في ظل ماراثون النشر وطباعة الكتاب… كتاب عراقيون: انفتاح سوق الكتاب أضاع الأجناس الأدبية وأنواعها

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: تمثَّل المرحلة التي يمر بها الأدب العربي الآن عموماً، والعراقي على وجه التحديد، انفلاتاً واضحاً في المعايير، فمنذ صدور كتاب جيرار جينيت (مدخل لجامع النص) باللغة العربية، توالت الابتكارات التي يعدها بعض الكتاب خروجاً على الأنواع الأدبية التقليدية، فبدأوا يسيرون في متاهات لا يمكن أن تدخل ضمن جنس أو نوع أدبي ما، لينجر هذا الأمر فيما بعد على الشعر والقصة والرواية، ولدى بعض الكتاب حتى في النقد الأدبي الذي عُدَّ نصَّاً موازياً وليس قراءة أو حاشية أو تنظيراً لنص ماً.
ففي ظل ازدياد نشر الكتاب ووجود دور نشر جديدة في بغداد والمحافظات الأخرى، إضافة إلى دور نشر عربية أخرى استقبلت الكتاب العراقي، ضاعت العديد من مفاهيم وحدود التجنيس، فتداخلت الأجناس بوعي في حالة، واختلت في حالات كثيرة غير واعية، إضافة إلى فقدان النوع ميزاته وآليات اشتغاله. فإلى أي حدٍّ تمكن الكاتب العراقي من فهم حدود تجنيس النص الأدبي ونوعه؟ وما الذي يمكن عمله لقراءة الأعمال الإبداعية ضمن حدود الأنواع الأدبية ومنهجية الكتابة؟

أسس تربوية

يرى الناقد الدكتور فاضل عبود التميمي أن هذا التشتت ظاهرة اكتسحت المشهد الثقافي، وصارت حاضرة في معظم معارض الكتب، مبيناً أنها تعويض عن سنوات الحصار التي تجاوزت عقداً ونصفاً من السنوات كان المؤلف العراقي فيها غير قادر على النشر، فضلاً عن أن الظاهر أنها تعطي مؤشراً طيّباً على التمسّك بالحياة في ظل أنواع (الموت) التي تعرض لها الإنسان العراقي منذ التسعينيات وإلى حد الآن.
لكنّ هذه الظاهرة أفرزت وقائع سلبيّة منها: اختلاط العديد من مفاهيم التجنيس، وحدوده عند قسم من المؤلّفين، ولهذا الاختلاط جذور تمتد في المشهد التربوي العراقي، فنحن الوحيدون من بين محيطنا العربي لا ندرّس (نظرية الأجناس الأدبية) في مدارسنا الثانوية، والجامعية لاسيّما في أقسام اللغة العربية، وقلة من نقادنا من يكتب فيها، فصارت ثقافتنا خالية تماماً من الوعي بأهمية الجنس الأدبي، والنوع، والشكل، والنمط التي هي تنظيمات لابد من فهمها، والعمل بها، وقد زاد من إشكالاتها أن قسماً من الأدباء ينادون بضرورة إلغاء فكرة التجنيس، فهم يجمعون على نفيها، ويعدونها فكرة قديمة يستبدلونها بنظرية النص، أو النص المفتوح، أو نظرية (الكتابة)، معتمدين على ما قاله تودوروف الذي يرى أنّ نظريّة الأنواع الأدبيّة قد اندمجت في نظرية أوسع هي نظرية الخطاب، أو علم النص، غير أنّ منطق الأدب يؤكد ضرورة الحفاظ على مقولات الأجناس، وتنميتها، فهي اصطلاح عملي يستخدم في تصنيف أشكال الخطاب.
ويضيف: لقد نتج عن اختلاط الأنواع؛ لا تنافذها، أن تجد نفسك في ورطة حين تقرأ خواطر أدبية يكتب صاحبها على غلافها: نقد أدبي، أو تجد قصة طويلة وقد كتب مؤلفها على الغلاف: رواية، وتزداد المشكلة حين تجد مؤلفاً تتداخل الأنواع الأدبية في كتابته من دون أن يعي مفهوم التداخل، أو حدوده، وتجد من يقول: إنّ الشعر الحديث جنس أدبي لوحده، وأن الرواية جنس في حد ذاتها، وأن المقالة جنس، والقصة، والقصة القصيرة جداً، وواقع الحال يشير إلى أنّ الشعر الحديث نوع ينتمي إلى جنس، وأن الرواية لا يمكن إلا أن تكون نوعاً أدبيّاً ينحدر من جنس أعلى هو: النثر ونوعها ينقسم بدوره على أشكال، والأشكال تحال على أنماط، فالأدب بحاجة لأنْ يُنَظَّم في أشكال كتابيّة تضمن له حدوداً معروفة، وصفات ثابتة شأنه شأن موجودات الكون حيّة كانت، أو جامدة، وهذا يعني أنّ الذائقة الإنسانيّة بما تملك من قدرات كانت قد تقبّلت فكرة تقسيم الأدب على أجناس بوصفها مبدأ تنظيميّاً.
ولكي لا تتسع الصورة سلباً، فإن تصنيف الكتب قبل طبعها يجب أن يخضع لمعايير واضحة تكون مسؤوليتها على عاتق دار الكتب والوثائق التي يجب أن تمنح رقم الإيداع، ونوع الكتاب: أي هويته الأجناسية.

عدوى النشر

لا يستغرب الناقد أسامة الناشي أن يرى هذا الكم من الكتب والروايات والمجموعات الشعرية وغيرها، ولا بمستغرب أيضا أن نجد دورَ نشر ومكتبات وناشرين مستقلين يتسابقون في نشر كل ما يقدم لهم، أيَّاً كان نوعه وشكله، وأخيراً أهميته، ومردّ ذلك يعود إلى شهية انفتحت بعد سنوات صوم دكتاتوري مرهقة.
وغير ذلك، تساهم وسائل الاتصال الاجتماعي، بشكل سهل، في خلط الأوراق الأدبية، وصناعة جيل من الموهومين ممن يظنون أن كل نصّ مفرّق يكتبونه يساوي وزنه شعراً، وكل عبارة يكتبونها يمكن مطها لتصير رواية. ثم وبسبب من ذلك راحوا يطبعون ما يكتبون، يتلاعب بهم الناشرون سعياً للربح، وقتلاً لهم. حتى أن عدوى ذلك انتقلت إلى كتاب محترفين، أملاً منهم في أن يصلوا إلى شريحة أخرى غير الشريحة القارئة للكتاب، وبدأوا هم أيضاً جزء منهم على الأقل- ينتجون ما يتوافق مع متبضعي الفيسبوك، فينثالون أيَّما انثيال، ها هم الآن ينشرون إلى شريحة واسعة، ويسمعون رد فعلها واستحسانها بشكل مباشر أيضاً، وتلك أمور لم تمر قبلاً بخاطر أحد.
ويشير الناشي إلى إن استسهال الكتابة، والظنية الكتابية، لن تترك لصاحبها مجالاً ليبحث عن جنس ما يكتب، أو فيه. وبنشوة موافقة دور النشر، التي يعدها هؤلاء صك استحسان، سيصبح النصح والنقد ضرباً من الاعتداء، ومسّاً بموهبة باذخة في طورها للعالمية.
إن آلة النقد العراقي في مقابل هذا التوسع- لم تكن فاعلة بالمرة، بل لقد فقد الناقد العراقي على قلتهم- تلك الهيبة التي كان النقاد العرب يمتلكونها في العصور المختلفة. حتى ولو قدمتَ لهذا أو ذاك ما ينفعه لتطوير موهبته، فسيكون الدافع الأخلاقي في الغالب هو ما يحمله على الأخذ بما أبديت من رأي، وإلا فبالإمكان أن يضرب النظريات والأجناس بأقرب جدار، ويلوي عنقه ذاهباً لأقرب دار نشر، فيستقبل استقبال الفاتحين، من دون قيد أو شرط. «إن القارئ المتفاعل هو من يستطيع قراءة الأعمال الأدبية في حدود أنواعها وأجناسها، بينما تذهب مهمة التنظير والتقييم إلى النقاد والأكاديميين، الذين ويا للأسف – لا يتناسب نتاجهم مع الموجود. لا أشك أبداً أن الحاجة إلى رقيب جمالي باتت ملحة، وسيكون لدور النشر والمكتبات القول الكبير في ذلك، وعليه فربما نحن بحاجة إلى وثيقة جمال، أقل ما يكون من شروطها هو أن يعي الكتاب جنس ما يكتبون، ويطوروا مهاراتهم، ليكون نتاجهم مقبولاً، وإلا فإن هذه الدور تتعاهد على أن لا تنشر لهم. وتلك أمنية يجب أن تعلو على المنفعة، وأيان لنا ذلك. وغير هذا فإن الوهم سيصنع من البعض رواداً لأجناس غريبة هجينة لا علم لنا بها».

البحث عن المغايرة

من جهته يؤكد القاص والروائي حسن كريم عاتي أن شروط التجنيس لا تعد مقدّسة، والأنماط الجديدة تولد من رحم ما سبقها من أنماط متداولة في لحظة الإبداع… مضيفاً أن الأمر لا يقتصر على الكاتب العراقي، بل هو شرط عام، تؤكده حقائق تاريخ الأدب، وإذا كان الوعي بما ينتجه الكاتب شرطاً للإقرار له بريادة جديدة في ابتكار نمط، فقد تكون الصدفة أحياناً أو المنافسة سبباً للبحث عن الجديد المبتكر. ولا يعتقد عاتي أن هناك ما يستوجب لوم الكُتّاب على الوفرة في الإنتاج، فالكم ينتج نوعاً دائماً. وهناك ميزة أساسية في الإنتاج الثقافي عموماً، كونه مشروع شخصي، يتحمل مسؤوليته المنتج له، ويحمل هويته، ويعبر عن وعيه. وإن قناعاتنا بشروط التجنيس تمثل وعينا نحن، أولئك الذين نتقصى التجنيس بوصفه مقدساً ابتكرناه أو ابتكره غيرنا، وأحياناً جعلناه قيداً يصفد وعينا، فحتى الآن نتداول إن كانت القصة القصيرة نمطاً أوروبياً استورده العرب في أدبهم أم هو نتاج تطور المقامة العربية.
ويوضح عاتي أن للعراق منذ تاريخ الوعي فيه إسهامة مهمة في هذا التجاوز، ومن المؤكد لم تكن للشعر الحر حياة لولا الشاعر العراقي، وإذا لم يكن شعراء العراق ابتكروه ضمن الشعرية العربية، لكان هناك من يبتكره من الناطقين بالعربية. وإذا بحثنا في التجنيس بوصفنا قراء، فإن الأمر يدعونا للتوقف ملياً عند ما أراد الكاتب قوله، قد نتفق معه وقد نختلف، وهو ما يدفعنا لإثارة الأسئلة، وهنا نحصل على تقييم يتصل بقدرة المبتكر على إقناعنا بالمتغير الذي يحدثه على شروط النمط، قد يكون الاستسهال أو الغرابة أو الرغبة في التميز دافعاً لعدد من الكتاب لتحدي شروط النمط. لكن ما يعول عليه هو الوعي بأهمية المتغير الذي يحدثه وليس بالثوب الجديد الذي خرج علينا به.
تجنيس الكتاب بمثابة عقد بين القارئ ومنتج الكتاب، سواءً الكاتب أو المسوّق، بحسب رأي الدكتور أحمد الظفيري، ولهذا يجد أن من الضروري كتابة جنس العمل على غلاف الكتاب، وعدم استثمار العنونة لأغراض التسويق التجاري، لأن ذلك يضعف ثقة القارئ الذي هو مقل أصلاً في عالمنا العربي- في الكتاب والمطبوعات.
من الناحية المفاهيمية فإن معرفة جنس العمل الكتابي أساس مهم من أسس الكتابة الإبداعية، و»قد بدأت ألاحظ في الآونة الأخيرة ازدياد ظاهرة وضع نوع العمل الأدبي بلا معرفة كاملة بحدود ذلك النوع، على سبيل المثال فإن كثيراً من الكتب التي تجنس تحت مسمى (رواية) هي ليست ضمن الإطار الروائي تقنياً، وإنما بعضها يمكن عدها قصةً وبعضها لا يعدو أكثر من مجرد تهويمات لغوية»… ويعتقد الظفيري أن الحل يكمن في اعتماد كل دار نشر على لجنة متخصصة من الباحثين والأكاديميين والكتاب لغرض تقييم نوع المطبوع ومدى صلاحياته، وكذلك فحصه لغوياً، فقد بدأت المطبوعات المليئة بالأخطاء اللغوية تغزو الأسواق دون أي رقابة ولا تقييم وقد قرأ مؤخراً كتاباً وضع تحت مسمى «رواية» علماً أنه دون مفهوم الرواية، فضلاً عن وجود كم هائل من الأخطاء الإملائية والنحوية، و«حين سألت صاحب دار النشر أجابني: لست مسؤولاً عن الأخطاء اللغوية، من المفترض أن يصحح الكاتب أخطاءه واللوم يقع عليه وحده».
ولكن، هناك بعض الكتابات الإبداعية التي ربما تعمد أصحابها للإفادة من الأجناس الأدبية المختلفة وكتبت بوعي وأدوات تؤهله ليترك للقارئ تجنيس الكتاب وفق قدرته وتأويله، مثل كتاب حامد فاضل (مرائي الأمكنة) الذي يصعب تجنيسه لأن كاتبه تعمد التجاور بين عدة مفاهيم كتابية بين الشعر والسرد وفنون أخرى.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية