ستساهم في تغيير العقليات نحو القبول أكثر بالآخر والإنخراط معه في عملية سياسية لا تقصي أي طرف.
ولعل ما يدعم هذا الطرح هو الحديث عن مشاركة للجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر في القتال الذي دار بين مجلس شورى مجاهدي درنة وتنظيم الدولة. وتمثلت هذه المشاركة في قصف جوي طال عناصر التنظيم وساهم في ترجيح الكفة لصالح جماعة القاعدة وسهل عملية طردهم من المدينة.
لكن في المقابل فإن هناك من يتحدث عن أن الجيش الليبي الموالي لجماعة طبرق كان في صف الطرف الآخر أي تنظيم الدولة. فقد اتهم هذا الجيش بقصف مواقع مجلس شورى مجاهدي درنة كما أنه قصف سجن المدينة ليمكن عناصر من تنظيم الدولة من الهرب للإلتحاق بصفوف المقاتلين، وقد أكد المتحدث باسم الجيش عبد الكريم صبرة هذا الأمر في تصريح له لإحدى وكالات الأنباء.
معقل «المجاهدين»
وللإشارة فإن مدينة درنة اعتبرت من قبل البعض معقل «المجاهدين» باعتبار أنها كثيرا ما تمردت على نظام معمر القذافي، ومن خلال ضمها للكثير من العناصر التكفيرية، لذلك لم يكن مستغربا ان تتم السيطرة عليها من قبل الجماعات التكفيرية. فقد أعلنت المدينة في 2015 إمارة إسلامية دونا عن باقي المدن الليبية ثم تحدث البعض عن إلتحاق سرت وصبراتة بها.
وتبدو الجهود الأممية حثيثة لدعم حكومة فائز السراج خاصة وقد عادت هذه البعثة للعمل من ليبيا بعد أن أقامت لفترة معتبرة في تونس. فلا ترى القوى الكبرى في العالم وكذا دول جوار ليبيا بديلا عن دعم هذه الحكومة وتنفيذ ما تم الإتفاق عليه برعاية الأمم المتحدة للخروج من الأزمة التي طالت وساهمت في اشتداد عود تنظيم الدولة الذي بات قادرا على مهاجمة دول الجوار إنطلاقا من الأراضي الليبية.
وتبدو الضرورة ملحة لإعادة بناء ليبي موحد ومتجانس على أسس متينة ليتولى فرض الإنضباط وليحارب التنظيمات الإرهابية، خاصة بعد أن باتت حكومة السراج حكومة شرعية بعد أن منحها البرلمان الليبي الثقة. ورغم التشكيك في عملية التصويت على الحكومة من قبل البرلمان الممنوع من دخول العاصمة طرابلس إلا أن البعض ينادي بضرورة تجاوز هذه الأمر والإنصراف إلى العمل من أجل إنقاذ ليبيا.
ويرى كثير من المراقبين أن تقوية الجيش الليبي سيجنب بلد عمر المختار تدخلا عسكريا خارجيا غربيا للقضاء على التنظيمات الإرهابية. كما أن هذا الجيش سيدعم الوحدة الوطنية ويقوي الشعور بالإنتماء إلى الوطن الذي يجب أن يكون فوق القبيلة وفوق الإقليم وفوق كل الإعتبارات.
روعة قاسم