في عملية جرود عرسال أصبح الحزب هو الدولة والحكومة تابعة وأما الجيش فحارس

حجم الخط
3

أنهت صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله وجبهة فتح الشام (المعروفة سابقا بجبهة النصرة) وجود الجماعة الجهادية على الحدود اللبنانية السورية، وبقيت معركة أخيرة مع عناصر تابعة لتنظيم «الدولة» الإسلامية وبذلك يتم حزب الله المنظمة، غير الدولة مهمة كان على الجيش اللبناني غير الطائفي لدولة تقوم ومنذ ولادتها على المحاصصة الطائفية القيام بها. وبذلك انتصرت الطائفة الشيعية التي يمثلها مقاتلو حزب الله ونوابه في البرلمان على هيبة الدولة اللبنانية. فالعملية التي قام بها الحزب في 21 تموز (يوليو) في جرود عرسال، وهي التي ظلت منذ بداية الأزمة السورية في عام 2011 منطقة ساخنة ومعبرا للجهاديين والمقاتلين السوريين ضد نظام بشار الأسد، أفضت إلى تحرير عدد من مقاتلي حزب الله الأسرى لدى جبهة فتح الشام ومبادلتهم بأسرى لدى الدولة اللبنانية من الجبهة وترحيل أكثر من 9.000 آلاف مقاتل ونازح سوري على الأراضي اللبنانية تظل مسألة عودتهم إلى مناطق المقاتلين في إدلب محلا للجدل، فهي ليست عودة طوعية بقدر ما هي نتاج لحملة الشيطنة التي يتعرض لها المهاجرون السوريون في لبنان وعددهم مليون ونصف لاجئ.

سوريا المفيدة

وحققت عملية عرسال الكثير من الأهداف بالإضافة لترحيل اللاجئين، فهي من ناحية تعني طي صفحة وجود جبهة فتح الشام على الحدود اللبنانية- السورية، وتمثل أكبر عملية ترحيل للاجئين منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية قبل ست سنوات، وفرصة ذهبية للرئيس الأسد لاستعادة السيطرة على ما يطلق عليها «سوريا المفيدة» حسب حنا لوسيندا- سميث في تقرير لها في «التايمز» (4/8/2017) ويعني بها التجمعات الحضرية ذات الكثافة السكانية الكبيرة وتشمل العاصمة دمشق والمناطق الساحلية إلى مدينة حلب. وترى سميث أن اتفاق الهدنة الذي تم التوصل إليه بين حزب الله وجبهة فتح الشام يساعد الأسد على استعادة معاقل المعارضة التي تتعرض لعملية إجلاء قسري ويتم حشرها في محافظة إدلب الخاضعة للجماعات المتشددة بهدف ضربها فيما بعد. وعملية جرود عرسال هي جزء من عمليات يقوم بها النظام مستغلا الوضع الجديد في البلاد حيث تم فيه تحييد معظم جماعات المعارضة في الشمال والجنوب والغرب. ففي ظل تخلي الأمريكيين عن الساحة السورية لروسيا باتت هذه وحليفتها الإيرانية اللاعبان المهمان فيها. كما أن تغير أولويات السياسة التركية التي باتت مسكونة بهاجس منع ولادة كانتون على حدودها الجنوبية يمنح الأسد الفرصة لمهاجمة تنظيم «الدولة» في دير الزور. كما ويعول على هشاشة تحالف قوات سوريا الديمقراطية التي قد تقايض الرقة مقابل الحفاظ على كانتوناتها في شمال- شرق البلاد. ومن ناحية رمزية أسهم قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف برنامج «سي آي إيه» لتسليح وتدريب المعارضة السورية، بمساعدة الأسد الذي لم يعد تغيير نظامه على رأس أولويات الإدارة الأمريكية كما يرى فابريش بالونش في مقال له نشرته مجلة «فورين أفيرز» (2/8/2017) وقال فيه إن أمريكا ترامب تعتمد اليوم على روسيا لمواجهة التهديد الإيراني في المنطقة. وضمن هذا السياق تعتبر عملية جرود عرسال انتصارا لإيران وضربة للجهود الأمريكية الهادفة لمنع إنشاء ممر بري يمتد من الحدود الإيرانية وعبر العراق وسوريا إلى لبنان. فالعملية التي قام بها حزب الله ستؤدي إلى تحقيق رغبة إيران بإنشاء منطقة نفوذ لها على الحدود السورية مع لبنان. وهي جزء من الترتيبات التي جرت بين الأمريكيين والروس الذين اتفقوا على إقامة مناطق تجميد قتال تعني في المصطلحات الجيوسياسية مناطق فك ارتباط يشرف عليها الروس وأخرى تابعة للأمريكيين وقد تحقق سيناريو كهذا في الجنوب المحاذي للأردن ومرتفعات الجولان. لكن أهم ما تكشف عنه عملية جرود عرسال هي تحييد الجيش اللبناني وما رافقه من «شيطنة» للاجئين السوريين والحديث عن مخاطر وجودهم على التوازن الديموغرافي اللبناني ضمن عملية إعلامية محكمة أشرفت عليها أبواق حزب الله وتابعتها بعض الصحف الأجنبية وللأسف. وهناك بعد آخر يتعلق بالعلاقات اللبنانية- السورية التي يرغب حزب الله تطبيعها أو إجبار الحكومة اللبنانية للعودة إلى حضن دمشق.

دور الجيش

وفيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، فقد وجدت نفسها منجرة لحرب لم تحضر لها إلى جانب طرف بات يلعب دور الحامي للبنان. وفي هذا السياق كتبت ليزي بورتر من «ميدل إيست آي» (2/8/2017) ان الحزب والقوات السورية قادا الحرب على جبهة فتح الشام لا الجيش اللبناني. ومع أن الجيش قام بمحاصرة مواقع حول عرسال لمنع المقاتلين من الهروب إلى داخل لبنان وقدم الغطاء المدفعي للعملية، إلا أن الذي قام بإلقاء الخطابات لإعلام الرأي العام عن مجريات المعركة كان الأمين العام للحزب، الشيخ حسن نصر الله. وكان الإعلام المتعاطف مع الحزب هو أول من وصل لعرسال، فيما قام قادة الحزب العسكريين بأخذ الإعلام الغربي في جولات في المنطقة. ويرى محللون وصحافيون أن مقاومة الحزب لم تعد مقتصرة على إسرائيل بل ويقوم بالترويج له باعتباره الحامي للبنان من الإرهاب الآتي من الشرق. ونقل الموقع عن مراسل صحافي قوله إن الجيش اللبناني لم يكن موجودا «في المعركة كانت المقاومة فقط». وأضاف الموقع أن الجهة التي تسيطر على المنطقة هي حزب الله. وحسب توني بدران، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية فإن الدور القيادي للحزب في عرسال يعكس «الواقع الذي يحدد الأجندة والتوجه العملياتي أيضا». وتشير الكاتبة إلى الدعم الذي قدمته بريطانيا والولايات المتحدة للجيش اللبناني. ففي نيسان (إبريل) وعدت الحكومة البريطانية بتدريب 11.000 جندي لبناني بحلول عام 2019، فيما قدمت أمريكا له 50 مصفحة همفي وألف رشاش. وفي الوقت الذي تنظر فيه السفارات الأجنبية للمؤسسة العسكرية باعتبارها الحامي الشرعي للبنان إلا أن الكثيرين في لبنان ينظرون لحزب الله بأنه الحامي. فالدعم الذي يتلقاه الجيش لا يصل لدرجة ما يحصل عليه حزب الله من الحرس الثوري ويقاتل في سوريا منذ خمس سنوات. كما أن الدعم السياسي له داخل لبنان يعطيه تميزا على المؤسسة العسكرية الشرعية. ففي شباط (فبراير) قال الرئيس ميشال عون إن حزب الله هو «جزء ضروري للدفاع عن لبنان». ويعلق بدران «ما قاله عون يعبر عن تبعية الحكومة اللبنانية لأوامر حزب الله عندما يتعلق بوضعه كجماعة مسلحة وكيف يعمل مع الجيش اللبناني». وأضاف أنه يريد تأكيد موقعه المتسيد بناء على شعار «الجيش، الشعب والمقاومة». وبهذه المثابة فهو شريك للجيش يسمح له بالتأثير وتقديم نفسه على أنه النموذج لحماية البلد. ويصبح الجيش تابعا لـ «المقاومة» حيث يقوم بحماية الطرق وتوفير الدعم اللوجيستي للحزب لا غير. ويرى ثانسيس كمبانيس الزميل الباحث في «مؤسسة القرن» الأمريكية ومؤلف كتاب عن حزب الله، أن تقوية الجيش اللبناني لن تؤدي لوقف سطوة الحزب على السياسة اللبنانية «فهذا تعلل بالأماني» و «قادة الجيش الكبار لن يعارضوا حزب الله حيث يرونه ضروريا للدفاع ضد إسرائيل». لكن صعود الحزب لا يثير بهجة الجميع، فالسنة في لبنان ومن يدعمون رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قلقون من قوة وتأثير الحزب. وبدا هذا واضحا من تصريحات كتلة المستقبل التي يقودها الحريري الذي يقوم برقص يومي بين الأطراف المتعارضة وحكومة لم تنشأ إلا بعد توافقات ودعم من حزب الله. ويقول كمبانيس، إن عملية عرسال تأخرت بسبب تردد الجيش وضع الجنود السنة في عملية بقيادة حزب الله، فالتيار الرئيسي من السنة يشعر بالحنق من قوة حزب الله وأنه هو الذي قاد العملية لا الدولة.

الحريري يتحدث

ولن يتغير موقف حزب الله على المدى القريب رغم ما تعرض له من خسائر في المعركة الأخيرة وفي سوريا. وكان لافتا في مقابلة مجلة «بوليتكو» (31/7/2017) مع الحريري أثناء زيارته واشنطن. وقالت سوزان غليسر إن الحريري لام الولايات المتحدة لأنها لم تتحرك ضد الأسد وأعطت القيادة لروسيا التي باتت تتحكم بسوريا «التداعيات المؤسفة لعدم التحرك»هي إعادة القوة الروسية للمنطقة. وقال إن مشكلة إدارة باراك أوباما تكمن في سذاجتها والفجوة بين الطموح والفعل. وتقول غليسر إنها عندما سألت الخبراء السياسيين في الشرق الأوسط عن الأسئلة التي يجب توجيهها للحريري كانت: «حزب الله، حزب الله، حزب الله». وعلق خبير إنه لن يكون صريحا بشأن الموضوع «لا يستطيع الحديث عما يعتقد به حول حزب الله، وإلا فستنهار الحكومة» مضيفا «إنه رهينة وكل البلد رهينة» للحزب. ولاحظت أن الحريري التزم بموقف براغماتي كلما طرح موضوع الحزب، مؤكدا أن استمرار الفراغ السياسي في لبنان كان سيؤدي لوضع مثل سوريا أو العراق. ولكنه اعترف أن حزب الله قرر خوض المعركة في عرسال بقرار فردي دون استشارة الحكومة. وكما علق بول سالم في «فورين أفيرز» (3/8/2017) فقد عبر الحريري في واشنطن عن أسفه لقيام الحزب لا الجيش بالعملية. ويقول سالم إن لبنان يعاني أزمة بين الحكومة والحزب لا يمكنه حلها بنفسه بل تحتاج لتسوية واسعة وضمن المنطقة. وقال رئيس الوزراء اللبناني لغليسر إن حزب الله هو «موضوع إقليمي» فهو في العراق واليمن وسوريا. ولهذا السبب فهو لا يريد الدخول في موضوع إقليمي «وكل ما أريده هو تأمين بلدي لأننا جربنا الحرب الأهلية وشاهدناها ودفعنا 200.000 شخص قتلوا فيها».

تطبيع باسم اللاجئين

إلا أن الحزب يفرض أجندته على الحكومة وهو ما لم يقله الحريري، فضمن أجندات العملية إجبار الحكومة على تطبيع علاقتها مع دمشق. وكما تقول مها يحيى في موقع «سيريا إن كرايسس» في موقع مركز كارنيغي (31/7/2017) فإن حزب الله وحلفاء النظام السوري يستخدمون موضوع اللاجئين لإعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية التي تدهورت بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 حيث تتهم دمشق بالوقوف وراءها. وكانت العلاقات قد تحسنت لفترة وجيزة بعد العام 2009 إلا أنها ما لبثت أن تدهورت من جديد في أعقاب الحملة القمعية التي شنها النظام السوري ضد الانتفاضة المدنية في العام 2011. وتعتقد يحيى أن عملية عرسال هي استمرار لبرنامج إعادة اللاجئين الذي بدأ حزب الله بتطبيقه بداية هذا العام. وتتفق معظم الأحزاب اللبنانية على اختلاف ألوانها على ضرورة ترحيل السوريين لحماية بقاء لبنان. وحذرت الكاتبة من مخاطر إجبار السوريين للعودة إلى مناطق غير آمنة. وتضيف أن الحملة تجري وسط خطاب مناهض للاجئين يستغله سياسيون لتأجيج مشاعر الخوف الأمني والديموغرافي وتحميلهم مسؤولية العجز الاقتصادي المتزايد في البلاد. ويسهم الإعلام بهذه العملية حيث بات يروج لخطاب شوفيني مفاده أن السوريين يتكاثرون بسرعة لدرجة أن عددهم فاق عدد اللبنانيين. وأشارت للحملات التي لا تلقى اهتماما من ملاحقة وتعذيب اللاجئين في الوقت الذي يتم فيه تخوين كل من ينتقد عملية حزب الله في عرسال. والمشكلة الرئيسية في ترحيل اللاجئين هي أن مناطقهم التي فروا منها ويرغبون بالعودة إليها ليست آمنة، كما أن النظام الذي قام بعمليات تغيير ديموغرافي لم يعد راغبا بعودتهم. ومن هنا تحول ضحايا الحرب في لعبة حزب الله إلى شماعة تعلق عليها مشاكل لبنان. وبدا هذا واضحا في تقرير «فايننشال تايمز» (2/8/2017) «لبنان بات قلقا من استضافة 1.5 مليون لاجئ سوري».

في عملية جرود عرسال أصبح الحزب هو الدولة والحكومة تابعة وأما الجيش فحارس

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية