في عالم التحديات والضحايا والبحث عن الحرية… لا نتاج بألوان زاهية

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: تبين وبالعين المجردة أن مارد ما سمي بـ»الربيع العربي» غدر بغالبية المثقفين العرب وترك قمقمه على حين غرّة منهم. فاجأهم تماماً كما فاجأ الملايين.
غاب فعل المثقفين وظهر أنهم ملتصقون في عوالمهم بعيداً عن الناس، أو هم من مثقفي الحاكم، يتلون المزامير تمجيداً له. إن غابت طليعة المجتمعات عن أي دور في «الربيع العربي»، فهل من أثر لهذا الربيع على المثقفين؟ ما هو أثر هذا الربيع على الإنتاج الأدبي من شعر ورواية؟ وعلى خطوط اللوحة الفنية ايضاً؟
في هذا التحقيق ننقل ما قاله مثقفون من لبنان عن أثر «الربيع العربي» على نتاجهم.
الروائية والكاتبة علوية صبح رأت «أن المراحل المفصلية في حياة الشعوب تترك أثرها على الكاتب الوثيق الصلة بمجتمعه وبالمرجع الحي لهذا الواقع. لذلك وجدت نفسي وأنا أكتب رواية سابقة على «الربيع العربي» وكادت تصل لنهايتها، أضعها جانباً. كما وجدت نفسي لا شعورياً أباشر الكتابة برواية ثانية تعبر عما سميَ بـ»الربيع العربي». أجواء الرواية تحتل الواقع الذي تشهده المنطقة من تحديات، عنف، خراب، أحلام، وكل ما أثّر في حياتنا، وفي مخيلتنا، وفي واقعنا اليومي المعيشي. ليس ممكناً الهروب من تأثيرات المرحلة على النص المكتوب. فأنا الآن في مرحلة كتابة رواية هي من الواقع العربي المعاش».
في نصوص محمد علي شمس الدين الشعرية استشراف للربيع العربي وتأثر بأحداثه الجسام. يقول: لدى اندلاع ثورات «الربيع العربي»، وككل حدث كبير رجعت إلى شعري لأرى إن كنت على بينة مسبقة من هذه الحركات. أين كنت أنا وشعري من مجرى التاريخ القلق؟ والحقيقة أنني عند المنعطفات أعيد النظر في قصائدي. لا أستطيع القول اني تنبأت بالتفاصيل وبالمفاجآت. لكني أستطيع القول اني تلمست المجرى الأساسي في حركة التاريخ العربي الحديث والمعاصر. إذ ما الذي دفعني كي أكتب عند اندلاع حركات التحرر العربية في العالم العربي وكأنني أصف شبحاً كاريكاتورياً لقائد الزحف الأخضر حين أقول: «جمل مجنون في الصحراء.. يدور ويرقص كالدرويش.. فيضطرب الأعراب.. صراخ الوحش قريب.. وصراخ الإنسان غريب كالإنسان». انطلقت حركات الربيع العربي، من حدث قوي، وهو اشعال محمد البوعزيزي نفسه في تونس. هذا الحدث ومن ثم اندلاع الحركات الشعبية في تونس، وفي مصر وسائر البلدان، جعلني أستيقظ على سؤال كبير: هل القمقم العربي أطلق مارده الشعبي حقاً؟ وحيث أن يقيني صعب عادة، والدليل أنني وصفت جنون جمل في الصحراء واصفاً أحد القادة العرب، فتريثت، مع شعوري المزدوج بالغبطة والخوف. اغتبطت لأن الجسد العربي لم يكن قد مات. وخفت لأن يقيني صعب. هل أثرت الحركات، او الثورات، أو الانتفاضات، أو الحروب الأهلية العربية من عام 2011 حتى الآن على شعري؟ نعم أثّرت. والسؤال المهم الآخر كيف؟ كتبت بين 2011 و2013 مجموعتين شعريتين الأولى «ينام على الشجر الأخضر الطير»، والثانية «النازلون على الريح». المقطعان التاليان يلخصان رأيي في حركات «الربيع العربي»، لاسيما أنها سميت بالربيع، هذا اللون الأخضر دليل الربيع. وحين أقول «ينام على الشجر الأخضر الطير» أشرت لهذه المسألة. وفي القصيدة التي تحمل العنوان نفسه أقول ما يلي:»ينام على الشجر الأخضر الطير.. لا تيأسي واهدئي.. فمن مات واحترقت روحه.. في الربيع الذي جاء بعد الأوان.. حفنة من ملوك الزمان.. هرمت مثلما تهرم السلاحف في البحر.. ألقت معاطفها على ساحل الأبيض المتوسط.. واندثرت كالقباب القديمة.. نفقت وهي مقلوبة على ظهرها.. وأعينها كالزجاج.. ولا بأس أن تشهدي جحافل تهوي من الطير.. تغرز في جمجمات الملوك مناقيرها.. وتأخذ شيئاً من القوت والملح.. خائفة في انتظار النشور.. فما بين يوم وآخر.. تنهض من نومها الكائنات.. ويبعث من في القبور.. على الرمل تجثو الرياح عظاماً.. وتنصب منها شواهد للقادمين.. خياماً أرى أم قصوراً.. على بقعة من دماء وطين». كنت فرحاً بنهضة الجسد العربي من كبوته لكي يقلب الطغاة. وقد سجلت هذه الغبطة مع ريبتي. لأنني أقول في القصيدة عينها للمرأة التي أخاطبها: «وعيناك فيها كبدرين يرتجفان من شدة الخوف». في قصائد ديوان «النازلون على الريح» الذي صدر عن دار الآداب نهاية سنة 2013، تنعكس حركات الشعوب العربية ومآلاتها. القصيدة الجوهرية في «النازلون على الريح» تحمل التسمية ذاتها. قلت هذه القصيدة من خلال مشهد رأيته أمام شرفة منزلي لنسوة سوريات نازحات ينشرن الغسيل في فسحة. «النازلون على الريح» هم النازلون على القلق، وفي هذه الحروب الممتدة من أقصى الشمال الأفريقي وصولا إلى قلب سوريا انحاز إلى فئة وسيطة. فلا هي بالمعارضين الذين انتهوا إلى ما انتهوا إليه، ولا إلى السلطة التي هي في الأساس مثلما هي، انحاز للضحايا. أقول في هذه القصيدة: ألا أيها الله يا واهب الملك.. تعطيه من شئت أو من تشاء.. أعطه مرة للضحايا.. أعطه مرة للذين بنو عرش زنوبيا.. كي تنام على تخت قيصر.. والرمل يشهد كم دفنوا من عظام.. وكم أحرقوا على الصخر أنفاسهم في الهواء.. آه لو نطقت تلكُمُ الساكتات الحجارة.. أو أخرجت تدمر ما يستريح بأحشائها من قبور المساكين.. أو غيظهم.. آهِ لو خبّر راعي الغنم بصحراء تدمر عمن أتوه من الغيب.. ثم استراحوا على جلد ماعزه.. قتلوا الشاة.. ناموا وقاموا.. ولكنهم لم يصلوا». هكذا أرى الأمور.
لوحة الفنان التشكيلي حسن جوني صارت في حال غير حالها بعد «الربيع العربي». يصف أثر الربيع العربي في لوحته بالقول: ليس من السهل العيش في العالم العربي بدون الاحساس العارم بكسر الأحلام، ومحاولات اغتيال الحاضر والمستقبل، لذلك عادت إلى لوحاتي حالات اليأس القاتل من أمة ما أن تنهض من كارثة حتى تتهاوى في كارثة أعم وأشمل. كنت أنتظر من «الربيع العربي» ربيعاً ينعش الروح العربية، ويعيد الربيع للعقل العربي، لكني فوجئت بهذا الانحطاط الذي عاد وحلّ فينا وحولنا، كأننا أمة تتلقى لعنة التاريخ وسيء الأقدار. عادت لوحاتي تغوص في سوداويتها بحثاً عن كرامة الإنسان العربي، رغم ما تحتشد به عناصرها من ألم وخوف وهباء.
تنظر الروائية الفلسطينية سلوى البنا بعين الريبة إلى «ثورة ليس في القلب منها فلسطين». وتقول: لا «ربيع عربي» ولا خريف. وليس ثمة تسمية أو تواصيف، يمكن أن تنطبق على المشهد الذي نجح بامتياز. ليحرف العقول والقلوب، وبالتالي الأقلام. ويقبض على ناصية الكلمة ليطلقها رصاصاً في صدر الوطن. وليس ثمة سلاح أشد فتكاً من الكلمة، فكيف إذا رفعت شعار «الربيع»، وأطلقت الشوق الغافي في عروق المبدعين. وحررت أقلامهم من غفوتها القسرية. للأسف كثيرون سقطوا في فخ المشهد الصادم وكأنه المستحيل. فاشتعلت الأقلام وتشعبت وغرقت باللعبة، وابتلعها المشهد. وأفقدها البوصلة الحقيقية. بالنسبة لي لم استطع التماهي ككاتبة مع هذا المشهد. وإن استوقفني وحرّك مشاعري كالملايين من أبناء هذا الوطن الجائع لحرية باتت وكأنها مستحيلة. ثمة ظل خلف المشهد لجم اندفاعي. ليصبح هذا الظل أكثر وضوحاً، وتبلورا وانعكاساً في هذا التشظي الموجع والصادم للوطن. ربما هي بشاعة التزييف، وربما هي مرارة الصدمة، أو الخيبة لهشاشة نبض الشارع الذي اعتقدته على مدار سنوات العمر مسكوناً بحب فلسطين. أعاد لقلمي اندفاعة الشباب، وبعناوين التمرد والرفض لثورة ليس في القلب منها فلسطين. ثورة عصية على التدجين والتركيع، خطت بنبضها حدود فلسطين. وصاغت ملامح زمن عرف بالزمن الجميل. من هنا ولدت روايتي الجديدة «عشّاق نجمة»، التي أعادتني إلى حضن يافا ونابلس، وصالحتني مع الزمن الجميل. واستحضرته بقوة بفرسانه ومبدعيه، وبأصالة ثورته، التي كانت بوصلتها الحقيقية فلسطين. برأيي هي فلسطين محرك الابداع في قلمي، وسر توهجه وعطائه. وربما غيابها أو تغيبها عما سمي زوراً «بالربيع» فجّر الثورة في قلمي من جديد ليعيد الاعتبار لثورة عنوانها فلسطين. ثورة تلد ابداعاً بجمال وطن مسكون، بنبض لا يموت ولا ينطفئ أو يفنى.
انها الخيمة التي اصبحت صنواً للنازح العربي. بدأت مع اللاجئين الفلسطينيين، فضربت أوتادها في أصقاع لا تعد من لبنان، سوريا والاردن. التاريخ الأبعد للخيمة والمخيم مغروس في الذاكرة، وموثق في الصورة مع النزوح الأرمني الكثيف بعد تعرضهم للمجازر في تركيا. الفنانة اللبنانية الأرمنية تانباك هجست بكل المخيمات التي تعرفها بالعين المجردة وتلك المطبوعة في ضميرها من حكايا الأهل. ولهذا كان معرضها «In Transit» في كاليري أجيال مؤخراً. لماذا هذا المعرض؟ تقول: منذ كنت طفلة كنت أرتاد مع والدي منطقة الكرنتينا حيث كان عمله، وفي طريقنا كنا نمر على منازل من صفيح، وأخرى من كرتون وتنك. كنت أسأل لماذا وكيف يسكنها البشر؟ وكان والدي يخبرني «نحن الأرمن عشنا في مخيمات مماثلة لدى قدومنا إلى لبنان». علقت الصورة في ذاكرتي. والمؤلم أنه في بداية الحرب الأهلية اللبنانية تم تدمير بيوت الفقراء في الكرنتينا وتشريدهم من جديد. مع تفاقم النزوح البشري بنتيجة الحرب السورية انشغلت فكرياً بهذه المنطقة التي نعيش فيها، والتي لا تنفك ناسها عن الهجرات القسرية الجماعية، ولا تمل أرضها من مخيمات النزوح تزرع في احشائها من الأرمن، إلى الفلسطينيين وحالياً السوريين. من هنا كان الوحي الأساس لمعرضي. وسبق أن طلب مني الأرمن تجهيز معرض بمناسبة المجازر الأرمنية، فلم أرغب بالدم والضحايا، فكانت المخيمات هي الخيار. تابعت رسم انعكاس المخيم على نفسي وريشتي، إلى أن جاء صالح بركات صاحب كاليري أجيال طالباً تنظيم معرض فكان «In Transit». معرض يعني كل عين. فنصف العالم العربي يعيش في مخيمات. كما وشاركت بمعرض في دبي تحت عنوان «حدائق الشرق»، فكانت لوحتي ترمز لمخيمات اللجوء، وقد أطلقت عليها عنوان «حديقة المنفى». كانت جرأة كبيرة أن يكون المخيم موجوداً في لوحة ضمن معرض يحكي الحديقة المتخيلة في الشرق. ومن معرض دبي تمّ اختيار لوحتي لتكون في معرض جورج بومبيدو في باريس. تعود تانباك للسؤال وتقول: من الطبيعي أن تنعكس الأجواء والأحداث التي نعيشها على ريشتي ولوني. نحن نتأثر بالشمس والهواء والشتاء والبشر. لو عشت في النرويج لاختلف ما اقدمه من فن. فهل ارسم الأزهار في مثل هذا الواقع الأليم؟
هو شاعر ومسرحي وكاتب ويصف نفسه بالشاعر السابق الذي يحاول العودة. لهذا نسأل يحيى جابر أن يفند أثر «الربيع العربي» في محاولات عودته تلك؟ يقول: ما حدث أن الشعر اصبح في الشارع، كذلك السينما، المسرح والرواية. منذ سنة 2011 يشكل هذا الكابوس بالنسبة لي تربة خصبة جداً يصعب الإحاطة بها في اللحظة الحاضرة. ثمة اسماء تشكل بالنسبة لي ابطالا اسطوريين أمثال البوعزيزي في تونس، وغيره في كل بلد وكل دولة. وهكذا خرجت بالنسبة لي الأساطير من الشارع وليس من المخيلة. لا شك نتساءل عن أثر كل ذلك في اللغة؟ وهل النار السابقة كما النار الحالية؟ وهل الحروب السابقة كما الحروب حالياً؟ هذا ما يستوقفني ويدفعني للتفكير من جديد بالماضي والحاضر. لمعرفة ما سيؤول إليه المستقبل. مفردات ومصطلحات جديدة دخلت إلى اللغة بفعل ما هو حاصل. وكانت وجهات نظر رؤيوية. وأصبح الماضي حاضراً أمامنا. وهذا ما يضعني أمام اسئلة أكثر من الإجابات.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية