في «عشم» المصري ماجي مرجان: الأبطال يبحثون عن أنفسهم بين ظلال الثورة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: حين تسند البطولات الجماعية لممثلين غير معروفين عند معالجة قضية اجتماعية ذات أبعاد إنسانية، تضيق المسافة بين الشخصيات الدرامية والجمهور، وتصبح معدلات التأثير أعلى بكثير، حيث يرى كل مشاهد نفسه في الشخصية التي يراها تتحرك وتمشي وتتألم، أي أن صورة النجم المشهور والبطل الاعتيادي تتلاشي تماما من ذهن وعقل المتلقي، فيتعامل مع من يقومون بالأدوار من الوجوه الجديدة، باعتبارهم أصحاب القضية الأصليين، ومن ثم يحدث التجاوب والتفاعل سريعا مع الأشخاص والأحداث.
شيء من هذا القبيل وجدناه في فيلم «عشم» لمخرجته ماجي مرجان، التي أسندت كل الأدوار والبطولات لممثلين جدد، هم في الواقع مشاريع نجوم وليسوا نجوما، فحولت الأحداث من مجرد سيناريو مكتوب إلى حالة راهنة تتشابه مع حالات كثيرة في حياتنا اليومية، أبطالها يعيشون بيننا نعرفهم ويعرفوننا جيدا، وقد اختصرت الكاتبة والمخرجة مراحل كثيرة من التمهيد والاستهلال لزوم الإقناع، وخلق علاقة التواصل مع أبطال فيلمها التراجيدي الإنساني، المركب ذي المستويات المتعددة في اللغة والوعي والفهم والموضوع.
ماجي مرجان لها بطل رئيسي «عشم» ومجموعة شخصيات مساعدة، وأبطال إضافيون داروا جميعا في فلك الفكرة وحملتهم مهمة توصيل المعنى المراد توصيله، وهو في الحقيقة ليس معنى واحدا ولكنه عدة معان وثيقة الصلة ببعضها، وإن اختلفت أشباهها وماهيتها فالفتاة التي تعمل في دورة المياه العمومية وتعاني من اضطهاد رئيستها في العمل هي صورة مطابقة في التفاصيل والشكل والطبيعة للممرضة التي تعمل مع الطبيب الشاب، وتتلمس أمنية تراها مستحيلة، حيث أنه من غير المنطقي أن تعقد الأمل في الحب والزواج، وهي واعية تماما بالمسافة الفاصلة بينهما، ومن ثم تظل طوال الأحداث تقترب وتبتعد بتردد من هدفها، من دون إحراز أي نتائج إيجابية، حتى توقن أنها ليست أكثر من أداة اتصال بينه وبين المرضى لتسهيل مهمته كطبيب، وأقصى ما يمكن أن يتحقق على مستوى آخر أن تكون بديلا له في غيابه للاعتناء بوالدته المريضة، وهذا هو المسوغ الوحيد لارتباطهما خارج المستشفى، أي أن العلاقة مشروطة بتبادل المصلحة لا أكثر ولا أقل.
أما الفتاة العاملة في دورة المياه، فهي الأكثر اتساقا مع واقعها تقنع بابتسامات الرضا ونفحات العابرين على المرفق العمومي، من الشخصيات ذات الحيثية التي رمزت إليها الكاتبة بالممثلة المشهورة، قبل أن تنتقل الفتاة إلى عمل آخر، وترتقي في السلم الاجتماعي بالعمل في أحد محلات الملابس الجاهزة الحريمي، فتكسب خبرات مختلفة في التعامل وتطور من أسلوبها لزوم الموقع الجديد والمكانة الجديدة.
شخصيتان ثريتان للغاية تبلوران الفكرة وتقربان المشاهد من المضمون في اتجاه السعي نحو اكتمال الصورة الدرامية الاجتماعية، التي تكسبها ماجي مرجان شحنات تراجيدية مكثفة، بتوازيها مع بقية الشخصيات الأخرى المحبطة والمكسورة.
فعشم وهو البطل البهلوان أو البلياتشو أو البائع المتجول أو كل هذه النماذج مجتمعة، إنسان طيب انقطعت مسيرته التعليمية عند حدود المرحلة المتوسطة، ففقد بوصلته وبات هائما على وجهه يجوب الشوارع والميادين ليبيع البالونات ولعب الأطفال، مستجديا العطف بمعسول الكلام وخطب الود الزائف لضرورة أكل العيش، ولأنه من نسيج الفقر والطبقة المهروسة اجتماعيا واقتصاديا نفسه يجمعه القدر بالممرضة إياها، ويجد ضالته معها وتزيح به شبح العنوسة عن طريقها فينطلقان معا على دراجة بخارية، في مشهد موح ودال على بؤس الحالة الموجعة، كأنه الفرار من سوء الحظ إلى أبعد نقطة على سطح الأرض.
نأتي إلى نموذجين آخرين مختلفين شكلا، لكنهما يعانيان من الحالة الاكتئابية نفسها، ويعيشان واقعا مريرا أيضا، جراء إصابة الزوج بمرض لم يتم الإفصاح عنه وضعف الزوجة وقلة حيلتها، فهي تحاول جاهدة صناعة البهجة بتغيير بعض عاداتها وتقاليدها لكسر الرتابة والتغلب على الإحساس بأنها مجرد ضيفة شرف في حياة زوجها المشغول بالتحاليل والأدوية، أو بمتابعة مباريات كرة القدم كوسيلة للهو والنسيان.
تلك هي ملامح المأساة متعددة الأوجه والأطر في فيلم ماجي مرجان «عشم»، التي استغرقتها التفاصيل فقدمت رؤيتها التشاؤمية الكئيبة معظم الوقت، قبل أن تغلق الدائرة على معنى مغاير لهذا المفهوم، بإتاحة الفرصة للشخصيات لتعديل مساراتها، بالنظر لما هو أبعد من اللحظة الراهنة وارتباط ذلك بقيام الثورة التي أشارت إليها بجملة عابرة قالتها إحدى الشخصيات، عشم في المصعد بعد أن ترك العمل كبائع متجول وتعين براتب ثابت عاملا للأسانسير، حيث سألته قائلة: أنت حتروح التحرير لتشارك في المظاهرات فرد بالنفي لأنه وجد الوظيفة التي كان يحلم بها.
المشهد يحمل إدانة للمجتمع الذي جعل مثل هذا المواطن يختزل غاية الثورة في مجرد الوظيفة، ولهذا لا يجد ضرورة للمشاركة فيها، طالما حصل على ما يريد وأصبح آمنا على نفسه ومستقبله، كذلك وضعت كاتبة السيناريو والمخرجة نهاية إيجابية لكل شخصية لكسر القتامة، وإضفاء مسحة من التفاؤل كأنه التبشير بالمستقبل المقبل فقد تغير حال عشم للأفضل، وجاءت تحاليل الزوج المريض سلبية، واستمرت الفتاة العاملة في محل الملابس في مهنتها الجديدة وطارت الممرضة على الدراجة البخارية إلى حيث تريد، وهكذا سقطت الأعباء عن كاهل الأبطال، حتى الرجل المسن الذي كان يداعب جارته بالورود وتوحي علاقته بها بثمة خيانة، بدا لطيفا وديعا يتصرف وفق مقتضيات السن والخبرة بشكل أبوي مقبول، وهي الشخصية التي أداها المخرج الكبير محمد خان بحساسية شديدة تنم عن اكتشاف جديد له كممثل.
لقد أثبتت ماجي أن تحت السطح الخارجي للحياة والبشر تختبئ تفاصيل كثيرة مختلفة في الشكل والجوهر.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية