في عالمنا… هناك ألف فريد!

حجم الخط
0

كان يتسمر امام شاشة التلفزيون… يصيح بأعلى صوته بعد كل مباراة… هذا ما أريد… هذا ما أريد!
كان نجوم الكرة الاوروبية يلهبون أحاسيس الفتى فريد… هكذا حلم ان يكون… هكذا تمنى ان يصير… كبر فريد ولعب مع أقرانه في ساحات الحارة وباحاتها… كان يقلد النجوم… كان يسطع مثل النجوم.
فريد نجم واعد… هكذا ردد المارة وتوقع له الحاضرون… سيكون لك مستقبل باهر قالها شيخ عاصر أجيال النجوم… هكذا زرعت الفكرة برأسه وهكذا حلم فريد بمستقبل زاهر وهكذا كبرت الأمنية في عقله وقلبه.
جاء فريق أشبال من مدريد… ليلاقي فريق أشبال فيه فريد… كان يوم من كتاب ألف ليلة وليلة لفتى نام يحلم بهذه اللحظة كل ليلة… انتهى اليوم وفريد على الاعناق… كان نجماً فاق تألقه التوقعات وفاق… صفق له المدريديون وصاحبوه… سنبقى على تواصل قالها قائد أشبالهم… أدرك فريد انه قطع الشوط الاهم… شوط كان يراه فقط على شاشات التلفاز… تعزز الحلم وكبر… وكبر معه اصراره وعزيمته.
فريد فتى ناضج… مراهق يبحث عن تحقيق الحلم… تحقيق صورة رآها في مخيلته كأنها يقين… جلس مع والده يتحاور في شأن مستقبله… الكرة لا تطعم لقمة عيش، قالها الوالد بحزم… اهتم بدراستك وانسك من لعب الاطفال، اطلقتها الوالدة ببساطة… كانت الرصاصات تنهش صدره وكأن ما سمعه نزع الروح من جسده… كانت عيناه تدمعان وهو يرى الحجر تلو الآخر يسقط من عرش أحلامه.
لم ييأس فريد… ظل الحلم يراوده… أقنع والديه بأن لديه موهبة حقيقية… موهبة لا مثيل لها بين أقرانه… لكن ظل حائط صد الوالدين قائماً… لكنهما اقتنعا بان يلتحق فريد بالنادي المحلي… هدفه الاول التواصل الاجتماعي قبل ممارسة اللعبة التي “لا تطعم لقمة العيش”… لكن نفسه كانت تعز عليه ان يبتعد عن عشقه الوحيد… حضر تمارين فريق الكرة… والتف حول رغبة الرافضين… لكن سرعان ما كان يصطدم بجدران… جاء مبكراً لحصة تدريبية… نهره المدرب: ماذا تفعل هنا؟ فرد بلهفة طفل: جئت لأتمرن… ضحك المدرب وطلب منه الرحيل لان لا وجود للاعبين هنا لا في النهار ولا الليل… بات الخناق يطبق على رقبة فريد… بات الحلم يتلاشى رويدا رويدا… ليقتنع اخيراً بان لقمة عيشه تكمن في مكان بعيد… بعيد عن عشقه الاول.
فريد في مطلع العشرين، يمارس اللعبة هاوياً في أزقة تشكو من دوس المارة ومن هرولة عجلات السيارات… لكن همه الاول انصب على كسب لقمة عيش تعين أسرته وترفع من معاناتهم… هذه اللقمة تأتي من أعمال عامة ومن مزاولة أنشطة خاصة عادية في أوقات عصيبة.
جاءته رسالة الكترونية من صديقه المدريدي: سنأتي اليكم لنلعب ضد منتخبكم الوطني… بالتأكيد انت نجم كبير فيه اليوم!… اغرورقت عينا فريد… نزف قلبه حزناً قبل ان يرد: بالتأكيد… بالتأكيد.
جاء يوم اللقاء… المنتخب الوطني ضد فريق مدريد… المدرجات ملأى والحشد مديد… المشهد مألوف عدا عن غياب فريد.
غاب فريد عن الملعب، لكنه كان في المدرجات… ليس متفرجاً ولا مسؤولاً ولا رجل أمن… حمل فريد أكوازاً ورقية وسطل الترمس يدور بين الجماهير… وعيناه لا تفارق اصدقاءه نجوم مدريد… كان يسمع ما يقولون ويرى الى ما يشيرون… لتلتقط أذناه كلمات صديقه القائد وهو يصيح: أين هو فريد… اين فريد؟
زادت حرقته وأدار ظهره الى الملعب متظاهراً ببيع منتوجه للمشجعين، ليسمع الصديق يقول لصديقه: هل يسأل نجوم مدريد عن فريد؟ ليرد صديقه: مساكين لا يدرون… لا يدرون ان هناك أيضاً خالد وأحمد ووحيد… وعمر ويوسف ووليد… هناك ألف فريد.

خلدون الشيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية