في ظل الانهيارات وعدم استقرار الوضع عموماً: الجنوب العراقي داعماً للحشد الشعبي ومتخوفاً من مرحلة ما بعد تنظيم الدولة

حجم الخط
3

بغداد ـ «القدس العربي»: استمرت الخلافات الدائرة بين المنتمين للأحزاب والتيارات الدينية وغير الدينية في جنوب العراق منذ نيسان/ابريل من العام 2003 وحتى العاشر من حزيران/يونيو 2014. هذه الخلافات التي تشتت على إثرها أصوات الناخبين للاتفاق على حزب أو تيار سياسي واحد يمثلهم في تشكيل الحكومة، ما أدى إلى اندلاع خلافات جديدة تتأخر بسببها تشكيل الحكومة العراقية لأكثر من ستة أشهر في كل مرة، لأن هذه الأصوات مهَّدت لصعود قائمتين أو ثلاث لمراكز متقدمة أولاً، فضلاً عن قوائم إضافية تنظمُّ في كل مرة تحت جناح إحدى تلك القوائم، ومن ثمَّ، ستدّعي كل قائمة على أن لها الأفضلية في الحصول على رئاسة الوزارة، فضلاً عن ترشيحات من داخل القائمة لتقديم أكثر من رئيس وزراء يمثلها.
هذا التشتت هو أحد أسباب انهيارات البنى التحتية في البصرة والناصرية والعمارة والكوت وغيرها، وصولاً إلى مدينة النجف الأشرف، مركز المرجعية الدينية الشيعية التي تقف دائماً، وراء اختيار الأصلح، على حدِّ تعبير البيانات التي تصدر عنها، إن كانت من السيد علي الحسيني السيستاني، أو الشيخ بشير النجفي، أو مرجعية السيد الحكيم، وغيرها من المرجعيات. لكن مفردة (الأصلح) غالباً ما تكون ملتبسة، فهل تعني من حصل على الأصوات الأعلى في الانتخابات، حسب النظام الديمقراطي الجديد، أم من وجهة النظر الدينية التي تعني السياسي البعيد عن الفساد والمحسوبية؟ كل هذه الأسئلة كانت دائرة في الجنوب العراقي في خضم الحروب الداخلية التي من الصعب إنهاؤها أو حصرها، فكل جهة تدَّعي أنها الأصلح، وكل جهة تؤكد على تزوير ما حصل في الانتخابات، وكل جهة تريد لنفسها كرسي الوزارة بعيداً عن اختيارات أكثر من 60 في المئة من الشعب العراقي، وهم أهل الجنوب العراقي، فضلاً عن الأغلبية التي تعيش في بغداد، والتي تمثل التجمعات السكانية الكبرى في العاصمة، مثل مدينة الصدر ومدينة الشعلة ومدينة الشعب والكاظمية والزعفرانية والكرادة. فبمقارنة الكثافة السكانية لهذه المناطق في المناطق التي يقطنها السنة، مثل الأعظمية والغزالية والعامرية وغيرها، تجد أنها لا تغير شيئاً من خريطة الانتخابات إذا ما قورنت بالقوة السكانية في المناطق الشيعية.
لا تنتهي هذه الخلافات بمجرد إعلان تشكيل الحكومة العراقية، واختيار وزراء جدد بحسب المحاصصات الطائفية لكل كتلة، إن كانت شيعية أم سنية، بل تبقى دائرة حتى يتم اختيار وكلاء تلك الوزارات والمدراء العامين فيها. الأمر لم يختلف في الحكومة العراقية الأخيرة، فقد استمر تمسك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بكرسي الوزارة بحجة حصوله على أعلى أصوات في الانتخابات العراقية، على الرغم من رفض أغلب الكتل السياسية لهذا التمسك، ودعوة المرجعية لتغيير الدماء واختيار شخصيات جديدة في الحكومة العراقية، ولم تنتهِ الأزمــة باخـتيار الدكتور حيدر العبادي، ليس بسبب عدم التوافق حوله، بل لأن نوري المالكي تنازل عن الـحــكــومــة بعد أن دخــل تنـظــيـم الــدولة إلى الموصل وتصاعدت الأزمات العسكرية والسياسية الجديدة.
إذا كانت الأزمة العراقية على مدى اثنتي عشرة سنة منذ دخول القوات الأمريكية للعراق وحتى تنحي المالكي عن كرسي الوزارة تدور حول المحاصصة وكيفية اختيار شخصيات تابعة لحزب ما دون أخرى، فإن العاشر من حزيران/يونيو من العام الماضي غيَّر المفاهيم تماماً، أكثر من ثلث العراق ضاع بسبب رعونة هذه الشخصية السياسية أو تلك، شيعية كانت أم سنية، الأمر لا يختلف هنا، لأن المناطق التي يحكمها السنة هي التي أضاعت أراضيها، وبقيت المناطق الشيعية في خوف كبير أمام تحديات جديدة، فبعد سنوات طويلة من القتل على الهوية والتفجيرات التي تطالها كل يوم والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة، فضلاً عن غباء سياسيين لا علاقة لهم سابقاً بالسياسة، دخلوا إلى منطقة أخرى من الخوف، وهو أن يأتي رجال تنظيم الدولة للقضاء عليهم تماماً، وتستباح أراضيهم ونساؤهم مثلما فعلوا مع الإيزيديين والشبك والمسيحيين، إضافة إلى تفجير مراقدهم الدينية، التي تعد الهدف الأكبر لدى تنظيم الدولة.
وفي ظل رفض الأغلبية الشيعية تسلُّم هادي العامري لحقيبة وزارة الدفاع حينها، وفرحهم بتجميد عناصر جيش المهدي التي أصبحت فيما بعد سرايا السلام، غير أن هذا الرفض تحول بين يوم وليلة إلى قبول وإصرار على أن يكون هادي العامري قائداً شيعياً جديداً يمكن أن يحمي الشيعة من المد التكفيري الذي أودى بحياة مئات الآلاف من المذاهب والديانات الأخرى، وتفجير جوامع النبي يونس والنبي شيت وهدَّم متحف الموصل وسبى النساء بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية.
منذ الخطوات الأولى لهادي العامري حينما دخل مدينة بعقوبة ومدن ديالى الأخرى، حصل على الدعم الجماهيري الكبير وعلت أصوات مؤيديه، وبعدما دخل إلى مدينة سامراء وتمكن بمساندة عصائب أهل الحق من حماية مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء، اختلف الأمر تماماً، وأصبح حصول هادي العامري على حقيبة وزارة الدفاع إن كان هناك اختيار، أمراً منتهياً، فهذا الرجل لم يكن كبقية السياسيين الذين آثروا أن يبقوا في المنطقة الخضراء ويطلقوا من غرف مغلقة بيانات واستنكارات لا تغير شيئاً من الواقع المرِّ. وفي الوقت الذي كان الكثير، إن لم يكن أغلب، شيعة الجنوب يتذمرون من تدخل إيران في مناطقهم وفي اختيار قياداتهم، صاروا داعمين لها، لأنها البلد الوحيد الذي وقف إلى جانبهم، وأصبح وجود قاسم سليماني مرغوباً فيه لأنه سيحافظ على حياتهم ويمنع تنظيم الدولة من الزحف إليهم.
الكثير من العلمانيين والمثقفين في جنوب العراق تغيرت وجهة نظرهم بهذه الكيانات؛ منظمة بدر، عصائب أهل الحق، سرايا السلام، وغيرها الكثير ضمن ما يعرف الآن بالحشد الشعبي، خصوصاً بعد أن ملأت صور من ذهبت حياتهم دفاعاً عن مناطق لا تعود لهم، شوارع البصرة والناصرية والعمارة والسماوة والكوت والنجف وكربلاء، وبقية مدن الجنوب، حتى بدأت دعوات جديدة لهؤلاء تتعالى برفض أن يذهب هؤلاء الشباب ضحية مناطق باعها أهلها أو سياسيوها أو أخذت غصباً، وتحول خطاب الدفاع عن الجنوب وأهله إلى صيغة أخرى: لماذا لا يدافع أبناء تلك المناطق عن مناطقهم؟
وقوف الجنوبيين مع الحشد الشعبي وقياداته، في الوقت الذي لم يحرك سياسيون آخرون ساكناً أمام ما يحصل في العراق، تخالجه مخاوف مستقبلية، ففي نقاشات كثيرة تدار في المقاهي أو اتحادات الأدباء أو التجمعات الكثيرة، تحدث أغلب هؤلاء عما يحدث بعد مرحلة تنظيم الدولة والقضاء عليه، كيف يمكن أن يستوعب الجنوب العراقي كل هذا السلاح (الرسمي) بيد شباب كان أغلبهم عاطلاً عن العمل؛ وهذا لا ينكر انضمام شعراء ورسامين ومثقفين وخريجي جامعات إلى الحشد الشعبي، فضلاً عن كبار السن الذين تجاوزت أعمار بعضهم السبعين عاماً، غير أن المتحدثين يؤكدون مخاوفهم من أن يكون الشباب العائدون من المعارك قوة ضاغطة جديدة، إضافة إلى قوى الأحزاب الدينية، لمحو الحياة المدنية؛ على ضآلتها، ومن ثمَّ ستضيع مساحة الحرية المنتهكة أكثر مما هو عليه الوضع الآن.

حسن علاء الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية