لندن – «القدس العربي»: الحرب لم تدمر المنازل وتقتل المدنيين فقط بل تعدتها الى بث سموم قاتلة على من بقي على قيد الحياة من الجرحى والمصابين وعلى الهواء الذي يستنشقه أهل غزة وعلى المياه باس تخدام الاحتلال لأسلحة محرمة دوليا مثل (الدايم).
غزة اليوم تعيش أزمة خانقة وزادت المعاناة مع موجة البرد الشديد والمنخفض الجوي الذي ضرب المنطقة وأودى بحياة من ليس لديهم مأوى ولا ملجأ.الضحية الأكبر هم من دمرت بيوتهم فمع تأخر الإعمار وتكدس الآلاف في المدارس حيث يقطن 80 شخصا في كل غرفة وحدث ولا حرج عن قاطني الخيام الذين يعتبرون من يسكن المدارس أكثر حظا، وما ترتب على ذلك من شتاء قاس ونقص في الدواء والغذاء والبطانيات وحتى الملابس الشتوية وظهور أمراض جلدية نتيجة عدم وجود مياه نظيفة للاغتسال الا نادرا، ناهيك عن الأمراض النفسية وآثار مابعد الصدمة الناتجة عن العدوان الاسرائيلي وترويعه للمدنيين. وسط كل هذه المعاناة التي لا يتصورها عقل ولا يقبلها ضمير حي يأتي قرار وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين في غزة بوقف تقديم المساعدات المادية للمدمرة بيوتهم ووقف بدل الإيجار بسبب نقص التمويل، ليثير غضب المتضررين من العدوان الإسرائيلي الأخير، الفصائل الفلسطينية نددت بقرار الأنروا واعتبرته جائرا ويفاقم من معاناة الناس وطالبت الفصائلُ الوكالة بالتراجع عن هذا القرار الذي له نتائج سلبية وقد يؤدي الى انفجار وحرب جديدة مع المحتل.
قطع المساعدات
«القدس العربي» حاورت عدنان أبو حسنة المستشار الإعلامي للأنروا في غزة وسألته عن سبب قطع المساعدات التي تقدمها الوكالة وعن مصير الأعداد الكبيرة من اللاجئين الذين كانوا يعتمدون بشكل كلي على هذه المساعدات مع إنقطاع سبل العيش وعدم توفر فرص العمل وتدمير المنازل. أبو حسنة يقول أن هناك شحا في الموارد والأموال التي وعدت بها الدول المانحة لم تصل بالكامل والجزء الذي وصل نفذ من خلال ما قدمته الوكالة من مساعدات مادية وانسانية، ويضيف: نحن جهة تنفيذية لا نستطيع الا الإتصال بالدول المانحة من أجل إرسال المزيد من المساعدات، الكل يعلم حجم الكارثة لكن للاسف الشديد الدول المانحة تخشى الدفع بسبب عدم وجود قرار سياسي فلسطيني موحد وهناك تخوفات من المانحين من دفع مبالغ للاعمار ثم يتم تدميرغزة مرة أخرى بحرب جديدة بالإضافة الى القلق من الخلافات بين فتح وحماس. وأشار أبو حسنة أن عدد البيوت المدمرة بلغ 96 ألف بيت في القطاع وان الأنروا قدمت منحا مالية لـ66 ألف أسرة فلسطينية وانها باتت عاجزة عن تقديم المساعدات بسبب عدم وصول الأموال من المانحين مؤكدا ان الازمة حادة والوضع الانساني خطير جدا في وقت يصم المجتمع الدولي آذانه عن كل المطالبات لتسريع عملية إعادة الإعمار. وأضاف يجب أن تلتزم الدول المانحة بكل وعودها.وبعد أزمة الوكالة في غزة والضجة وبعد اتصالات متواصلة أكد أبو حسنة أن السعودية قدمت مساعدة مالية جديدة للأنروا لاستخدامها في عمليات اصلاح أضرارالمنازل المدمرة في قطاع غزة وتوفير مساعدات مادية ستقوم الأنروا من خلالها بمساعدة 10 آلاف أسرة فلسطينية من ضمنها ترميم وبناء جزء من البيوت وأنه سوف يوزع 1.1 مليون دولار أمريكي على ما يقارب 800 أسرة لاجئة متضررة وسيكون بمقدور هذه الأسر استلام مستحقاتها من البنوك المحلية والمساعدات المادية المزوعة ستكون كبدل ايجار لمدة أربعة شهور لكل عائلة مضيفا أن الجهود والاتصالات مستمرة مع المانحين لتوضيح خطورة الأوضاع في غزة وان هذه المساعدات مؤقتة ومرتبطة بمواقف الدول المانحة ولا تفي احتياجات اللاجئين الذين يتمنون العودة الى بيوتهم بعد إعادة إعمارها.
اوضاع كارثية
أما خليل أبو شمالة مدير مؤسسة «الضمير» لحقوق الانسان في غزة، فقد أوضح لـ«القدس العربي» ان مدير عمليات الوكالة في غزة السيد تيرنر ومن خلال اجتماعه الشهري مع منظمات حقوق الانسان أخبرهم أن الوكالة تعاني أزمة مالية خانقة بسبب عدم التزام الدول بتحويل المبالغ التي تعهدت بها خلال مؤتمر إعادة الاعمار. ويضيف الحقوقي أبو شمالة انه لم يتم تحويل سوى مائة مليون دولار، ذهب جزء الى خزينة السلطة وجزء الى وكالة الغوث، وهذا جزء بسيط من المبلغ الذي اعلن عنه سابقا والذي يصل الى خمسة مليارات دولار.
أبو شمالة أضاف ان هناك تقليصات هائلة في عمليات الوكالة فهي تجد صعوبة بالغة في الوفاء بدفع ايجارات المنازل للأسر التي هدمت منازلها بشكل كامل اضافة الى المساعدة في إصلاح المنازل المدمرة بشكل جزئي. ويشير أبو شمالة أنه في ظل هذه الأوضاع فان الامور ستزداد تعقيدا والنتائج ستكون كارثية خاصة ان غزة لا زالت تعيش تحت الاحتلال والحصار مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر. ويضيف الأمر من وجهة نظرنا كمؤسسة حقوقية يحتاج الى تدارك بشكل عاجل مع استمرار حالة فقدان الامل من جانب السكان والذي حول غزة وفق تقديرات المراقبين الى خزان بارود يمكن ان ينفجر في اي وقت ولا أحد يعلم أين سيتجه هذا الانفجار ولكن من المؤكد ان احدا لن يسلم من تداعياته. وعن دور المجتمع الدولي في التخفيف من حجم هذه الكارثة الانسانية يتحدث أبو شمالة قائلا: نحن أمام مجتمع دولي يمارس ضغطا على المدنيين ولا يتقدم لمساعدتهم ويتركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم،في تجاهل واضح لحقوق سكان القطاع وتنكر لمتطلبات حياتهم اليومية.
تأهيل الاطفال
اياد يحى السقا مسؤول العلاقات العامة والاعلام في جمعية «عطاء فلسطين الخيرية» في غزة، وهي مؤسسة غير حكومية وغير ربحية، يتحدث عن هول الكارثة في غزة وأن الاحتياجات كثيرة ويجب أن لا تتوقف المساعدات عن المتضررين خاصة من اصيبوا بحالات اعاقة منعتهم من العيش بشكل طبيعي، هؤلاء يحتاجون الى خدمات صحية واجتماعية ونفسية مستعجلة ومستمرة بالاضافة الى منازل تناسب الاستعمال الآدمي. نحن نقدم برنامجا اغاثيا وآخر ثقافي نهدف في المؤسسة الى تأهيل الأطفال الفلسطينيين نفسيا واجتماعيا وثقافيا ومساعدة العائلات الفلسطينية المحتاجة ونسعى جاهدين الى توفير الدعم من فاعلي الخير وبعض المؤسسات الخيرية في الدول العربية والأجنبية وبمجهودات بسيطة قمنا بترميم 46 منزل دمر جزئيا في الحرب الأخيرة.
السيد السقا يقول نأمل ان نحقق طموح النازحين والمتضررين بأن يتم توفير مبالغ مادية لانشاء مشاريع صغيرة من شأنها أن تساعد النازحين على كسب مالهم بعرق جبينهم لكن وللاسف الشديد الأموال من المانحين لا تكفي لتوفير هذه المشاريع لتوفير فرص عمل. في غزة نسبة البطالة مرتفعة وتصل الى 83٪ خصوصا بعد العدوان الأخير، لكن للأسف ما يصلنا لا يكفي الا للعمل الاغاثي. نحن كمؤسسات خيرية نواجه صعوبات في مجال التمويل، نأمل في مساعدة نسبة أكبر من المتضررين لكننا نعلم ان حجم المعاناة ازدادت في الدول العربية وبين اللاجئين السوريين والعراقيين، وهذا أثر على تقديم المساعدات للفلسطينيين، بالاضافة الى مشكلة الحصار نعاني من نقص الوقود والكهرباء وارتفاع أسعار المواد الغذائية الوضع مخيف جدا هناك حالات انسانية صعبة جدا خاصة من تضرروا صحيا لدينا عائلة وائل النملة من رفح تحتاج الى رعاية اجتماعية وصحية وسكن ملائم هذه الأسرة تعيش في مكان أشبه بالقبر هم محرومون من الحياة، الزوج والزوجة والأبن فقدوا أطرافهم بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة في الحرب الأخيرة 2014 بالإضافة الى استشهاد شقيق وشقيقة وائل النملة وزوجة شقيقه، قصة مؤلمة من قصص كثيرة يحاول العالم تجاهلها.
الحصار والمعاناة
عدم انتظام فتح معبر رفح وعلاقته بتوتر العلاقة بين مصر وحماس زاد من معاناة أهل القطاع. معبر رفح هو الوحيد الرسمي، والنافذة الوحيدة التي تربط القطاع بالعالم الخارجي. أهالي غزة تربطهم بالجانب المصري علاقات نسب وقرابة وتعتبر مصر بالنسبة إليهم الشريان الوحيد الذي يعطي غزة الحياة لكن الأمور تزداد سوءا اليوم خاصة مع اغلاق المعبر لأسباب أمنية ومع موقف الحكومة المصرية من اعتبار حماس منظمة إرهابية والخلافات السياسية بين فتح وحماس يدفع الغزيون ثمنا باهظا وهم الذين لا حول لهم ولا قوة، لقاء تنقلاتهم واحتياجاتهم الأساسية والآدمية. وبدأت الازمة السياسية تؤثر على أوضاع الفلسطينيين اللاجئين في مصر.
السيدة صباح حسني الخفش مسؤولة اللجنة الثقافية بإتحاد المرأة الفلسطينية في القاهرة تتحدث لـ«القدس العربي» عن التغيرات السياسية في مصر وتأثيرها على وضع اللاجئين الفلسطينيين فيها، وتقول: أعيش في مصر منذ الستينيات ويمكن تلخيص أوضاع الفلسطينيين هنا في عدة نقاط، فقد ارتبطت معاملة الفلسطينيين بالشأن السياسي ارتباطا قويا شهدوا عصرهم الذهبي في ظل الحكم الناصري ذي التوجه القومي العربي فكان للفلسطيني الحق في الدراسة والعمل والصحة والتجنيد اما بعدما توجه السادات الى الغرب بقوة بدأت معاملة الفلسطينيين تنحو منحى آخر آخذا في التدهور المطرد. الفلسطينيون في مصر يختلف توزيعهم الجغرافي عن اللاجئين في سوريا ولبنان والاردن والعراق فهم ينتشرون في أماكن مختلفة ومندمجون مع المصريين ولا توجد لديهم أماكن سكنية مخصصة لهم. الموقف المصري من الفلسطينيين بعد اتفاقية كامب ديفيد جعل الفلسطيني يتعامل كأجنبي ويدفع مقابل الدراسة والعلاج والأسر الفقيرة ليس بمقدورها الدفع من اجل تعليم أبنائها ولا علاجهم واجهوا صعوبات كثيرة من بينها صعوبة الإقامات. بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير تحسن الوضع قليلا وأصبحت هناك تسهيلات للحصول على الهناك تسهيلات للحصول على الإقامة في مصر خاصة لمن يأتي للعلاج أو للعلم أو من تربطهم علاقات قرابة.
حتى ان الآلاف تحصلوا على الجنسية المصرية، أما اليوم فوضع الفسطينيين حساس للغاية وهناك قرارات جديدة من شأنها حرمان بعض الفلسطينيين من الجنسية المصرية لأسباب سياسية وأخرى تتعلق بالإرهاب كما يقول الجانب المصري.
السيدة صباح ومن خلال اقامتها في مصر تؤكد أن تعامل المصريين مع الفلسطينيين في الآونة الأخيرة بدأ يشوبه التوتر وردود فعل غاضبة من قبل المواطنين تجاه الفلسطينيين وذلك بسبب الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها سيناء حيث تتهم حماس بأنها تدعم هذا الإرهاب ضد مصر والجيش المصري. لكن يجب التفريق بين ما يتأثر به الشارع المصري من إعلام مغرض يتسبب في تأجيج المشاعر ضد الفلسطينيين وبين المثقفين والاكاديميين اللذين يعرفون حقيقة الوضع وأن من تورط في عمليات ارهابية في رفح وسيناء هم قلة لا يمثلون كل الشعب الفلسطيني، نلمس هذا التغير في المواقف حتى أن البعض يعتبر انه مادامت مصر ضد حماس فهذا يعني ان الشعب الفلسطيني كله حماس ومع الاخوان. هناك تخوفات واحيانا مناوشات يتهم فيها الفلسطيني بأنه باع أرضه ويريد تدمير مصر، دون ان يعلموا أنه من مصلحة الفلسطينيين ان يكون في مصر نظام يقوي لأنه سوف يقوي موقف القضية الفلسطينية ويدافع عنها. في 2014 بعد العدوان الاسرائيلي على غزة فتح معبر رفح لمدة 120 يوما فقط للعابرين الجرحى والحالات الانسانية الصعبة وزيارة الأهل والطلبة حيث يحتاج العبور الى مصر أياما من الانتظار والمعاناة حتى يتمكن البعض من دخول الأراضي المصرية.
أما عن معاناة أصحاب الإقامات المنتهية في مصر فهؤلاء يعيشون ظروفا صعبة فهناك قرارات بعدم السماح بتجديد إقاماتهم إلا في حالات انسانية قليلة تتعلق بالعلاج والدراسة والتجارة. هؤلاء يختبئون حتى لا تتم ملاحقتهم وطردهم فهم لا يستطيعون العودة الى غزة المدمرة ولا يقبل أطفالهم في المدارس لأنهم بدون اقامة شرعية ومن يملك بعض المال يبحث عن الهجرة غير الشرعية وغير الأمينة والتي أودت بحياة الكثير منهم. وعن تحسين العلاقات وتغيير الصورة المأخوذة اليوم عن الفلسطينيين كونهم السبب في عدم استقرار البلاد والتحريض على الارهاب، تقول السيدة صباح الخفش: نحن نتعاون مع اللجان الشعبية المصرية على أساس احياء كل المناسبات الفلسطينية في المكتبات والقاعات والأندية الثقافية. يجب الاعتراف بأن هناك طبقة مثقفة واعية في مصر تحتضن القضية الفلسطينية لكن الخوف من العامة في مصر الذين يتأثرون ببعض وسائل الاعلام المصرية التي تخلط بين مكافحة الارهاب والقضية الفلسطينية.
سكان غزة المنكوبة يتساءلون لماذا هم الحلقة الأضعف في ظل المطاحنات السياسية التي لا ترحم بدلا من تقديرهم وتعويضهم عما خسروه في مواجهة الاحتلال بكل صمود وبطولة؟ ولماذا لا توضع المصلحة الوطنية ومصلحة المواطنين فوق جميع الاعتبارات السياسية؟ بإختصار، غزة تترك لوحدها تواجه خطر الجوع والتلوث والعراء والأمراض والحصار وخفض المساعدات والاحتلال وعدم وجود قرار سياسي موحد.
وجدان الربيعي