في ظل عدم وجود قيادة تحولت عهد إلى رمز

حجم الخط
1

قبل بضعة أيام عرف أبناء العائلة والأصدقاء أن عهد التميمي وأمها نريمان سيتم إحضارهما في سيارة تابعة لسلطة السجون إلى حاجز جبارة في جنوب طولكرم، ومن هناك سيتم إطلاق سراحهما. أمس الأول تم تلقي مصادقة نهائية على أن هذا هو المسار. ساعة إطلاق سراحهما؟ مثل باقي السجناء الفلسطينيين الذين يتم إطلاق سراحهم من السجون الإسرائيلية لا يمكن معرفتها. وبشكل عام (وإن لم يكن ذلك دائمًا) يكون معروفًا مسبقًا الحاجز الذي سيتم إحضار السجين المحرر إليه، لكن ساعة إحضاره تبقى مجهولة، والعائلات تخرج في الصباح وتنتظر ذلك الأسير على مدى ساعات، وكلما زادت الفترة التي قضاها السجين في السجن تكون العائلات مستعدة أكثر لانتظاره.
أمس، خرجت العائلة والأصدقاء نحو حاجز جبارة. في الطريق سمعوا من مراسلين إسرائيليين أن الأم والابنة سيتم إطلاق سراحهما في حاجز رنتيس، وهو حاجز منطقي أكثر، من حيث قربه من بلدة النبي صالح. لقد قاموا على الفور بتغيير المسار. في الطريق إلى رنتيس سمعوا أن هذا لن يحدث، وفي نهاية المطاف سمعوا أنه سيطلق سراحهما في حاجز جبارة.
مرة أخرى توجهوا شمالاً، وبعد فترة جاء النبأ النهائي: إطلاق سراحهما سيكون في رنتيس. أبناء العائلة والأصدقاء كانوا متأثرين ولم يعرفوا إذا كان هذا خلل داخلي في سلطة السجون أو رغبة في إهانتهم وإهانة المحررتين حتى اللحظة الأخيرة.
على الحاجز العسكري قرب رنتيس تم إطلاق نريمان وعهد من سيارة سلطة السجون وهما مكبلتان، لكن أعينهما كانت غير معصوبة. أمل العائلة بأنه سيتم إطلاق سراحهما وتتخلصان من قيودهما وتسيران نحو السيارات التي تنتظرهما، خاب. وقد تم نقلهما بجيب عسكري ليس قبل أن تعصب عيونهما. الطريق من رنتيس إلى النبي صالح غير سرية، فلماذا إذن تعصب عيونهما؟ العائلة والأصدقاء لم يكن بمقدورهم أن يقرروا إذا ما كان هذا إجراء عاديًا للجيش الإسرائيلي مهما كان غير منطقي، أو هو رغبة الجنود في إهانتهما حتى النهاية؟ إذا كان هذا هو الهدف فذلك لم يتحقق.
هما لم تشعرا بالإهانة، وكذلك أحباؤهما الذين انتظروهم، حتى ولا عندما توقف الجيب العسكري قرب نقطة المراقبة في مدخل النبي صالح. عهد وحدها خرجت من ذلك الجيب، وعندما شاهد أبناء العائلة والأصدقاء أن نريمان لم تخرج من الجيب العسكري ذاته قاموا بقطع طريق الجيب، حينئذ سمح للأم أيضًا بالخروج. الأم والبنت لم تشعرا بالإهانة، ليس لأنهما كانتا بطلتي اليوم، بل لأنهما خلال الثمانية أشهر وبسبب شجاعتهما ظلت سيرتهما تتناولها الأخبار الدولية والمحلية تقريبًا كل يوم. هما لم تشعرا بالإهانة؛ لأنهما لم تتوقعا سلوكًأ آخر من سجانيهما. قبل أكثر من ثماني سنوات، قررت قرية النبي صالح التي تتكون من عائلة ممتدة واحدة هي عائلة التميمي، الخروج في نضال لإعادة نبع القوس للقرية ولصالح القرية المجاورة دير نظام، بعد أن استولى مستوطنو «حلميش» عليه. وبمساعدة الجيش والإدارة المدنية منعوا الفلسطينيين وأصحاب الأراضي الشرعيين من الوصول إليه وإلى محيطه حتى الآن. أمام أنظار سكان النبي صالح، كانت نجاحات نسبية لنضالات شعبية ماثلة في قرى أخرى ضد جدار الفصل، وتحديدًا: بدرس، وبلعين، وجيوس. وهكذا فإن الخطة الأصلية الملتهمة للجدار تم تغييرها، لكن كان أمام أنظارهم أيضًا عدد من حالات الفشل. النضال الشعبي المغطى إعلاميًا بدرجة لا تقل عن ذلك ضد مسار الجدار في الولجة، لم ينقذ أراضي القرية، التي تعد هي ونبع القرية تحت عملية تحويل إلى متنزه عام لمدينة القدس الكبرى، حيث أصبح وصول الفلسطينيين إليها بمن فيهم أصحاب الأراضي الشرعيين أمرًا محظورًا.
سكان القرى الفلسطينية الذين قادوا النضال الشعبي في الـ 15 سنة الأخيرة، بمن فيهم سكان قرية النبي صالح، أملوا بأن كل حالة فردية سيتم تفهمها في كل العالم كرمز وكمثال على السياسة الإسرائيلية المتمثلة بالسيطرة على المزيد من الأراضي، الأمر الذي يناقض تصريحاتها حول استعدادها للسلام. سكان القرى أملوا أن يثمر النضال ثمارًا سياسيًا، ليس محليًا فقط (إعادة جزء من الأراضي)، بل دوليًا أيضًا، مثل استخدام الضغط والدبلوماسية. من أجل ذلك عرفوا أن المزيد من الفلسطينيين يجب عليهم الانضمام إلى النضال الشعبي غير المسلح، فالحديث لا يدور حول شأن شخصي لكل قرية على حدة، بل هو شأن وطني، فلسطيني عام.
ثمة سنوات جرت فيها التظاهرات في نحو عشر بؤر في الضفة الغربية، وفي كل واحدة منها حضر ـ رغم قمع الجيش وحرس الحدود العنيف ـ مئات الأشخاص. لكن أغلبية الفلسطينيين صوتوا بالأرجل ولم ينضموا.
التواصل والمخاطرة والإصابات والاقتحامات العسكرية الليلية والاعتقالات والقتلى بنار الجيش الإسرائيلي، بقيت بشكل عام من نصيب سكان القرى المذكورة، ونصيب المنضمين إليها من أماكن أخرى. حتى في القرى المنتفضة نفسها مثل النبي صالح، لم يتمكن الجميع من مواصلة تحمل هذا العبء المتمثل بالتمسك بمشعل العصيان المدني.
عندما تم اعتقال عهد التميمي تطور حولها تقريبًا نوع من العبادة: في الوقت الذي تحولت فيه القيادة السياسية التقليدية لـ م.ت.ف إلى شيء غير مهم. شلل حركة فتح وتفككها، وانقسام مدمر بين فتح وحماس، دعا الشعب الفلسطيني إلى البحث عن أبطال ورموز أكثر من أي وقت آخر. الشجاعة الشخصية لعهد ونريمان تم إثباتهما المرة تلو الأخرى خلال التسع سنوات الأخيرة، حتى وإن لم تصل إلى وسائل الإعلام. الآن عند إطلاق سراحهما فإنهما وأبطالًا مثلهما قادوا النضال الشعبي في الـ 15 سنة الأخيرة في قرى مختلفة، يأملون أن يتبنى عشرات ومئات الآلاف الآخرين نموذجهم.

عميره هاس
هآرتس 30/7/2018

في ظل عدم وجود قيادة تحولت عهد إلى رمز
عند إطلاق سراحها فإنها تأمل أن يحذو عشرات ومئات الآلاف حذوها
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية