في كتابه «صناعة الموسيقى في العالم العربي»… البريطاني راسي: الموسيقى العربية تنشغل بالعاطفة بعيدا عن التقنيات

حجم الخط
0

عمان ـ«القدس العربي»: أكد الأكاديمي البريطاني والمختص بشؤون الموسيقى العربية أ.ج. راسي في كتابه «صناعة الموسيقى في العالم العربي. الثقافة وفن الطرب» الصادر عن دار كيمبردج، على وجود العاطفة العميقة التي توقظها الموسيقى العربية، وتوجهها إلى المشاعر والأحاسيس، وحالة السامع العربي الذي يعتقله «الطرب» وينغلق في انفعال «أقرب إلى الغريزة»، وهو بذلك يكون قد همّش الناحية التقنية في الموسيقى العربية، التي احتفظت بآلات محدودة، رغم انفتاحها على الموسيقى الأوروبية وسعيها إلى التجدد الذاتي، منذ انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة عام 1932.
أ.ج. راسي أستاذ في جامعة كاليفورنيا وأحد المختصين الكبار بموسيقى العالم العربي، عربي الأصل، عرف موسيقيين عربا عن قرب، واستمع إلى حفلات موسيقية في أكثر من بلد عربي، بدأ في تحليله الموسيقى العربية من التراث العربي القديم، فيذكر «الغزالي» وأبو الفرج الأصفهاني، ويتوقف طويلاً أمام القرن التاسع عشر مستشهداً بأحمد فارس الشدياق، إلى أن يصل إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب والشاعر أحمد رامي، ولا ينسى أن يزيّن صفحات كتابه بمجموعة من الصور النادرة، التي تصوّر طقوس الطرب واقتراب «السامع» من حالات التجلي والنشوة، كما لو كان الغناء مرآة خاصة من مرايا التصوف والذوبان في اللامتناهي.
وأشار فيصل دراج في تعليقه على المؤلف وصاحبه في اللقاء الشهري الذي أقامته دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان بعنوان «موروث الموسيقى العربيّة»، إلى أن راسي فصل بين الموسيقى الأوروبية والعربية، الأولى مشغولة بالصور والمفاهيم، والثانية موقع للعواطف الشديدة، وهو ليس بالأمر الجديد، فالفكر الغربي يأتلف مع العلوم وتطبيقاتها، بينما ينغلق الفكر العربي في ثنائية الدين والشعر. ولعل اقتناع المؤلف بالذوق الشرقي الانفعالي «المهجوس كلياً بالحب والعواطف»، والمغمور بالانفعال والأحاسيس، هو الذي دفعه إلى العثور على شهادات تؤيد ما يقول.
كما عالج الكتابُ الموسيقى العربية معتمداً مقولة محددة هي: الطرب الذي يهزّ القلب ويستولي عليه والذي، بسبب الاختلاف الثقافي، لا يمكن ترجمته، بشكل دقيق، إلى اللغات الأوروبية، كما لو كان بعداً خاصاً من أبعاد «الجمهور الموسيقي» العربي. ومع أنّ المؤلف يؤكد أن «التقنية الحديثة»، كما القيم الثقافية والفنية أخذت طريقها إلى الحياة العربية»، فقد بقي «الطرب» ناظم العلاقة بين الموسيقى العربية والجمهور، باستثناء نخبة لا تعبّر عن المسيطر ولا عن الذوق الفني الذي يأخذ به.
واعتبر راسي الطرب تعبيرا عن التحوّل العاطفي الذي تحدثه الموسيقى، كما الغناء عامة، في كيان المتلقي يساوي، ولو من بعيد، كلمة «الفن»، رغم تعبير لا تنقصه المفارقة هو «فن الطرب». الطرب، كما يقترح المؤلف، هو الحالة العاطفية غير العادية الصادرة عن الأثر الموسيقي، وعلى الرغم من جهوده في تعريفه للطرب إلا أنها بقيت غامضة أو مجزوءة التحديد: إذا كان الطرب يخالط الرغبة والحنين والانفتاح الروحي على السماء، فما الفرق بين طرب الرغبة وطرب العبادة، وما الفرق بين طرب «الوجد»، وطرب العشق الذي يمازجه الألم، وطرب الفرح المنفتح على الحياة. وهل الطرب يستلزم آلات موسيقية متنوعة، أم أن القدرة على توليده لها علاقة بالعازف لا بالآلة؟
وفي حديثه عن علاقة الموسيقى بالثقافة، يشير أ.ج. راسي إلى ثلاثة ظواهر سلبية الأثر، وهي التزمت الديني الذي لا ينظر إلى الفن والغناء، عامة، بقبول وارتياح، من دون أن يمنع هذا انجذاب فئات اجتماعية إليهما. يقود هذا الموقف إلى الظاهرة الثانية المتمثلة بالموقف من «المرأة»، حيث لا ينظر إلى «المطربة» باحترام كبير، ولا يسوغ عملها كمطربة إلا أنوثتها المعلنة، أو وضعها كأنثى، وهو ما لاحظه المصري كامل الخلعي (1880 ـ 1938)، الأمر الذي يستعيد وضع «الجارية» التي تغنّي للأمراء والأميرات في قصور مغلقة. وإذا كان في المنظور الديني المتزمت ما يضيق ساحة الموسيقى والغناء، فإن ما يكمله قائم هو «النظام الأبوي»، الذي لا يرى في الغناء مهنة كريمة، ويضع أمام من يختارها عوائق كثيرة. ولهذا اضطر «المطرب» الشهير عبده الحامولي (1841 ـ 1901) أن يطلب من «المطربة ألمظ»، حين تزوجّها، أن تعتزل الغناء وتكرس ذاتها للحياة الزوجية. ولم يكن حال أم كلثوم (1904- 1975) مختلفاً، ذلك أن شقيقها الشيخ إبراهيم لم يسمح لها، في البداية، إلا بغناء القصائد والتواشيح، وحين كانت تغني أمام الجمهور كانت تلبس ما يلبسه الرجال.
ولا يمكن الحديث عن الموسيقى العربية من دون أن يتطرق المؤلف بالحديث عن الحب، ذلك أن الموسيقى حب بالمعنى الواسع للكلمة، أكان حب فرد لآخر أم عاطفة نحو مجموع ، تضيء الروح وتضيئها الروح، وتعطي الإحساس صياغة جديدة، مجسّدة ما قال به الغزالي، وما جاء به الإنكليزي الدوس هلسكي في كتابه «أبواب الإحساس».
وأشار دراج في حديثه إلى تناول الكاتب موضوع «السلطنة» التي اعتبرها حالة من الاندماج والتركيز الشديد «الهيام الروحي»، والإيقاع: فهناك السلطنة في «مقام الرست»، أو مقام البيات، أو مقام الصبا، حيث العازف يجد نفسه مأسوراً بالإيقاع، أو مأخوذاً باللحن، ومشدوداً إلى ما يطرب، حيث الفواصل والارتفاع والانخفاض والتوقف، وكل ما ينتج تلك الحالة الوجدانية التي تُدعى: السلطنة.
كما توقف المؤلف أمام كلمات العشق السائرة في الثقافة العربية ـ بحسب دراج – حيث المحبوب والحبيب والرقة والجمال والكأس والغزال والورد والنور والخيال والآهات و»الخمرة»… وزّع حديثه على عناوين مختلفة: مضمون العشق، الحب والذهول، الحب وانتظار اللقاء وصف المحبوب، الوقوع في الحب، سلوك الحبيب، تعب الانتظار وبهجة اللقاء. وربط بين الحب والشعر وأضاءهما بعناوين مختلفة: الشعر الغنائي كمنظور للعالم، الشعر والمتعة، الحب كخبرة موسيقية، العشاق كموسيقى للعشاق، الحب كنشوة موسيقية، والمحصلة تكامل الحب والموسيقى والشعر و»روح شرقية» تنأى عن العقلاني وتختلط بالعاطفي والانفعالي.
وأنهى دراج حديثه بمجموعة من التساؤلات حول عدم اقتراب الكاتب من خصائص المجتمع العربي وقضايا علم الاجتماع اللصيقة به، وهل هناك «روح شرقية «خصائصها العاطفة المتدفقة والتجلي والذوبان في المعشوق؟ أم أن هذه المقولات مشتقة من نظر استشراقي قديم، يوكل العقل إلى الغرب والعاطفة إلى الشرق؟ ولماذا بقيت آلات العزف العربية محدودة في زمن طويل؟
وشارك الموسيقيّ الأردني طارق الجندي في اللقاء عارضا لنماذج من الموروث الموسيقي العربي وأساليب استعادته، وتحدث الجندي عن أهمية توظيف التراث بعكس الهوية بدلا من استيراد ثقافة وتمثيلها، وتطور الموسيقى العربية في المئة عام الماضية، من حيث تأثر الموسيقى العربية بمدخلات جدية من الموسيقى الأوروبية والهندية، خاصة الأخيرة لما بينهما من تقارب بموضوع الارتجال والروحانيات، رغم أنها تضم عنصر الصمت بشكل أكبر مما يمنح فرصة للتأمل، وأهم من أدخل التغيير في الموسيقى العربية بأسلوب التقاسيم منير بشير.
وعرض الجندي نموذجا من موسيقى السلاطين العثمانية ونموذج من الموسيقى الراقصة في العهد العثماني، لشدة ارتباط الموسيقى العربية بها، كما قدم مقطوعته «وسط البلد» التي عرض من خلالها ثلاث سيمات تراثية من الموروث العربي.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية