في كتاب بعنوان: «العروبة ولبنان»: فكرتا القومية والوحدة العربيتين هل ما زالتا حيتين؟

حجم الخط
1

 

إذا اعتقدَ البعض ان فكرة القومية العربية والعقائد التي تدور حولها قد زالتا من الوجود في العالم العربي الحالي، فهل هم على خطأ؟
للتأكد من ذلك، عليهم قراءة كتاب صدر مؤخراً بعنوان «العروبة ولبنان» وجمع مقالات حول هذا الموضوع للقياديين في «حزب البعث العربي الاشتراكي» نقولا الفرزلي (تحول حاليا إلى ناشر وكاتب) وعاصم قانصوة (نائب في البرلمان اللبناني الآن ووزير سابق) والمفكرين الآخرين المؤمنين بالعروبة «لمواجهة أخطار انتشار التطرف الديني في المنطقة والعالم» رغيد الصلح وواصف شرارة.
اختار كلٌ من هؤلاء مجموعة مقالات كتبها في مراحل مختلفة من حياته الفكرية وجمعوها في هذا الكتاب الذي يشير في الافتتاحية على صفحته الأولى إلى ان «فلسطين هي القضية المركزية لنضال الأمة وهي البوصلة التي يمكن من خلالها تحديد هوية واتجاه أي نظام في هذا الكون».
وفي مقدمة الكتاب، يردُ مقطعٌ يعتبر أن التصور الأمريكي للشرق الأوسط في مؤتمرات كامب ديفيد (1978) ومدريد (1991) مطابق للتصور الصهيوني للرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس في كتابه «الشرق الأوسط الجديد» (1994) حيث «سيحكم هذا الشرق الجديد النفط الخليجي والأموال العربية والأدمغة الإسرائيلية».
الفصول الأولى من الكتاب تبدأ بمقالات نقولا يوسف الفرزلي، أمين سر القيادة القطرية السابق لحزب البعث في لبنان، والعضو السابق للقيادة القومية. وأولها مقال قدمه في المؤتمر العربي لرفع الحصار الاقتصادي والسياسي عن العراق الذي عُقدَ في دمشق مباشرة قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
يوثق الفرزلي في هذا المقال أن الرئيس الأمريكي (آنذاك) جورج بوش الابن أعاد العالم إلى شريعة الغاب من خلال نظرية «الحرب الوقائية» وان قرار العدوان على العراق اتخذ قبل 11 ايلول/سبتمبر 2001 بكثير وأن العراق كان المدخل للعدوان على كل بلاد العرب والمسلمين لالغاء هذه الكتلة الإنسانية ونفوذها في العالم.
وفي مقال له بعنوان «العروبة هي الحل» دعا إلى قيام ما سماه «القومية العربية بمفهومها الإنساني غير العنصري واللاطائفي» لأن الفراغ في هذا الحيز ملأته الأفكار والتيارات الظلامية وعبأته قتلاً وتدميراً. فالمجازر المستمرة اليوم في المشرق العربي وبصورة خاصة في سوريا والعراق، هي في رأيه «ليست جسدية فقط بل معنوية، لأنها تستهدف كل القيم القومية والإنسانية وكل مبادئ العروبة وليس الأنظمة وحدها، انها تستهدف القومية والوحدة العربية».
وفي مقال عن لبنان كتبه خلال الحرب الأهلية يقول الفرزلي ان «الحل في لبنان هو عن طريق التغيير الجذري في النظام السياسي والاجتماعي بحيث تصبح الديمقراطية وسيلة أمام الطبقات الشعبية المستغلة والمحرومة، ولا تظل وسيلة للتحالف بين الاقطاع والاحتكارات ومُستغلي هذه الفئات، وبحيث يصبح مجلس النواب ممثلاً لطبقات الشعب الواسعة من عمال وفلاحين ومهنيين ومثقفين وسائر القطاعات المنتجة في المجتمع».
وتوقع الفرزلي في مقال عن الحرب في افغانستان عام 2001 ان هذه الحرب لن تقف عند حدود أي دولة من دول العرب والمسلمين، مهما عَظمَ شأنها وتوهمت انها محمية بصداقة واشنطن لها.
وفي المقطع المخصص للنائب الحالي والوزير السابق عاصم قانصوة، يؤكد ان «الوطن العربي يشهد مشروعين احدهما العروبة والممانعة، والآخر تفتيت المنطقة إلى دويلات ونشر (الفوضى الخلاقة) ومشروع (الشرق الأوسط الجديد)». كما يشير في مقال له بعنوان «العروبة هويتنا» إلى «ضرورة التمسك بخيار مقاومة إسرائيل وبالحوار الوطني كحل أمثل للأزمة السورية».
أما أهم ما ورد في القسم المخصص لمقالات الدكتور رغيد كاظم الصلح، الكاتب والمدير لمؤسسات أبحاث بارزة (سابقاً وحاليا)، فهو دعوته إلى الحوار العربي ـ الإيراني وبناء علاقات إيرانية مع الدول العربية مشابهة ومرادفة للعلاقات التفاوضية النووية التي جرت بينها والدول الغربية. ودون تطور العلاقات الإيرانية العربية (في رأيه) فإن أمن إيران والأمن العربي سوف يبقيان عرضة للتحديات والمخاطر. كما يدعو إلى مصالحات وطنية داخل الدول العربية التي تسودها انقسامات شديدة، وبين الدول العربية المختلفة التوجهات.
ويركز الصلح على مواجهة تحدي الهيمنة الأجنبية وخطر التوسع الإسرائيلي «الذي يهدد العرب وإيران».
كما يوضح ان إسرائيل تخشى وتنزعج كثيراً من المعارضة الدولية لسياساتها وتسعى لاسكاتها، وخصوصا المعارضة الآتية من اليهود في الشتات. وعلى العرب ان يدركوا هذه الوقائع ويحسنوا التعامل معها.
ويدعو الصلح إلى الاسراع في تطبيق الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى السياسية، في العالم العربي في إطار الردود المطلوبة على «الفلتان» الإسرائيلي في المنطقة. ومنها مسألة النهوض بمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
أما واصف شرارة، عضو الهيئة الإدارية لجمعية التخصص والتوجيه العلمي في لبنان (حتى عام 2015) ورئيس «نادي الإحياء العربي» في لبنان (حتى 2015) ففي مقاله بعنوان: «الوطن في خطر والعروبة هي الحل» يعتبر أن «من العيب ان يسقط شعار العروبة أمام الايديولوجيات الكيانية الضيقة». ويستشهد بموقف رئيس الوزراء اللبناني السابق سليم الحص الذي اعتبر ان إسرائيل تريد القضاء على مفهوم العروبة لكي تضع المنطقة برمتها تحت مظلتها.
ويقول شرارة ان فكرة الوحدة العربية «أصبحت سراباً وان كل قطر عربي حالياً مهدد بالانشطار». وان بيروت كانت وستبقى الملجأ لكل قومي عربي أبعده القمع عن بلاده، وانها حافظت على إرث التحرر العربي والخطاب القومي.
وفي مقال له عن هجرة العقول العربية ونزيفها يقول شرارة ان «العراق امتلك عدداً لا بأس به من الخبراء والعلماء، وتم اغتيال الآلاف منهم خلال وبعد غزو العراق عام 2003 ولكن الباقين أعادوا بناء البلد». ويعتبر ان هجرة العلماء العرب «من مسؤولية الجامعة العربية ومنظمة العمل العربي».
أما «مشروع الشرق الأوسط الجديد» الذي تحاول أمريكا فرضه في المنطقة فقد فشل، في رأي شرارة «بفضل المقاومة العربية الباسلة في العراق ولبنان وفلسطين، وانتفاضات الشباب العربي في تونس ومصر وليبيا والروح الثورية في باقي الأقطار العربية». والمطلوب اليوم، من منظاره، هو تعزيز منهج المقاومة وتعميق ثقافتها.
وحول قرار إجتثاث البعث الذي نفذه بول بريمر خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، بعد غزو عام 2003، فانه صدر، حسب شرارة، وطبق لأن «الفكر العروبي هو الذي يمنع الأمريكيين من الهيمنة ويحول دون تحقيق مشروعهم الهادف إلى تفتيت وتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية». وعلى حزب البعث العراقي، وفي المنطقة عموما في رأيه ان يستعيد دوره ويعتمد على صناديق الاقتراع للعودة للقيام بدور قيادي في السلطة، إذ أن بعض ممارسات «البعث في الماضي» لم تكن فوق الانتقاد.
ولعل هذه الجملة الأخيرة التي ذكرها شرارة تلخص المشكلة التي عانى منها حزب البعث عموماً في العراق وسوريا ودول أخرى والتي مارستها قيادات البعث وبعض الأحزاب القومية العربية «الوحدوية» في مصر ودول عربية متعاضدة معها. فقيادات البعث في العراق وسوريا لم تكن تتحمل المعارضات المنتقدة لسياساتها وكانت تقمعها بشدة وبوحشية في بعض الأحيان وصناديق الاقتراع عندما كانت مسخرة لمشيئة قادة الحزب المهيمن أكان حزباً بعثياً أو وحدوياً عربياً من طراز آخر. والأحزاب المعارضة كانت شبه شكلية وضعيفة النفوذ ما أتاح للأحزاب المهيمنة الفوز في الانتخابات بأكثريات تتعدى التسعين في المئة. أما المعارضون الأقوياء وقادتهم فقبعوا في السجون لفترات طويلة أو تمت تصفيتهم جسديا.
وبالتالي، فالعرب عموماً يؤمنون بالعروبة وقضاياها ولكنهم، في النهاية، كسائر البشر، يضعون الإنسانية والعدالة على رأس أجنداتهم ويكرهون القمع.
ومن الأمور التي كان من المنتظر ان يعالجها كتاب «العروبة ولبنان» السؤال الذي يُطرح في أكثر من مناسبة: لماذا لم تتهافت الأقليات الأثنية والدينية للانتساب إلى البعث والأحزاب الناصرية الوحدوية العربية في لبنان وغيره؟ فمع ان الأفكار القومية العربية انطلقت من جانب مفكرين وقادة من الأقليات الأثنية والدينية في لبنان وسوريا كجورج انطونيوس وميشال عفلق وزكي الارسوزي وسلطان الأطرش وكمال جنبلاط، فان ممارسات الأنظمة البعثية والقومية العربية في العراق وسوريا ومصر دفعت الكثيرين من هؤلاء للاتجاه نحو أحزاب أخرى اعتبروها أكثر ديمقراطية أو إلى تأسيس أحزابهم الخاصة التي تتوافق إلى درجة أكبر مع خياراتهم وحاجاتهم.
المشكلة الرئيسية لدى معظم هؤلاء لم تكن أنهم لم يعتبروا انفسهم عروبيين، ولكن لكون بعض الأنظمة البعثية والناصرية لم تشعرهم بانهم أصحاب القرار بالفعل بل تابعين لها. وفي كثير من الأحيان كان المطلوب منهم التصرف كممثلين للأوامر. وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى «انفراط» الوحدة المصرية السورية في الجمهورية العربية المتحدة التي تمت عام 1958 ولم تدم لأكثر من ثلاثة أعوام، ولخلافات عبد الناصر مع القوميين السوريين والبعثيين وغيرهم ولهيمنة صدام حسين وحافظ الأسد على معارضيهم والتنكيل بهم، حتى داخل الحزب الواحد، ما أدى لاعتكاف القائد ميشال عفلق في لبنان مراراً (هو وغيره).
كما أن بعض الأحزاب العروبية الوحدوية نبذت الطائفية في أيديولوجياتها ولكنها في كثير من الأحيان مارستها في أنظمتها. والمطلوب من العروبيين حالياً اعتماد أفكار وقيم فاصلة لمواجهة الايديولوجيات التكفيرية التي تستخدم الدين لأهداف سياسية.
نقولا الفرزني، رغيد الصلح، عاصم قانصوة، واصف شرارة: «العروبة ولبنان»

مطبعة كركي، بيروت 2015
141 صفحة

في كتاب بعنوان: «العروبة ولبنان»: فكرتا القومية والوحدة العربيتين هل ما زالتا حيتين؟

سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية