لندن – «القدس العربي»: كتبت الصحافية سارة هيلم مقالاً في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» حاولت فيه تحليل ظاهرة تنظيم «الدولة» في قطاع غزة وإن كانت هناك فعلا ظاهرة من هذا النوع. وقالت في مقالها الذي نشر على موقع المجلة الإلكتروني إن شريط فيديو ظهر في حزيران/يونيو 2015 «رسالة لأهلنا في القدس» وحمل رسالة تهديد لحركة حماس التي لم تعد متطرفة بما فيه الكفاية.
وقابلت هيلم مدير معهد بن باز في مدينة رفح ، الشيخ عمر الهمص والذي يدير مخبزاً وجمعية خيرية ويقول إن مهمته هي نشر رسالة النبي محمد وتقديم الخبز والمساعدة للفقراء ولمن لا مأوى لهم.
واسم معهده يعطي صورة أن الهمص هو شيخ سلفي وهو يدرس تلامذته طرق العودة لمثال السلف الذين عاشوا قرب النبي وراقبوا أفعاله واتبعوا كلامه وتعاليمه.
وعلى خلاف بقية مشايخ السلف الذين ينكرون أي تفكير عقلاني يتعارض مع التفسير الحرفي للقرآن فالهمص منفتح على النقاش. ومع أنه يظهر استعدادا لدعم الجهاد لكنه يعترف بأن العنف يكون غير مبرر في بعض الأحيان ويفضل التركيز على نشر رسالة الإسلام الحقيقية عبر الصلاة والدراسة والتبليغ.
حصار
وتقول هيلم إن قطاع غزة يقع فعلياً تحت سيطرة حركة حماس منذ عام وإن كانت تحكمه إسرائيل عبر وسائل عسكرية وحصار بري وجوي وبحري وهو ما دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لوصفه بأنه «عقاب جماعي ضد سكان غزة».
ورغم كون حركة حماس حركة مقاومة إسلامية ولديها ذراع عسكرية اسمها «القسام» إلا أنها وعناصرها تعتبر في نظر تنظيم «الدولة ـ داعش»، «كافرة» لأنها تضع القضية الوطنية وبناء الدولة الفلسطينية فوق قضية الخلافة.
كما أن استعداد حماس للتفاوض مع إسرائيل حول شروط الهدنة في صيف العام الماضي هو مثال آخر عن تعاونها مع إسرائيل. ولهذا حاول مؤيدو تنظيم «الدولة» في غزة التعبير عن معارضتهم لاتفاق وقف إطلاق النار من خلال كسره وهو ما أغضب السلطات في غزة التي تخشى من ردود أفعال انتقامية إسرائيلية.
وتقول الكاتبة إن حماس حاولت في الأشهر القليلة الماضية سحق السلفية الجهادية في غزة والتي أعلنت بعض جماعاتها وبشكل مفتوح عن دعمها لتنظيم «الدولة» وقامت بالاتصال بشبكاتها في سوريا. وقامت حماس بحملة اعتقالات لمن عبر عن دعم واضح لداعش وأقنعت السلفيين المعتدلين الحديث مع الجهاديين وكشف خطأ تفسيرهم لسيرة النبي محمد وتعاليمه. ومن بين هؤلاء الذين أقنعتهم حماس كان عمر الهمص.
مساعدة حماس
وعندما سألته هيلم عن مخاطر الاصطفاف مع حماس التي تعتبر «كافرة» في نظر الجهاديين وتأثير هذا على موقفه وحياته فرد عليها بالقول إن «الجهاد يسمح به في ظل الأحكام الإسلامية» و»عندما يشعر المسلمون بالخطر على وطنهم وعائلاتهم أو أنفسهم. وهنا يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم». وأضاف قائلاً «في مسألة داعش. في البداية عندما كان تنظيماً عسكرياً إسلامياً يقاتل ضد الإحتلال الأمريكي في العراق، وافقنا على ما كان يعمل ولكنه بعد ذلك تصرف..» بـ «بطريقة غريبة».
وكان يعني في هذا استهتارهم بالدم «أصبحوا متساهلين بالدم، ولا نوافق على كل هذا»، ولهذا السبب قرر الهمص مساعدة حماس على مقاومة وجود تنظيم «الدولة» في غزة. وقال إنه يجب تصحيح مفاهيم مؤيدي داعش، فتفسيرهم ليس التفسير الجهادي الصحيح. «فداعش هو مخلوق غربي وليس «نقياً في داخله».
ويرى أن التنظيم ظهر بسبب آلاف القنابل التي سقطت على رؤوس المسلمين ورفض الحكومات الإسلامية المنتخبة ديمقراطياً مثل مصر ودعم الدولة التي تقوم باضطهاد سكان غزة، أي إسرائيل.
وضغطت كل هذه الأسباب على الشباب وهو ما قادهم للتفكير بنفس طريقة داعش، مما يعني تهميش جيل بكامله «ومع ذلك فنحن لا نوافق هذا التفكير وشجبناه، ولكن علينا فهم الدوافع، وحثنا القرآن على الرحمة والسلام».
بداية الرحلة
تقول هيلم إنها زارت غزة لأول مرة عا 1993 وكانت تكتب في حينها لصحيفة «إندبندنت» البريطانية. أي في بداية عملية أوسلو ومصافحة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مع الإسرائيلي إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض. وفي ذلك الوقت كانت غزة والضفة الغربية خاضعتين للاحتلال الإسرائيلي.
ونص أوسلو على انسحاب القوات الإسرائيلية بشكل كامل من الضفة وقطاع غزة. وبحسب الاتفاق فسترتبط المنطقتان عبر معبر يربطهما معا مع القدس الشرقية التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية.
وتقول إنه بمجرد مصافحة عرفات لرابين رسمت حمائم السلام على جدران غزة. ولم يحقق اتفاق أوسلو أي نتيجة فقد خربه المتشددون من الطرفين كما تقول هيلم.
وفي عام 2005 فككت إسرائيل مستوطناتها في القطاع ولكنها ظلت تمارس السيطرة على الحدود. ومع تراجع آمال السلام، فازت حماس بأغلبية في انتخابات عام 2006 ولكن إسرائيل والغرب رفضا الاعتراف بها واعتبروا حماس حركة إرهابية.
وبعد مناوشات مميتة بين القيادة الفلسطينية سيطرت حماس في عام 2007 على القطاع فردت إسرائيل بفرض حصار عليه وقطعته عن المناطق الخاضعة للسلطة الوطنية في الضفة الغربية.
ويعيش اليوم 1.8 مليون نسمة منهم 1.2 مليون لاجئ في منطقة لا تتجاوز مساحتها 25 ميلاً طولاً و 8 أميال عرضاً.
وتقول هيلم «عندما عدت العام الماضي لنقل أخبار ما بعد الحرب في صيف 2014 وجدته محاطاً بالجدران والأسلاك الشائكة، وتراقبه الزوارق الحربية قرب الشاطئ وتحلق الطائرات بدون طيار في سمائه».
وتقول إنها سمعت كلمة «داعش» لأول مرة بعد ساعات من وصولها حيث أخبرها ولد من بيت حانون أن رجلاً في «زي باكستاني» قام بتفجير أنابيب الصرف الصحي.
ولم يكن الولد ولا الغزيون مهتمين لأن هناك الكثير من الأمور التي تهمهم مثل تنظيف الأنفاض التي خلفتها حرب الصيف بأيديهم خاصة أن القصف الإسرائيلي دمر أكثر من 1100 بيت في القطاع.
وتشير الصحيفة إلى تصميم الفلسطينيين فيما بعد الحرب، وهو نوع من التحدي كما تقول. فقد كان مدهشاً أنهم نجوا عندما قتل 2.205 شخصا بمن فيهم 521 طفلا و 283 إمرأة. ونقلت عن المحامي رجا الصوراني قوله إنه سيتم تقديم إسرائيل للمحكمة الجنائية الدولية ليس من أجل تحقيق العدالة للفلسطينيين ولكن من اجل رسالة للناس «أننا نريد حكم القانون في غزة لا حكم داعش». وعندما عادت مرة أخرى لغزة أخبرها الناس أنهم يأملون بتحقق العدالة، و»كلما تضاءلت آمالهم نما داعش».
الإحباط
وتضيف أن التهديد أصبح خطيراً لدرجة خرج فيها الشيخ السلفي عمر الهمص من الظل ليناشد الغرب تغيير مدخله نحو العالم الإسلامي. ودرس الهمص الهندسة الزراعية ولم يترك قطاع غزة إلا للدراسة في السودان.
ويعمل في رفح في مزرعة للدواجن ويراقب نظافة المياه ولكنه سعيد بطلابه السلفيين ولديه نظريات حول خلق الغرب لـ»داعش». ولكن نقطته الجوهرية واضحة وهي أن «داعش» بدأ يؤكد جذوره بين الشباب المحبطين.
ويخشى أنه لن يكون قادراً على إقناع طلابه بـ»التمسك بالأساليب السلمية». ويرى الهمص أن المشكلة نابعة من الإحباط، فأي شخص مصاب بهذه الحالة يمكنه عمل أي شيء «ولهذا السبب أطلق تحذيرا: لإنهاء معاناة الفلسطينيين.. حتى نستطيع التأثير على أهلنا وإلا فلا يوجد ما يضمن هذا مئة بالمئة».
ورغم أن المعاناة لن تتوقف في وقت قريب إلا أن عدداً من المحللين والسياسيين يشكون في انجذاب الفلسطينيين لآيديولوجية داعش الذي يريد «خلافة» أما هم فيريدون دولة خاصة بهم. كما أن نسبة 90% من المسلمين السنة في العالم يرفضون النشاط السلفي والتفسير الحرفي للدين وأحيانا وسائله العنيفة. وهناك من يفرق بين أنواع من السلفية، العلمية والجهادية إلا أن الخطوط الفاصلة بينها عادة ما تتقاطع.
بذور السلفية
تعود الظاهرة السلفية في غزة إلى سنوات السبعينيات من القرن الماضي عندما تجمع بعضهم حول نشاطات جمعية بن باز التي أطلق اسمها على اسم المفتي السعودي المعروف المتوفى عام 1999.
ولكن المعهد انتهى تأثيره تقريباً مع نهاية القرن العشرين. ومع انتعاش الظاهرة السلفية في بداية القرن العشرين في العالم الإسلامي وغزة، تسلم الهمص معهد بن باز وأعاد الحياة إليه من جديد حيث صار يجمع تبرعات كل عام تصل إلى 4 ملايين دولار في العام.
وتشير إلى شخصية سلفية أخرى وهي إسماعيل حميد، المولود في مخيم الشاطئ عام 1975. وسجن عدة مرات في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. ولكنه تحول للسلفية في عام 2002 أثناء الانتفاضة الثانية. وتنقل عنه قوله «شعرت أنني سأموت في أي لحظة، وكان هذا علامة من الله من أجل أن أموت على الخير». وأصبح من مؤيدي زعيم القاعدة أسامة بن لادن حيث أطلق اسمه على واحد من أبنائه. وأنشأ أول فصيل جهادي «جيش الأمة».
وهناك «جند انصار الله» والذي ساعد في إنشائه عبداللطيف موسى والذي أعلن عام 2009 من مسجد إبن تيمية في رفح عن إمارة إسلامية. ومع بداية الحرب في سوريا سافر حميد عبر مصر إلى هناك «لمعرفة ما يمكن عمله لمساعدة إخواننا المسلمين».
ورفض الحديث عن الجماعة التي التقاها هناك ولكنه ينفي أية صلة مع داعش وقال إن «جيش الأمة» لا يدعمه. وهناك من الغزيين من سافروا إلى غزة حيث يقدر عددهم بحوالي 50 شخصا ولم يعد منهم الكثيرون.
ورغم الإجراءات التي قامت بها مصر بعد حرب 2014 من إغلاق معبر رفح والقيود التي فرضتها على حركة الفلسطينيين وتدمير الأنفاق لمنع ما قالت إنها مؤامرة لحماس لإرسال الجهاديين إلى سيناء إلا ان هذا لم يمنع من تأثر الجهاديين في غزة والذين يدعمون تنظيم الدولة بداعش من خلال «الشيخ غوغل».
وأصبحت صفحة الفيسبوك التابعة لجيش الأمة من المنابر التي يتأثر بها المتعاطفون مع الجهاديين. ويتبع تغريدات الشيخ حميد أكثر من 7.000 معجب معظمهم من داخل غزة. وتشير إلى أول عملية تأثرت بـ»داعش» وهي التي نفذت في تشرين الأول/أكتوبر على المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة. واستهدف المركز مرة ثانية في كانون الأول/ديسمبر 2014.
وفي كانون الثاني/يناير 2015 نظم المتعاطفون مع داعش أول تظاهرة لهم خارج المركز الفرنسي. وجاءت التظاهرة بعد 12 يوما من الهجوم على المجلة الساخرة «شارلي إيبدو» في باريس.
وتنقل عن عاملين في جماعة إغاثة غربية قولهم إنهم شعروا بالدهشة لعدم تحرك حماس ووقف المتظاهرين. ولكن حملة اعتقالات بدأت لاحقا للسلفيين بعد قنابل هاون أطلقت على مركز تابع للقسام في خان يونس. وعلى ما يبدو كان السلفيون يطالبون بإطلاق سراح سجنائهم. وبعد ذلك ظهرت جماعة أخرى أعلنت عن ولائها لداعش وقامت بإطلاق صواريخ سقطت قرب ميناء أشدود.
التعليم
وتقول الكاتبة إن حماس بدأت في البحث عن طرق لمعالجة مشكلة السلفيين الجهاديين وجاء واحد منها من أحمد يوسف من مركز دار الحكمة. وهو مركز بحث يديره يوسف الذي يعتبر من المثقفين الذين سافروا كثيرا ومن المعتدلين في حماس. ونصح يوسف باستخدام الإقناع لا القوة مع السلفيين. ومن هنا زارت لجنة من العلماء السجناء السلفيين.
وحاول يوسف التقليل من مشكلة السلفيين خاصة أن بعضهم كان من عناصر سابقة في القسام غضبوا من استمرار الهدنة ولهذا انشقوا وانضموا للتيار الجهادي السلفي.
وأشار إلى أن عددا من اتباع السلفيين هم من عناصر محبطة في حماس. وقابلت الحركة عائلات من ذهبوا إلى سوريا أو ماتوا هناك. ويقول يوسف إنه شارك في بيوت العزاء لمن ماتوا في سوريا «للنظر في وجوه العائلات وفهم ما جرى» وأضاف «هؤلاء شبان ليس لديهم شيء ولا أمل».
وتشير هنا إلى سكان الشجاعية الذين لا يوجد ما يجذبهم بعد عام من الحرب التي دمرت بيوتهم ولم يتم بعد تعمير واحد منها. فالشباب في غزة لديهم شعور «بالعجز ولا يثقون بأحد – لا الساسة ولا آبائهم الذين لا يستطيعون حمايتهم من الحرب أو منع تدمير بيوتهم ويرون في الإعلام الأجنبي أن كل شخص في غزة هو إرهابي».
وتشير الكاتبة إلى ان الفيديو الذي بث في حزيران (يونيو) 2015 حمل رسالة عن الجهاد موجهة ضد حماس وهو وإن لم يكن متقناً في الإخراج والصناعة إلا أنه كان صادما. وردت حماس بملاحقة تنظيم «الدولة».
وتقول مصادر حماس إنه تم اعتقال المئات، فيما يقول البعض إن العدد أكبر. وهذه المرة من أجل «تثقيفهم».
وبدا التوتر من خلال الحواجز التي أقامها القسام فيما أغلقت حسابات التويتر وصفحات الفيسبوك التي يستخدمها الجهاديون. وتنقل الكاتبة عن ضابط في شرطة غزة قوله «ليس لديهم منظمة حقيقية». وأشار إلى أن جماعات مثل هذه تظهر وتختفي. وتختم الكاتبة مقالها بالقول «في نهاية عام 2015 يبدو مستقبل غزة قاتماً، وما هو حجم القتامة؟ يعتمد على قدرة «داعش» على النمو والحصول على أتباع جدد.
ولا أحد يعرف إن كانت الملاحقة التي تقوم بها حماس له ستنجح أم لا. فقبل عام لم يكن يتوقع أحد أن يظهر التنظيم في غزة. ولو قوي حضور «داعش» فستزيد طلبات التأشيرات والهجرة الجماعية إلى البوابات المغلقة. «فأن يغلق عليك في غزة مع داعش كابوس هو أسوأ من كل الكوابيس التي واجهها الغزيون حتى الحرب الأخيرة».
إبراهيم درويش