في ضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي

حجم الخط
2

أخيرا أقدمت حركة النهضة التونسية على فصل ما بين الدعوي والسياسي في خطوة تناسب تاريخ الحركة وسياق العصر الذي يمر به العالم كله. فقد كانت الحركة الإسلامية التونسية، كما يشهد عليها التاريخ أنها توَجُّه عام لا يستثني في نشاطه أي مجال من مجالات الحياة الحديثة والمعاصرة رغم أن مبرر وجوده الأصلي هو الدين، بما أنها حركة شاملة وأن حزب النهضة حزب شمولي في مقابل نظام سياسي شمولي لا يستثني في قبضة حكمه أي مجال ولا احد.
الحقيقة التي أفصحت عنها حركة النهضة هي أنها كانت تواجه نظاما شموليا كليانيا نواته الصلبة القوة الأمنية، التي استدعت من جانب الإسلاميين تأسيس تنظيمهم الديني على أساس سياسي لا يعرف الفصل ولا يرسم دوائر الاختصاص أو حصرية المجالات. أما السياق الدولي الذي تعاملت معه حركة النهضة والذي برر لها ضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي هو المشهد العام الذي يربط بين الإسلام و الإرهاب التي ترغب القوى العظمى العميقة المتنفذة في إحكام التلازم بين الإسلام والإرهاب كفرصة لإبعاد المعنى العالمي للإسلام وكونه رسالة إلى البشر كافة.
إن الفصل بين الدعوي والسياسي على ما ابتدرته حركة النهضة التونسية هو استمرار شبه أمين لما قام به من قبل حزب العدالة والتنمية في تركيا في عهد الطيب رجب أوردغان، وكذلك الحركة الإسلامية المغربية في عهد زعيمها المرحوم عبد السلام ياسين التي انتهت إلى ضرورة الفصل بين الدعوة الدينية التي بقي يزاولها «العدل والإحسان» فيما اجترح حزب العدالة والحرية المجال السياسي تمكن عبره إلى الوصول إلى الحكم. والتجربة لا تزال قابلة للتطبيق في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية في سياق البحث الخروج من المأزق التاريخي الحاد الذي تواجهه.
وكادت تنجح تجربة الفصل في مصر لولا طيش الانقلاب العسكري ورعونته الذي أغرق مصر في وحل من الفوضى والضبابية والطريق المسدود.
وهكذا، يُرَسم مسار جديد لتاريخ الفصل بين الدعوي والسياسي كإمكان للخروج من معضلة خطيرة عطّلت الأنظمة العربية الحديثة من القدرة على التلاؤم مع حضارة العصر في كافة مقتضياتها وتجلياتها. فقد تبيّن أن النظام السلطوي العربي بنى نظامه الشمولي عبر اغتصابه للدين من المجتمع المدني ومن إمكانية أن يستند إليه لمعارضة نظام الحكم.
ومن هنا، فإن خطوة حركة النهضة التونسية هي توجه سليم في مسار نظرية فصل المجالات والسلطات وتحريرها من القوى المتنفذة ومن التداخل المرهق للفاعلين السياسيين والدينيين والاقتصاديين والاجتماعيين والإنسانيين والإيكولوجيين كل في مجاله واختصاصه.
إن سعي حركة النهضة الإسلامية إلى فصل بين الدعوي، حتى لا تقول الديني، والسياسي متأتي عن تجربة سياسية ودينية وخبرة تاريخية، بدأت من معارضة الحكم الشمولي إلى وصول النهضة إلى السلطة ومن ثم تكون قد وصلت إلى مبتغى العمل السياسي الحديث وهو إمكانية وصول المعارضة الحقيقة إلى الحكم ،و هكذا تكون قد حسمت المسألة الديمقراطية عندما تعني الوصول إلى لحظة تناوب الحكم بين المعارضة والموالاة عبر عملية تبادل المواقع السياسية ويصبح بإمكان الموالاة الخروج إلى المعارضة والمعارضة الدخول إلى السلطة والحكم وتصبح من الموالاة وهكذا دوليك في سيرورة لا تكف عن إغناء رصيد الديمقراطية كأفضل سبيل إلى دعم النظام وترسيخه،و حماية الدولة من الانهيار.
ومن هنا، فإن الفصل ما بين الدعوي والسياسي في الحالة التونسية هي إجراء متأخر عن روح العصر الحديث والمعاصر الذي لا يني يحرر المجالات والفضاءات ويحدد السلطات والميادين خاصة منها التشريعي والتنفيذي والقضائي فضلا عن السياسي والعسكري والمدني والاقتصادي والديني… والدولة بناء على سيرورة الفصل لإمكانية وصل وتواصل أجهزة الدولة ومؤسساتها ليست سلطة مطلقة لا أوتوقراطية أو تيوقراطية التي لم تعد تلبي حاجات العصر الحديث في آخر تطوراته.
فالدولة في مدلولها الحديث هي نظام حكم يهيئ الفضاء للمعارضة من أجل الوصول إلى الحكم، أي نظام حكم لا يحتكر الحكم على ما شهدته الأنظمة العربية التسلطية. وهذا الأسلوب من الحكم هو الذي يؤكد وجود الديمقراطية كثقافة وآلية، والذي يفسح في نهاية المطاف لإمكانية تحرير المجالات وفصل الميادين والسلطات واستقلال الفضاءات والاختصاصات، الضامن السليم لدائمية الدولة ومؤسساتها.
إن المبادرة التي أقدمت عليها حركة النهضة التونسية، في سياق تجربتها التاريخية، هي حركة ترمي إلى المصالحة مع التاريخ في آخر تطوراته وتجديد الإسلام في سياق عالمي يسع رسالة الإسلام للناس كافة في لحظة من أقوى وأنسب اللحظات التاريخية هي العولمة التي يتشكل فيها المجتمع الدولي.
والحقيقة التي يجب إن لا تواريها أية حقائق أخرى أن الإسلام اليوم صار إشكالية أو مسألة مطروحة على العالم بأسره ويعرض على مجلس مداولات الدول كلها من أجل معالجة التطرف والإرهاب والأخلاق والعلمانية والحاجة إلى الدِّين وكيف يجب أن يُفْهم أو ضرورة الوعي بما ينقصنا على رأي آبرماس.
إن الفصل ما بين الدعوي والسياسي يحتاج إلى تجربة يجب إن تكرس على صعيد التسيير والتدبير للشأن العام، ليس في تونس فحسب، بل كل الدول العربية والإسلامية التي مرت بتاريخ القهر السياسي والنظام السلطوي، لأن من طبيعة هذا الفصل أن يفضي إلى إبعاد الدين في ذروته العليا ومدلول السامق الأبدي عن ما هو سياسي كحقل احتمالي متضارب وخلافي يدرج القوى المتصارعة على الحكم وتتحمّل تبعات الإخفاق أو النجاح دونما توريط الدين في ذلك. الدين رسالة إنسانية ومعنى مطلق يلبي حاجة الإنسان الذي ينشد الكمال.
وتواصلا مع نظرية فصل السلطات والمجالات، فإن السعي إلى فصل ما بين الدعوي والسياسي جاء في مسار ابتعاد العسكر عن ثورة الربيع التونسي، حيث تُرك المجال للثورة أن تفصح عن تداعياتها إلى آخرها، أي تمكين الثورة من بدايتها وسياقها وما بعدها، أعطى للثورة مدلولها الحقيقي من دون أن تصادر أو تخطف على الطريقة المصرية، أو تفضي إلى انهيار الدولة على ما جرى في سوريا والعراق واليمن…
أخيرا وليس آخرا، فإن فصل ما بين الدعوي والسياسي هو إقدام على وضع لبنة في صرح الدولة الديمقراطية في تونس ذات مؤسسات راسخة ومكرسة لا تزول بزوال الرجال، مؤسسات تتعالى عن الإغراض الضيقة والإيديولوجيات العدمية المتطرفة والنزعات الدينية المغالية.

٭ كاتب وباحث من الجزائر

في ضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي

د. نورالدين ثنيو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية