في قلب الصراع بعيدا عن الوهم

حجم الخط
0

ما من سبب وطني واحد يدعو تحالف القوى المعادية للشعب السوري (روسيا، إيران، النظام) إلى تكليف نفسه عناء الشروع في عملية تفاوضية جدية حول مستقبل النظام السياسي في سوريا، بعد أن تمكنت وحشية هذا التحالف غير المقدس من فرض شروطه بقوة الحديد والنار على المجتمع السوري.
لكن التقاليد المتبعة في حالة الحروب ومآلاتها تفرض هذا الأسلوب الذي تتبعه موسكو في استثمار ما تعتقده منجزا عسكريا، وتوظيفه في ترتيبات سياسية بطرق مقننة ومعروفة في منظومة العلاقات الدولية، التي تتشدق بمقولات إنسانية نموذجية، بينما ترتكز آليات عملها وغاياتها، على سياسة فرض الأمر الواقع، استنادا إلى موازين قوى صارمة لا ترحم ولا تعترف إلا بلغة القوة ومفرزاتها على الأرض.
ما من حرب أو صراع في تاريخ البشرية إلا وغزل على هذا المنوال المتوحش. وما يجري في اللحظة السياسية الراهنة في سوريا وحولها، لا يخرج البتة عن هذه الدائرة الحلزونية المغلقة، التي ليس في وسعها إلا تكرار نفسها في متوالية لا نهاية لها، والجهود السياسية، بظاهرها، التي يبذلها تحالف القوى المعادية للشعب السوري تصب في الاتجاه عينه، ويسعى من خلالها إلى ترسيم وهم منجزه العسكري، ومحاولة إضفاء شرعية ما عليه، وتثبيت نتائجه إلى أجل غير مسمى، مهما أطلق من تسميات وأوصاف على مختلف المبادرات السياسية المتعلقة بالشأن السوري في هذه المرحلة، ومهما تلونت الأطراف المشاركة في أي منها، ومهما تنوعت أشكال الحل السياسي المطروحة على طاولة المفاوضات، ذلك أنها جميعا لن تفضي، ضمن موازين القوى القائمة على المستويين الداخلي والخارجي، إلا إلى فرض رؤية صاحب الإنجاز الواهم، الذي تمكنت موسكو من موضعة نفسها كرأس حربة له، رغم المجهود الحربي الإيراني المشهود له حقيقة في حرف دفة الصراع لصالح الحليف السوري وأدواته في المنطقة.
والحال، فإن أخذ ما يطلقه هذا التحالف الطارئ على المشهد السياسي السوري من بالونات اختبار سياسية على محمل الجد، ما هو إلا محض تضليل وافتراء على مجريات الأحداث بنسختها الواقعية ومسارها الحتمي الذاهب نحو بلورة نوع من الاستثمار السياسي الروسي في سوريا، الذي بدأت تداعياته تظهر للعلن تباعا، إثر التوافق الثلاثي الروسي التركي الإيراني، وتفكك ما عرف بمجموعة أصدقاء سوريا، وتخلي قوى إقليمية داعمة له عن الضلوع بدورها التقليدي الذي رسمته لنفسها منذ بداية الثورة السورية، بالتزامن مع تثبيت نهج التسويات المفروضة على قوى الثورة في المناطق المحررة، من خلال الحصار والتجويع ومنع سبل الحياة عن سكانها، وبالتالي تهجيرهم إلى منطقة سورية بعينها بانتظار الضربة القاضية المرتقبة، ما يعني المزيد من الاختلال في ميزان القوى لصالح هذا التحالف وتوجهاته السياسية التي تحفظ مصالح أطرافه كافة على حساب المصلحة الوطنية للشعب السوري.
آخر نسخة من بالونات الاختبار السياسية التي أطلقها «التحالف»، وليس الروس وحدهم، كان مشروع الدستور الروسي لسوريا، الذي ترقى مسألة مناقشة تفاصيل بنوده إلى مستوى الخطيئة الوطنية الكبرى، بوضع عربة الحل المتسارع على الطريقة الروسية أمام حصان ثورة باتت في أمس الحاجة الى التقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب بيتها من الداخل، والانجرار وراء وهم التعامل مع مضامين هذا المشروع وغيره من المشاريع المعادية للقضية السورية، مع إغفال معطيات سياسية وعسكرية موضوعية وازنة باتت تلقي ظلالها السوداء «الآن وهنا» في سوريا ومحيطها الاقليمي والدولي. لكن ما يدفع منصات سورية متهالكة عدة، مثل القاهرة وموسكو وحميميم وأستانة، إلى تحمل أعباء الانغماس في وحل تلك الخطيئة هو إدراكها الناجز لانتهاء مدة صلاحيتها، وفوات الأوان على أي دور كان من الممكن أن تضطلع به في مستقبل القضية السورية، وبذلك تكون تلك المنصات قد تحولت من منصات وطنية مترهلة أصلا، إلى نقاط ارتكاز يستند إليها المشروع الروسي في سوريا بعد أن تنادى العديد من شخصياتها وقواها السياسية إلى مناقشة تفاصيل الدستور الروسي لسوريا، وحضور اجتماع موسكو الأخير الذي أعقب مؤتمر أستانة، الذي صدر عنه إعلان باهت أطلق عليه «إعلان موسكو»، وبالتالي المساهمة في الجهد السياسي الروسي الحالي المنصب، في المقام الأول، على خلق دمى (كيانات وأفرادا) يمكن التحكم بها في مستقبل سوريا السياسي، على غرار ما حدث في جمهورية الشيشان في أعقاب تدمير العاصمة غروزني وتعيين رجل موسكو فيها رئيسا للبلاد.
بدل الغرق في وحل المستنقع السياسي المعادي للشعب السوري، وتلقي طعومه السامة غباء أو جهلا أو اصطفافا، يتعين على القوى الغيورة على المصلحة الوطنية لهذا الشعب المنكوب، ضبط القراءة السياسية للمشهد السياسي السوري الحالي، وتبويب مفردات الصراع، ووضع عنوان عريض واضح له، انطلاقا مما أفرزته سنواته الست الماضية من واقع جديد على مستوى الأساليب والأهداف، وكذلك الأطراف المتورطة في هذا الصراع وموقع كل منها على خريطة موازين القوى الجديدة، ومثلها، وربما هذا هو الأهم، انعكاسات كل هذه التجاذبات على الخريطة السياسية لسوريا في اللحظة الراهنة، المرشحة لأن تمتد لسنوات وربما لعقود مقبلة من الزمن. تلك الانعكاسات التي بدأ رأسها الجليدي بالظهور من خلال دعوة الرئيس الأمريكي الجديد إلى إقامة مناطق آمنة في سوريا، بالتوافق مع موسكو وأنقرة، وربما برضا طهران والنظام السوري نفسه أيضا، التي هي أقرب إلى صيغة الحل السياسي منها إلى اجراء من شأنه وقف تدفق اللاجئين السوريين إلى الغرب، وحماية جموع المهجرين، بحيث من المرجح أن يتحول هذا الوضع الديموغرافي الطارئ إلى حالة الديمومة على غرار حال اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا عنوة من ديارهم عام 1948 أو النازحين السوريين والفلسطينيين الذين اقتلعوا من أراضيهم عام 1967.
ومن نافلة القول إنه لا صيغة جاهزة لأي مقترح يضمن خروجا آمنا من هذا المأزق الوطني، إلا برد المسألة السورية إلى جذرها وإعادة وضعها على سكة الوطنية السورية، والانفلات من عقدة الخارج والتزاماته وتوفير ما يكفي من الاستقلالية ليس بعيدا عن إعادة قراءة المشهد بعناصره كافة، ووضع عنوان عريض يعكس الحالة كما هي على أرض الواقع وليس كما يشتهيها البعض، ضمن رؤية وطنية جديدة تنسجم مع مرحلة سياسية راهنة ربما وقع بينها وبين المراحل السابقة طلاق بائن.
كاتب فلسطيني

في قلب الصراع بعيدا عن الوهم

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية