في ضيافة أبي القاسم الشابي

حجم الخط
1

استقبلني وجه الشاعر والقاص عبد المتقي في مطار محمد الخامس على الساعة العاشرة صباحا، عيناه تتألقان بوميض محبة جذلى، عانقني قائلا: أهلا بك في تونس، ستحب التجربة.. الشعر والحياة؛ التقينا عزيز ملوكي رئيس جمعية الأنصار للثقافة، وأنهينا إجراءات المغادرة بعد اجتياز حواجز أمنية وشاشات تفتيش صارمة. بعد ساعتين تحليقا في الأجواء، حطت الطائرة في مطار تونس العاصمة؛ الإجراءات الأمنية أخف، والمساء يطلُّ يُغطيه ضبابٌ أبيضُ يحملُ رذاذا ناعمَ الملمسِ. قضينا الليلة في فندق La maison d’or وسط العاصمة، هناك حيث كان الشاعر والقاص محمد العتروس ينتظر قدومنا.. لمّة شعر وشغب؛ لم يكن الشعر سيد الحضور، طغى طيف القصة القصيرة جدا على حديثنا، نامت الرفقة بعد حين، أنا لم أنم، كان لدي موعد مع شارع الحبيب بورقيبة.. تسامرنا كصديقين قديمين.
صباحا، اجتمعت اللمّة في مقهى المسرح، وجدتهم هناك، محمد العتروس وعبد الله المتقي. قال الأخير: لن أكلمك حتى تغدو جملة مفيدة؛ اشربْ قهوتك وارتشف سيجارتك وحينها أفتح لك كتاب الأمكنة. فعلتُ، لكنه لم يفعل؛ إذ ما فتئ أن أحاط به بعض المهتمات والمهتمين بكتاباته يُمطرونه بعبارات إعجاب ووابل أسئلة. كانت فرصة لنتجاذب أطراف الحديث؛ محمد العتروس وأنا، عن قيمة الأوراق النقدية التونسية، عن بعض ملامح المدينة، ونصب ابن خلدون، عن آخر التفجيرات الإرهابية التي تعرضت لها تونس العاصمة، أدهشني أن المكان لم يكن يبعد إلا بمسافة امتداد العنق عن الطاولة التي كنا نتقاسمها، عرجنا عن منشورات ديهيا التي يديرها في المغرب، وحظيتُ حينها بتوقيع منه لمجموعته القصصية «امرأة تقرع باب الله».
لم يَطُل بنا المُقام في العاصمة، فبعد الزوال التقى الشاعرات والشعراء – المدعوون للمشاركة في المهرجان الدولي للشعر بتوزر في دورته الخامسة والثلاثين من 17 إلى 20 ديسمبر/كانون الأول 2015- أمام مقر وزارة السياحة، حيث يُنتظر أن تنطلق بنا الحافلة في اتجاه توزر. تأخر وصول بعض المشاركين من مصر، الشعراء، عزت الطيري وحسين القباحي وبتول القلة؛ فكانت مناسبة لنتقاسم قهوة التأخير مع الشاعر التونسي مراد العمدوني وعبد الكريم الخالقي ومعز عطي.. لاحظتُ أن الشيشة حاضرة بشكل علني في المقاهي، والنساء يجلسن بكامل الأنوثة والعنفوان بلا عقد في النظرات، أخذ منا الجوع مأخذا، فتسللتُ رفقة العتروس إلى مطعم صغير، ضَبَطَنا عبد الله المتقي نلتهم الصحون، فنعتنا بالخيانة، حين أنهيتُ وجبتي، طلبتُ منه السماح لي بمشاركته، فأجاب بمكر حَكَواتيٍّ متمرس: تخيل أنك جاري وأقمتَ مأدبةً، ولم تُوجّه لي دعوةً، هل سألقي عليك تحية الصباح كعادتي، وابتسم بخفة نورس يحلق فوق سماء موكادور!
بين تونس العاصمة وتوزر مسافة ست ساعات، أدركنا الليل ما بين مدينتي سيدي بوزيد والقيروان بعد أن انعطفت الحافلة يمينا تاركة الطريق السيار يسارا.. تعددت المواويل وتشعبت الحكايات، المصريون يتبرمون من كل شيء بأصوات مرتفعة؛ التونسيون يحبون الغناء والمواويل الشعبية، فاجأني أنهم يحفظون أغاني ناس الغيوان عن ظهر قلب. حين تساءلتُ عن سرّ هذا العشق، أخبرني الشاعر مراد العمدوني أن أشرطة ناس الغيوان كانت محظورة في عهد ما قبل (الثورة)، وتُباع كما يُباع الحشيش تحت الطاولة. في منتصف الطريق ارتأى الشاعر والقاص عبد الله المتقي وأنا أن نكمل الرحلة رفقة أنيس، سائق السيارة التي تحمل الأمتعة، لغاية فنية وشعرية خالصة!
على امتداد ما تبقى من الطريق تداولنا أمورا امتزجت فيها الكتابة بسحر الماء، كان أنيس صامتا ومشدوها، لا يفتأ يذكرُ ابنتيه أريج ورتاج، ويرسم على وجهه ابتسامة طفل أغرّ، يضحك ملء فيه حين نلقي عليه التحية؛ وهو إلى جوارنا يَطرب لصوت نعيمة سميح ببحة صوتها الشجي تترنم (جريت وجريت)؛ عجيب هذا العشق الذي يُكنه التونسيون إلى المغرب وثقافته. في لحظة مكاشفة عالية الصبيب، عرجنا على الشعر والقصة وما جاورهما، على ما قيلَ وما يُقال؛ وقفنا طويلا عند الشاعر والروائي محمد خير الدين صاحب «الملك 1966، وأغادير 1967، والجسد السالب 1968، وشمس عنكبوتية 1969، وأنا الحاد الطباع 1970 (…) وحياة وحلم شعب دائم التيهان 1978، ونصب تذكاري 1995»، وقفنا على نماذج من شعره وتداولنا الخلفيات الكامنة وراء حدة طباعه؛ حينها قلتُ لعبد الله المتقي: في تقديري، بينك وبين محمد خير الدين الكثير من الشبه؛ صفق بيديه وانفجر ضاحكا. أعجبته العبارة، وكانت فرصة لأبسط وجهة نظري حول وَجْهِ الشَّبَهِ؛ قلتُ: هناك فكرة رائجة في الأوساط الأدبية المغربية تقول: «اِقرأ لمحمد خير الدين ولا تُعاشِرْهُ»، وخلصنا إلى أن الإصابة بهوس الكتابة الحقيقية يمارس عنفا على الكاتب، لا يفتأ يتمظهر في سلوكاته، وهنا أهمس في أذن القارئ إلى أن عبد الله المتقي أسرّ إليّ في ما بعدُ بما مثلته هذه الشهادة في حقّه، قال: للناس شهادتان، أنا لي اثنتان، والثالثة هذه؛ لكنني أحيانا أعشق عزلتي الذهبية في عريني؛ حد أن عريني يحتلني وأحل فيه عاشقا أبديا لعزلتي الواثقة.
حططنا الرحال في فندق (الحفصي) بتوزر، ساعةً بعد منتصف الليل. صباح الغد تم افتتاح برنامج المهرجان جلسات علمية وأمسيات شعرية تعددت أصول الشواعر والشعراء والباحثين المشاركين في فعالياتها، أذكر منهم: مراد العمدوني وسهير بادي ومازن الشريف وعادل الجريدي من تونس؛ وجلال الخشاب ونوار عبيد من الجزائر؛ وسميرة بوزيدي من ليبيا؛ وعزت الطيري وحسين القباحي من مصر؛ والفنانة التشكيلية نادية فليح من العراق والبتول القلا من فلسطين؛ وجون ماركو من إيطاليا؛ وعبد الله المتقي ومحمد العتروس و من المغرب، بالإضافة إلى جمعية الأنصار للثقافة التي حضرت في إطار اتفاقية شراكة مع جمعية المهرجان ممثلة في شخص رئيسها عزيز ملوكي.
توزعت فضاءات الأنشطة بين باحة الفندق وروضة أبي القاسم الشابي التي تضم قبره ومحطات تؤرخ لحياته الإنسانية والشعرية الحافلة. في روضة أبي القاسم الشابي، بدا عبد الله المتقي عالما بتفاصيلها، حين منحني إضاءاتٍ بليغةً تُغني عن السؤال. وهنا انتبهتُ أن المتقي لا يفتأ يُدون ملاحظاته منذ بدء الرحلة؛ هي ميزة الكاتب الذي يقتنص الصور، وعبد الله المتقي قنّاص جيد. تتألف الروضة من باحة زُيّنت جنباتها بصور ورسومات لأبي القاسم الشابي، ورفوف زجاجية وضعت عليها أعماله الكاملة في ستة مجلدات، ووثائق وشهادات. على يمين الباحة حديقة صغيرة تقود إلى صالة ضمت قبر الشاعر، يحيط بالصالة ممر زُخرفت جدرانه بالأبيات الخالدة لأبي القاسم الشابي؛ عُلِّقَتْ عليه صور لأفراد أسرته وشخصيات تونسية بارزة في سماء الأدب والفكر، وينتهي الممر بقاعة للعروض بها أُقِيمَتْ جُلّ فقرات المهرجان.
من حسنات المشاركة في المهرجان الدولي للشعر بتوزر، بالنسبة إلي، لقائي بالفنانة التشكيلية العراقية نادية فليح، التي حمل ديواني الثاني «كأني به التيه» لوحة من توقيعها، وكانت مناسبة لملامسة تجربتها من خلال عرض قدم له الشاعر عبد الله المتقي، تحدثت فيه عن واقع الفن التشكيلي العراقي في ظل الحصار، والانتكاسات التي توالت على هذا القطر الشقيق، وعن ومسارها الفني الإبداعي وتأثير الوضع المتأزم الذي يحياه العراق وأهله في هذا المسار؛ كانت لحظة مكتنزة بالأسى امتزج فيها أرق الإبداع بأنين الوطنِ وطنٍ نُكنّ له ولمبدعيه احتراما خاصا.
ومن علامات المهرجان البارزة، تلك الزيارة التي نظمها المشاركون المغاربة رفقة الباحث الجزائري جلال الخشاب والفنانة نادية فليح والصحافي لزهر حشاني وزوجته المغربية آمال اليملاحي المقيمة في تونس.. إلى بيت الشاعر الراحل شكري الميعادي الذي ذهب ضحية حادثة سير مفجعة بمعية الروائي والمترجم محمد الغزالي. لقد كانت التفاتة طيبة خلفت أثرا حسنا في أرجاء بيت الفقيد زوجتِه وأبنائه؛ كما قام عبد الله المتقي وعزيز ملوكي بتأطير ورشات في مدرسة نهج الشابي حول الكتابة، تم خلالها توزيع مؤلفاتٍ لكُتّاب مغاربة، وكذا إصدارات جمعية أنصار للثقافة مجسدين حضورا بارزا وفاعلا في مختلف فضاءات المدينة.
مساء خامس أيام المهرجان عدنا أدراجنا إلى تونس العاصمة، كنتُ مضطرا للمغادرة صباح اليوم المُوالي، وكما استقبلني في مطار محمد الخامس، ودّعني وجه عبد الله المتقي في مطار تونس.. وقُبيل إقلاع الطائرة وصلتني رسالةٌ هاتفية تحمل سلامين.

كاتب مغربي

عبد الله بن ناجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية