بغداد ـ «القدس العربي»: يتكرر الحديث عن هويات لا يمكن أن تحصى، هوية عالمية، هوية عربية، هوية محلية، هوية مدينة، بل حتى هوية شارع تقطن فيه مجموعة من البشر يشتركون في خلفيات ثقافية واحدة.
إلا أن هناك هوية هي التي يمكن أن تشكل كل هذه الهويات، وهي الهوية الشخصية، أو الفردانية التي تبني العائلة ومن ثم المجتمع لتنتهي في آخر الأمر ببناء بلد يُعرف بخصوصيات ما.
في العراق، غالباً ما يرددون أن النظام البعثي السابق، إذا لم يكن قد أسهم في تدمير كل شيء، فإنه كان السبب الرئيسي لتدمير هوية الفرد العراقي، إلى درجة أنه جعل من المواطنة عبئاً على المواطن، فلم يكن همّ هذا الفرد إلا في الخروج سالماً من الخراب. غير أن التساؤل الذي غالباً ما يعاد مع كل محاورة بين اثنين هو: كيف يمكن أن نحافظ على الهوية الفردية وسط ضياع كل شيء أمام أعيننا؟
أسس وهمية
بحسب الروائي علي بدر فإن كل جماعة في التاريخ، تعي في لحظة تاريخية ما خصوصيتها واختلافها، وتحاول طبقاً لهذا الاختلاف صياغة إطار ثقافي محمل بإشارات مادية معينة كي تتموضع فيه، ومن ثم تبدأ على نحو براطيقي باختراع هويتها واختلافها، ولا يتحقق هذا الاختلاف إلا عبر إقصاء كل خصوصية وكل اختلاف آخر، وستجد نفسها وهي في ذروة الوعي- أقصد ذروة وعيها باختلافها- تقوم على تغييب اختلافات الآخرين وخصوصياتهم، فهي تمارس عملها وفق لاوعيها الاجتماعي، وتستبني اختلافها على أساس تصادفي أو اتفاقي أو اعتباطي أو عرضي، وبالتالي تخترع جغرافيتها الثقافية ومجالها وميدانها الذي تجعله ميداناً خاصاً بها يتعارض مع مجال الآخرين وميدانهم، فهي تستبني في لحظة تاريخية معينة، في لحظة وعيها باختلافها الـ(نا) وتصبح طائفتـ«نا»، وثقافتـ«نا»، ورقصـ«نا»، وآدابـ«نا»، ونساؤ«نا»، على النقيض من مجال الآخرين وثقافتـ«هم»، ورقصـ«هم» وآدابـ«هم»، ونسائـ«هم.
ويضيف بدر أن التغيير ينقلب فجأة إلى مجال جغروثقافي وسياسي وسوسيولوجي وديموغرافي غير مجالنا، وفي لحظة هي مطلقة الاعتباطية، في لحظة تاريخية مموضعة يتحول الآخرون إلى آخرين، أغراب، أجناب، ومنبوذين أيضاً. إن هذه الحدود الصلبة التي نفبركها ونسردها ونخترعها ليس بالضرورة لها وجود محدد على الأرض، أو وجود مادي، أو وجود معترف به من الآخرين، بل يكفي أن نخلق هذه الحدود الصلبة في ضمائرنا وثقافتنا وآدابنا وأنفسنا، وخيالنا إن جاز التعبير ونبدأ بالإيمان بها، فهي حدود لا تستقر على الإطلاق، إنما تتغير وتتحول خارج التاريخ وخارج الثقافة أيضاً، بل هي تتحول وتتبدل على الدوام، لأنها مؤجلة من خلال خطابات التاريخ، ومن خلال خطابات الثقافة أيضاً، فهي في طور التكون وليست جوهراً ثابتاً، أو مفهوماً مفارقاً أو متعالياً، إنها متموضعة، كما أطلق عليها ستيوارت هول بحق، وهي حركة من حركات التموضع وسياسته، فما أن تجد لها موضعاً في حركة تاريخية معينة، حتى تغيره في لحظة تأريخية أخرى.. ويحدد بدر اختراع الهوية لارتباطاتها: من رابطة الدم، التي تقوم على أساس متخيل. ومن رابطة الجماعة التي تقوم على أساس سردي، ومن رابطة الاتساق الهوياتي التي تقوم على أساس وهمي.
إحساس بالتناقض
ويحدد الروائي أحمد سعداوي مقاومة الفرد الإيجابية، بأنها تلك التي يسميها ذلك الجهد النوعي لتفكيك الهوية المفروضة من الأعلى، وتفكيك الارتداد عنها، والسعي لتلمس الذات ضمن هوية أوسع من هذه الثنائية المتضادة، قد تشمل بالضرورة عناصر من كلا الجانبين، ولكنها لا تمثل في النهاية أيا منهما. وهذا الجهد النوعي يظل جهداً شخصياً، لذوات منظمة فكرياً وتمتاح من مصادر معرفية واسعة ومتنوعة. أما الذوبان فتمثله تلك الأقلية التي تبنت الخطاب السياسي والحزبي للسلطة، وتبنت في النهاية الكثير من أدبياته، حتى أن بعضهم اتخذ لأبنائه أسماء أبناء رموز السلطة، وانتسب في اللهجة والكلام إلى لهجة رجال السلطة. وهؤلاء لا ينطلقون من حقيقة (الهوية) التي يتبنونها، إلا بالقدر الذي توفره هذه الحقيقة من مصالح ومكاسب.
ومن اللافت أن آليات الاستجابة للهوية التي تعلنها السلطة الحاكمة (في سياساتها الفعلية وليس الإعلامية) ما زالت فاعلة في وقتنا الراهن، رغم تغير السلطة نفسها، وانقلاب العلاقة بين السلطة السياسية ومفاعيلها الاجتماعية والثقافية.
الاستجابة السلبية لإكراهات سلطة البعث البائدة تسيدت على السطح الآن، وقذفت بمخالفيها إلى الهامش، وأصبحت هي الماسكة الفعلية للسلطة، ولا تملك السلطة السياسية برنامجاً متمايزاً عن الثقافة التي يتغذى منها المحيط الاجتماعي، فغدت أعلوية هذه الثقافة بكل ارتداداتها ومشاكلها الداخلية نوعاً من الضباب الحاجب لأي أفق لهوية جديدة منقطعة فعلياً عن الهوية الأنموذج التي طرحتها ثقافة السلطة السابقة.
ويشير سعداوي إلى أن مظلومية الهوية الطائفية والمناطقية لا تخلق لوحدها مشروع هوية جديدة، بل لا تستطيع شيئاً سوى إعادة إنتاج نفسها بصيغ أكثر تطرفاً وعنصرية، بالتوازي مع الإحساس المتزايد بالتناقض بين لا واقعية المسار الباطني والسري للهوية في الحقبة السابقة، وممكنات الواقع الفعلي الراهن.
إبادة الحياة
الروائي نجم والي؛ المقيم في ألمانيا، يرى أن الوطن يتسع مع كل اكتشاف جديد، مع كل معرفة جديدة، وعندما يتحول الوطن إلى أوطان، إلى الكرة الأرضية برمتها، إلى الفضاء حيث يقف في البرية، إلى الأفق في عمق نص الكتابة، إلى عين ثالثة لا تحدها مسافة، إلى شجرة وسط الخشب التحتي لما هو منتشر من جذور نعتقد أننا نراها، يستطيع أن يعود من دون خوف باتجاه الشرق، ذخيرته هذه المرة معرفته الجديدة، وتحققه الفردي، رغم الخوف والرعب اللذين يزرعهما يومياً هناك، أولئك الذين كانوا معي هنا في الغرب، درسوا العلوم في أرقى جامعات الغرب، وبمنح دراسية من الغرب ذاته، أولئك الذين عادوا بعد الانتهاء من دراستهم وقد أطالوا لحاهم ولبسوا الجلاليب، عادوا ليس من أجل بناء الشرق «المتخلف» وضخ الدم في شرايينه، لكي ينهض ويستعيد عافيته من جديد، ويعيش أبناؤه أحرارا، حتى في لبسهم ومأكلهم، إنما عادوا لينشروا ثقافة ذكورية تدعو لحجب المرأة ووأدها متى ما شاؤوا، ثقافة ذكورية تدعو للقتل، بل عادوا ليصنعوا القنابل والسيارات المفخخة، وليوزعوا الأحزمة الناسفة والموت على الجميع، لا يفرقون بين الشيخ والرضيع، بين المرأة والرجل، بين الغريب وبين إخوانهم بالمواطنة، بين الأم والعجوز، بين الحيوان والشجرة، بين هذه البلاد أو تلك. يعتقدون أنهم يحاربون الغرب، بينما يحولون الشرق إلى مقبرة ضخمة، ويتركون الخراب والدمار والموت وراءهم أينما حلوا، يبيدون كل ما له علاقة بالحياة!
مثلث الموت
في حين يكشف الكاتب سعدون محسن ضمد أن بداية وعيه بهويته الشخصية كانت مع قراءته لكتاب «اللامنتمي» لكولن ولسن، فمن خلال ذلك الكتاب تعرف على معنى أن الهوية خيار أيضاً. الهوية ليست هاجساً فقط، ولا وثيقة إثبات لموقف معين، بل هي أيضاً خيار، ويمكن أن يكون هذا الخيار عابثا أو فوضويا أو منفلتا أو عصاميا أو أو أو…. الخ، غير أنها خيار. في كتاب «اللامنتمي» يعلن كولن ولسن عن هوية وحيدة جديرة بالاحترام، تلك هي اللاهوية، وذلك عندما يطرح المثقف باعتباره كائنا ما فوق الولاء والانتماء.
موضحاً: «هكذا عرفت البعد الجدير بالاحترام من أبعاد الهوية. أقصد أنني عرفت ضيق الأفق الذي تحتوي عليه الهوية ومهما كانت، فهي لا تنفك عن كونها إطارا يؤطر الفكر، ويحدد بالتالي السلوك. كولن ولسن أخذ ينتقي- وأنا أقرأه- نماذج معينة من خيرة المثقفين ومن مختلف بقاع الأرض ليثبت ليعدم انتمائهم إلا لمعرفتهم، التي هي في نهاية الأمر معرفة متحركة وغير ثابتة، وتابعة للتجربة اليومية التي ترفد الإنسان دائماً بالجديد».
قرأ ضمد «اللامنتمي» في منتصف التسعينيات، وأيامها كان العراق يمعن ذبحاً بأبنائه.. يخيفهم.. يطاردهم.. يلقي بهم خارج حدوده، أو هو في أحسن الأحوال يطعم بهم أفواه الحروب التي لا تشبع أبداً، هذه الظروف جعلتني مستعدا جداً لتقبل فكرة اللا انتماء. كان مثلث (الدين، الأرض، الإنسان) في العراق، يخيفه، بل يحاصره، فهذا المثلث يستدعي الموت، بل يجعله حتمياً لأبعد الحدود. فالدين إطار غير مرن من الأخلاق والقيم، وهو يدفع بالمنتمين إليه وبشدة نـحو ثقافة الفداء، فداء القيم، أو الدفاع عنها بوجه الاعتداءات، والمرعب في الأمر أن الاعتداءات لا تنتهي.
عقائد ملتبسة
الباحث علي وتوت يؤكد أنه في ظل ثقافة العنف السائدة، ثقافة القتل والتهجير على الـ(هوية)، ثقافة السيارات المفخخة والعبوات الناسفة، ثقافة قطع الرؤوس، ثقافة قنابر الهاون وصواريخ الكاتيوشا التي تسقط على بيوت الآمنين ولا تفرق بين الشيخ المسن والطفل الرضيع، ولا تفرق بين المرأة والرجل، ولا تفرق بين السني والشيعي، ولا تفرق بين المسلم والمسيحي ولا الصابئي والإيزيدي، ولا بين العربي أو الكردي أو التركماني… الجميع مستهدفون بالقتل.. لا لذنب ارتكبوه، سوى أنهم عراقيون لم يرضوا التخلي عن العراق. في ظل هذه الثقافة التي تمثل صورة العراق اليوم، يبدو العنف هو الطاغي في الاجتماع السياسي للعراقيين، وتشترك في هذا الجماعات والقوى المتصارعة في العراق، التي ترى في العنف بأقبح صوره بطولة! ولذا يعدُّ المقترب السوسيولوجي ضرورياً لفهم ما يحدث وقراءته بوعي.. إذ أن من البديهي أن ينتمي الفرد إلى جماعة اجتماعية ما، قد تكون عقيدة دينية أو مذهبا أو طائفة أو حزبا سياسيا أو أي جماعة من الجماعات.
وتعدد الانتماءات لا يعني أن يكون هناك تناقض أو خلل، كما لا يعني أن يلغي واحدها الآخر، أو يقصيه. ويضيف وتوت أن الانتماء الاجتماعي والسياسي مشاعر مكتسبة، ومسألة شخصية لكل منـا الحق فيـه. ومن حيث هو مسألة شخصية يميز الواحد منـا من الآخر، ويولد مشاعر مختلفة من قبول ومشاركة، حياد أو عدم تقدير.
غير أن الشائع؛ من وجهة نظر وتوت، مثلاً إضفاء معنى التباسياً على الآخر المغاير (المفارق) في ظل هذا التنوع الذي يعيشه المجتمع في العراق… كأن يعتقد المسلمون السنة في الجماعة الإسلامية العراقية أن المسلمين الشيعة شركاؤهم في الوطن والعقيدة والعروبة هم (أقل توحيداً منهم) وأقل انتماء للوطن، أو كما صار يتم وصفهم الآن (صفويين)! مثلما أن المسلمين الشيعة يعتقدون بأن المسلمين السنة في الجماعة الإسلامية العراقية (أقل إيماناً منهم)، وهم مهتمون بالبحث عن السلطة دوماً، ويطيعون الحاكم مهما كان ظالماً وهم (وهابيون) و(تكفيريون) و… ما إلى ذلك من العقائد الالتباسية.
وعليه- على حدِّ قول وتوت- يمكن القول إن الانشغال بالهوية ليس عيباً ولا سلوكاً مثيراً للانتباه والاستغراب. فالهوية عبارة عن تلك القيم الاجتماعية، التي تحتاج إلى جهد إنساني متواصل، لصياغتها بشكل حقائق اجتماعية وحضارية.
صفاء ذياب